بحوث ودراسات

د. جمال عبد العزيز يكتب: قراءة بلاغية في سورة المسد

Latest posts by د. جمال عبد العزيز (see all)

قال -تعالى-:

{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}

[المسد: 1 – 5].

تعرض السورة لنمط من أنماط المواجهة بين الحق والباطل، وتحكي عاقبة الباطل الوخيمة، وتكشف عن انتصار الحق وأهله في نهاية المطاف،

وتوعد الحق -جل جلاله- لكل مَن يقف أمام دينه ورسله ودعاته، رجالاً ونساء، بالويل والثبور، والتَّباب والهلاك.

فتبدأ الآيات بهذا الدعاء المشفوع بالخبر،

الدعاء على الصادِّ عن سبيل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾،

والخبر: ﴿وَتَبَّ﴾، والتبُّ في اللغة هو الانقطاع والخسران والهلاك، يقال في الدعاء: تبت يده، وتبًّا له،

وتحمل المادة اللغوية معنى الضعف والشيخوخة إلى جوار الهلاك والدمار، والخسارة الكاملة، وهنا مجاز عقلي علاقته السببية؛ لأن اليد سبب في كل خير أو في كل شر.

وقد يكون مجازًا مرسلاً علاقته الجزئية؛ حيث أطلق اليد، وأراد كل الجسد؛ لأنه إذا هلكت اليد التي هي سبب الفعل،

فقد هلك صاحبها، وفيها كناية كذلك عن صفة هي الهلاك والخسران والضياع.

كما أن فيها استعارة مكنية؛ حيث شبه اليد بإنسان يَخسر ويهلك، وحذف المشبه به، ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو التب والخسارة والهلاك.

وفيها كناية كذلك عن صفة هي محبة الله – سبحانه – لرسوله – صلى الله عليه وسلم – حيث سارع بالدفاع عنه،

وذلك عند ما صَعِد الرسول -عليه الصلاة والسلام- على الجبل وقال: ((يا صباحاه))، فاجتمعت قريش،

فقال: ((أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبِّحُكم أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟))،

قالوا: نعم، قال: ((فإني نذير بين يدي عذاب شديد))، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبًَّا لك؛ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.

وحذفت نون المثنى ﴿يَدَا﴾ للإضافة، فهي يداه التي آذى بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان كثير البغض له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه،

وفي قوله: ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ كنايتان:

الأولى: كناية عن موصوف، وهو عم الرسول – صلى الله عليه وسلم – واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة.

والثانية: كناية عن صفة هي التهاب وجهه من الاحمرار والإشراق، وكان رجلاً وضيئًا، أحول العين ذا غديرتين.

وقوله: ﴿وَتَبَّ﴾؛ أي: وقد هلك، وتحقق خسرانه وهلاكه بالفعل؛ فهي كناية عن صفة هي القصاص،

وحصول ما يشفي الغليل؛ لأنه فعل ماضٍ، وهي كناية توحِي بالراحة التامة،

والسعادة الكاملة بالنقمة التي تقع بكل مَن يقف أمام أهل الله، وأحبابه، والدعاة إلى دينه وشرعه.

والفاعل مستتر تقديره هو، ففي الأولى دعاء عليه بهلاك يديه، وفي الثانية إخبار عن هلاكه هو نفسه هلاكًا تامًّا، والفعل الأول أنِّث جوازًا، والثاني ذكِّر وجوبًا.

قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.

إما أنه أسلوب استفهام؛ لإفادة حسرته وضياعه، هذا إن اعتبرنا ﴿مَا﴾ استفهامية؛ أي: أيُّ شيء أغنى عنه ماله؟

أو أي شيء أغنى عنه ذلك المال، إذا كانت نهايته وخيمة وعاقبته سيئة؟

ما الذي قدمه ماله وهو في هذا الهلاك والدمار؟

أو هو أسلوب نفي إن اعتبرنا ﴿مَا﴾ هنا نافية؛ أي: لم يغنِه ماله، وكسبه عن ضياعه ودخوله النار،

وفيه دلالة على رعاية الله -تعالى- لأنبيائه وأوليائه، بأنه لا يمكِّن أعداءه من أوليائه،

ولا يترك أصفياءه؛ فتخرج ﴿مَا﴾ على هذا الوجه نافية، فهو أسلوب نفي،

وفيه كناية عن صفة، وهي عدم نفع المال لصاحبه إذا كان الله له بالمرصاد.

واستعمال ﴿مَا﴾ التي تفيد العموم، له دلالته في سياقه؛ وذلك ليدخل فيه كل ما كسب أبو لهب: من مال، وعشيرة، وأهل، ونسَب، وعقار، وأراض؛

لأن الولد من كسب الرجل، و«مال» هنا اسم جنس؛ أي: جنس أمواله، وهي تعني أن المال في يد أبي لهب وحده، لم يملِّكه أحدًا،

ولم يتركه لغيره، فهو له على وجه التفرد والسيطرة، وترك المفعول به في ﴿كسب﴾، وحذفه ولم يظهره؛ أي: «كسبه»،

كما أن بناء الجملة قصير، والأفعال هي الأخرى قد اقتصرت على فواعلها تحقيرًا له، وعدم إكثار للحديث عنه، فهو لا يستأهل أن نستكثر الحديث عنه.

سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ

وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، هذا أسلوب توكيد، أداته السين؛ أي: إنه سيدخل النار حتمًا، وذلك الدخول مؤكد،

واستعمال السين دون سوف لبيان سرعة دخوله، وعدم تأخره، وورود الفعل ﴿يَصْلَى﴾ بالمضارع يفيد استمرار صلائه، ودخوله النار، وعدم خروجه منها،

وأن ذلك حاصل وحتم لازم، قد كتبه الله عليه، وفيه دليل على معجزة النبي -صلى الله عليه وسلم- الظاهرة، وهو كذلك دليل واضح على النبوة،

فإن أبا لهب منذ نزل قوله -تعالى-:

﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾،

وعلم أنه أخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان – لم يقيضْ لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما، لا ظاهرًا ولا باطنًا، ولا مسرًّا، ولا معلنًا،

فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة، ومن أقوى الأدلة على سَعة علم الله، وكامل هيمنته على كونه، وعباده.

وقوله -تعالى-: ﴿نَارًا﴾ بالتَّنكير: إنما ورَد كذلك لبيان عِظَمها وجَسامتها وخطورتها وكِبَرها، فهي اسمُ جنس؛ أي: نيرانًا،

وقوله: ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ صفةٌ لـ(نَارًا)، وقد وصفت هنا بأنها صاحبةُ لَهب، والإضافة على معنى اللام، فكأنها تملِكُ اللهبَ، فهو مِلكٌ لها، لا يفارقها،

ومن ثَمَّ فهو لا يفارق أبا لهبٍ، وهناك جناسٌ بين (أبي لهب) و(نارًا ذات لهب)،

وفيها مشاكلة تحْزِن أبا لهبٍ، وتستهزئ به، وتخبره أنَّه سيَصلى نارًا متأجِّجةً،

كما هو متأجِّج وجهُه، وملتهبٌ قلبُه على الدعاة، ومَن وَهبوا أنفسهم لله، ولبيان شرعِه وجلالِ دِينِه للناس.

وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ

قوله -تعالى-: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ورَد التعبيرُ هنا بالاسمِ الظاهرِ، دون التعويلِ على اسمها الحقيقي،

وفيه كنايةٌ عن احتقارها، بعدَمِ إيراد اسمها، على شاكلة قولِ الهدهد الذي لم يعجِبْه سلوكُ بلقيس في هذا الموطن،

فقال محتقرًا لها، منكِّرًا اسمَها، متحدِّثًا عنها كأنها غائبةٌ نكرة لا شأنَ لها ولا قيمةَ: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: 23]،

وصيغة المبالغة ﴿حَمَّالَةَ﴾ توحِي بكثرةِ أفعالها السيِّئة، وحملها المتكرِّر للأذى، والحطب كنايةٌ عن موصوف، وهو الأذى، والفتن، والتنقُّص، والازدراء،

وكلُّ ما يمكن أنْ يحتَطب، فيحتمل أنَّها تحمل الحطبَ على وجه الحقيقة،

أو أنَّ الحطب سببٌ في الإشعال والإحراقِ، فهو مجازٌ مرسل علاقتُه اعتبارُ ما كان،

ونصبُ حمَّالة (وهو قراءة حفص)، فعلى الذمِّ، فهي مفعول بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه أذمُّ، أو ألعنُ، أو منصوبٌ على القطع من ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾،

واستعمالُ صيغةِ المبالغة يدلُّ على قدر ما بذلَتْه ضد الدعوة، وما احتملَتْه من آثامٍ وذنوب كثيرة،

عبِّرَ عنه بـ(حمالة) التي هي على وزن فَعَّالة، والإضافة هنا إضافةٌ لفظيَّة، وعلى الرفع في ﴿حَمَّالَةَ﴾ تكون ﴿حَمَّالَةَ﴾ خبرًا لامرأته؛

أي: إنها امرأةٌ سيِّئة تحملُ الشرَّ للناس، والحطبُ رمزُ الفتنة، والفتنة أشد من القتل.

قوله -تعالى-: ﴿فِي جِيدِهَا ﴾ فيه مجازٌ مرسَل علاقته الجزئيَّة؛ حيث أَطلق الجزء (الجيد)، وأراد الكلَّ، أي: النفسَ كلَّها؛

والجِيدُ للمرأة رمزُ جمالها وأنوثتها، وهي تتدلَّلُ به لابسةً فيه ما يجذبُ الرجال إليها، وهو مَثارُ إعجابٍ وفخارٍ بالنسبة لها،

واستعمالُ الحرف ﴿فِي﴾ يدلُّ على استغراق الحبل في كلِّ عنقها، لم يَترُك صغيرة ولا كبيرة إلا ولفَّها،

ودار حولها حارقًا إيَّاها، مفتِّتًا لها، كما أنَّ هناك أسلوبَ قصرٍ، بتقديم ما حقُّه التأخير: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾،

فقدَّم الخبر ﴿فِي جِيدِهَا﴾ على المبتدأ ﴿حَبْلٌ﴾؛ ليُبرز -بجلاء وسرعة- عن مَكان وجود الحبل الملتفِّ من النار، أو الليف الحار،

وتنكير ﴿حَبْلٌ﴾ لبَيان كِبَره، ومَتانة فتله، وعِظَمه، وضَخامته، فهو تنكيرٌ للتعظيم، ثم وُصِفَ بأنَّه من مسدٍ،

أقوال بعض أهل العلم

قال بعض أهل العلم: في عنقها حبلٌ من نار جهنم، ترفَع به إلى شَفِيرها، ثم يرْمى بها إلى أسفلها، ثم يتتابَعُ ذلك دائمًا،

وربما كان وَجْهُ هذا القول: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ﴾ على أنَّه جملة اسميَّة استئنافيَّة،

أو على أنه جملة وقعت خبرًا عن (امرأته)؛ فقد أخبر عنها بهذه الجملة ذات التقديم والتأخير،

وفيه كنايةٌ عن العاقبة السيِّئة لكل من سوَّلت له نفسُه إيذاءَ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أو أحدٍ من الدعاة،

كما أنَّ فيها تطمينًا لكلِّ داعيةٍ أنَّ اللهَ معه، ولا يتركه، بل هو من وَرائه يؤيِّده، ويقوِّيه، ويعينه، ويرعاه،

وكنايةٌ عن صفة هي إدخال السكينة والهدوء على أفئدة الدعاة؛ ليستمرُّوا في دعوتهم، واثقين من معية الله، ورعايته لمسيرتهم وطريقهم.

والسورة كلُّها تأييدٌ لرسول الله بوصفه الداعيةَ الأولَ، ولكلِّ مَن يسير على نهجه؛ لأنه مقْتدٍ به، مؤْتَسٍ بسيرته؛

فالقارئ لهذه السورة يَشعُر بالراحة والسكينة، خصوصًا إذا كان داعيةً، قد حَمَلَ هَمَّ دعوتِه في صدره، ومشى بها، وعاش لها، ونذر أنفاسه لنشرها، والذودِ عنها،

كما أنَّ فيها تَشفِّيًا بنهاية الظالمين، وعاقبة الفاسقين، إنَّه الخسران المبين، والبَوار التامُّ لكلِّ من عاند الله، وآذى رسوله، أو أحدًا من أوليائه،

وهو يذكرنا بقوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن ربِّه: ((من عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرب))،

نسأل الله -تعالى- أن يمكِّن لعباده، ولدينه ولأوليائه، وأن يكتب لهم التوفيق، والسداد، والتمكين، والثبات،

وأن يخذلَ كلَّ من خذل الدين، وصدَّ عن سبيل الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى