آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: ..وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ.. (1)

الحلقة الأولى: أحداث هامة في شهر ربيع الأول

لئن ازداد شهر ربيع الأنوار نوراً بمولد نور الهدى سيدنا وحبيبنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولئن ازداد شرفاً بهذا المولد الشريف فإنه كان أيضاً محلاً لأحداث كبار غيَّرت وجه التاريخ، ففيه كان الوداع والفراق الأبدي للنور النبوي الذي أضاء الدنيا برسالة التوحيد الربانية، هذا الفراق الذي أبكى عيون الصحابة وأحزن قلوبهم، فكان مصابهم بوفاته جللاً لا عزاء لهم بعده، ذلك أنه بوفاته صلى الله عليه وسلم انقطع خبر السماء ووحي الله عن الأرض، ولأنه يوقن بأن الموت نهاية كل حي إيماناً بقوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} الزمر 30، فقد بدأ صلى الله عليه وسلم يهيئ أصحابه لذلك وكأنه يودع الحياة، فقال لهم في حجة الوداع {… لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه} رواه مسلم، وقبل وفاته بأيام { خرج إلى أُحُد فصلى على الشهداء ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فَرَطكُمْ (سابقكم) وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت خزائن مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا ولكن أخاف أن تنافسوا فيها (أي الدنيا)} رواه البخاري.

 

وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه {خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الناس وقال: إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله، قال فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر وكان أبو بكر أعلمنا} رواه البخاري، فالمصيبة بموته صلى الله عليه وسلم ليست كأية مصيبة، ولن تأتي مصيبة بعدها أعظم منها إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم {إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب} رواه أبو داود ، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذا عزى بميت قال لوليه [ليس مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة،  والموت أهون ما بعده وأشد ما قبله، اذكروا فقد نبيكم تهون عندكم مصيبتكم صلى الله عليه وسلم وأعظم أجركم].

 

وما بين المولد والوفاة وقعت في شهر ربيع الأول أحداث من أعظمها أثراً على الرسالة والأمة الهجرة النبوية إلى يثرب، خرج صلى الله عليه وسلم من مكة يوم الخميس الأول من ربيع الأول، ودخل يثرب لاثنتي عشرة خلت منه، رحلة مباركة أوجدت المجتمع المسلم وأنشأت الدولة المسلمة الأولى فاستمرت قروناً طويلة قبل أن يسقطها أتاتورك في الشهر ذاته من عام 1341 للهجرة، قدمت هذه الدولة العتيدة حضارة فريدة على مرّ الزمن، ولأهمية هذا الحدث العظيم جعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مبتدأ التأريخ الإسلامي، روى ابن أبي شيبة عن الشّعبيّ أنّ أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كتب إلى عمر [إنّه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ] فجمع عمر النّاس، فقال بعضهم أرِّخ بالمبعث، وقال بعضهم أرِّخ بالهجرة، فقال عمر  الهجرة فرّقت بين الحقّ والباطل فأرّخوا بها].

 

وبهذه الهجرة بدأت دعائم الدولة الناشئة وركائزها، فكانت صياغة أول دستور لها بكتابة صحيفة المدينة، وهي الوثيقة التي حددت ونظمت العلاقات بين مواطنيها من المهاجرين والأنصار واليهود ومن لم يسلم من أهلها، ثم كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، مؤاخاة حقيقية كاملة بالأسماء وليست مجرد شعارات عاطفية، بل نزلت آيات كتاب الله تفصل بعض أحكامها، ومن نماذجها المؤاخاة بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، والمؤاخاة بين مصعب بن عمير وابو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم جميعاً.

 

وفي شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة وقعت أحداث غزوة بُوَاط، وبواط تقع على طريق القوافل بين مكة والشام، وهي ثاني غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم مهدت لغزوة بدر الكبرى، وهدفها التضييق على قريش وفرض الحصار الاقتصادي عليها، وإشعارها بأن تجارتها مع الشام مهددة من المسلمين الذين نهبت أموالهم ظلماً وعدواناً في الهجرة، خرج صلى الله عليه وسلم في مائتين من أصحابه يعترض قافلة لها تتكون من ألفين وخمسمائة بعير ومائة رجل، واستخلف على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، فبلغ بواطاً من ناحية جبال رضوى. فلما علمت عيون قريش بخروج المسلمين أسرعت القافلة وسلكت طريقاً غير طريق القوافل المعتادة فنجت ورجع المسلمون إلى المدينة.

 

وفي شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة أيضاً كانت غزوة سفوان؛ حيث خرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع سبعين رجلاً في طلب كُرْز بن جابر الفِهْري الذي أغار على مراعي المدينة في قوات من المشركين فنهب المواشي، فطارده المسلمون حتى بلغوا وادياً يقال له سفوان من ناحية بدر، ولذلك تسمى بغزوة بدر الأولى، واستخلف صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة زيد بن حارثة رضي الله عنه على المدينة، ورجع المسلمون من هذه الغزوة دون حرب لأنهم لم يدركوا كرزاً، ثم إن كرزاً هذا أسلم فيما بعد وحسن إسلامه وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم واستشهد رضي الله عنه يوم فتح مكة.

 

وفي شهر ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة تزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه السيدة أم كلثوم بعد وفاة اختها رقية، قال صلى الله عليه وسلم  {ما زوَّجْتُ عثمانَ أمَّ كلثومٍ إلَّا بوحيٍ من السَّماءِ} رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، وروى سعيد بن المسيب أن {النبي صلى الله عليه وسلم رأى عثمان بعد وفاة رقية مهموماً لهفان فقال له ما لي أراك مهموماً؟ قال يا رسول الله وهل دخل على أحد ما دخل عليّ؟ ماتت ابنة رسول الله التي كانت عندي وانقطع ظهري وانقطع الصهر بيني وبينك، فبينما هو يحاوره إذ قال النبي يا عثمان هذا جبريل عليه السلام يأمرني عن الله عز وجل أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها وعلى مثل عشرتها، فزوجه إياها}.

 

وفي الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة وقعت أحداث غزوة الأنمار، وهو موضع من ديار غطفان فسميت أيضاً بغزوة غطفان، وتعتبر أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم  قبل معركة أحد، وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فسار إليهم صلى الله عليه وسلم في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل ليشعرهم ويُشْعِر الأعراب بقوة المسلمين، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد علم المشركون من بني ثعلبة ومحارب بمسير المسلمين إليهم فتفرقوا وفرّوا إلى رؤوس الجبال الشاهقة، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم وهو الماء المسمى بذي أمر ومكث فيها مدة دون أن يلقى كيداً من أحد، ثم عاد بعدها إلى المدينة المنورة.

 

وفي شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة كانت غزوة بني النضير؛ حيث ذهب صلى الله عليه وسلم إليهم يطلب المشاركة في دية رجلين بموجب بنود صحيفة المدينة، فحاولوا اغتياله بإلقاء صخرة كبيرة عليه من فوق الجدار الذي يتكئ إليه، فغادر المكان مسرعاً إلى المدينة بأمر الوحي، فأنذرهم بالخروج من المدينة وألاَّ يساكنوه فيها بعد تعدد محاولات الغدر منهم، وهذا ديدن اليهود في كل العصور والدهور، ولستُ أدري كيف يوثَقُ بهم اليوم وبعهودهم ووعودهم ومواثيقهم ؟ رفض اليهود ذلك مستندين إلى دعم المنافقين، فخرج صلى الله عليه وسلم وحاصرهم ست ليال استسلموا بعدها وألقوا السلاح ووافقوا على الخروج ومعهم ذراريهم ولهم فقط ما حملت الإبل إلا السلاح، وقبل خروجهم خربوا ديارهم بأيديهم، فنزلت في ذلك سورة الحشر، ومن آياتها قوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} الحشر 2.

 

وفي الخامس من شهر ربيع الأول للسنة الخامسة الهجرية إلى دُومة الجندل التي تقع على بُعد 600 كيلو متراً شمال المدينة المنورة، وسببها وصول الأنباء إلى المدينة المنورة بتجمع بعض قبائل المشركين عند دومة الجندل للإغارة على القوافل التي تمر بهم، وتمهيداً للاعتداء على المدينة المنورة فيما بعد، وعلى الرغم من بعدها عن المدينة المنورة إلا أنها تقع على الحدود بين الحجاز والشام، لذا فسكوت المسلمين على هذا التجمع سيؤدي بالتأكيد إلى تطوره واستفحاله مما سيضعف قوتهم ويسقط هيبتهم، وقد يؤثر على وضعهم الاقتصادي لاحتمال تعرض قوافلهم أو قوافل القبائل التي تحتمي بهم للسلب والنهب، خرج صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه، وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى يخفي مسيره ولا تشيع أخباره وتنقل أسراره وتتعقبه عيون الأعداء، وسار حتى دنا من القوم فلم يجد منهم أحداً إذ إنهم تفرقوا وولوا مدبرين، وتركوا أنعامهم وماشيتهم غنيمة باردة للمسلمين.

 

وفي شهر ربيع الأول من السنة السادسة للهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني لحيان من هذيل في مائتي صحابي واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وبنو لحيان هؤلاء هم الذين غدروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العشرة الذين أرسلهم في مهمة دعوية إلى إحدى القبائل في السنة الرابعة للهجرة في الغزوة المعروفة بغزوة الرجيع، فقد قتلوا سبعة من الدعاة وسلموا الآخرين إلى قريش ومنهم خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة رضي الله عنهما، وتبعد أراضي بني لحيان عن المدينة أكثر من مائتي ميل، فما كاد النبي صلى الله عليه وسلم يقترب بجيشه من منازلهم حتى انسحبوا منها فارين هاربين إلى رؤوس الجبال، فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه عسكر في ديارهم ومكث يومين كاملين يبث السرايا من رجاله ليتعقبوهم بحثاً ومطاردة، إلا أنها لم تجد أيّ أثر لتلك القبائل، فعاد إلى المدينة بعد أربعة عشر ليلة، لقد كان لهذه الغزوة أثرها الكبير في بث الرعب لدى أعداء المسلمين بمن فيهم قريش، فأصبحوا يحسبون لهم ألف حساب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى