آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: «وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته»

د. تيسير التميمي

شرع الله سبحانه وتعالى لنا عند انحباس المطر صلاة نتوجه بها إلى ربنا نسألونه فيها الغيث ونرجو الرحمة والفضل، وهي صلاة الاستسقاء طلباً للسقيا والمطر والغيث من المولى عز وجل بالصلاة والاستغفار والدعاء، روى عبد الله بن زيد رضي الله عنه {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ} رواه البخاري، وتشرع هذه الصلاة أيضاً لنا ولو كان انحباس المطر عند غيرنا.

 

وحيث إن الصلاة هي دعاء فإن لصلاة الاستسقاء أكثر من صورة، من أهمها:

 

الأولى: الدعاء إلى الله والتوجه إليه بطلب السقيا في أوقات الإجابة، مثل الدعاء: اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ومن أوقات الإجابة: عقب الصلوات، ووقت نزول المطر، ووقت السحر، ووقت الالتحام مع الأعداء في الجهاد، وفي شهر رمضان المبارك، ويوم عرفة، وغيرها.

 

الثانية: الدعاء لله بطلب الغيث في دعاء القنوت، ويرى كثير من العلماء القنوت في الصلوات الخمسة المفروضة في حالة النوازل بالأمة، ولا شك أن انحباس المطر وحصول الجدب من النوازل التي تصيب الأمة وتستوجب الدعاء بطلب الغيث من الله سبحانه وتعالى.

 

الثالثة: وهي الصورة المعروفة للمسلمين والتي يؤدونها عند انقطاع المطر بكيفية مخصوصة حددها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأتناول هذه الصورة بالبيان والتوضيح:

 

ومن حيث الحكم الشرعي فصلاة الاستسقاء سنة مؤكدة عند وقوع الحاجة إلى المطر والغيث، فقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاها أصحابه من بعده، وما زال المسلمون يؤدونها اقتداء به صلى الله عليه وسلم.

 

أما من حيث الوقت فليس لصلاة الاستسقاء وقت معين مثلها في ذلك مثل كل النوافل التي لا سبب لها، فيجوز أداؤها في أي وقت باستثناء الأوقات التي تكره فيها الصلاة وهي وقت بزوغ الشمس حتى ترتفع في السماء وتبيضّ، ووقت استواء الشمس في منتصف السماء حتى تزول (أي يصبح للأجسام ظل مهما كان ضئيلاً ويصبح للظل زاوية مهما قلَّ قياسها)، ووقت ميل الشمس إلى الغروب واصفرارها واحمرارها حتى تنحدر خلف الأفق وتغيب تماماً ويدخل وقت فريضة المغرب، وقد أخبرنا بها صلى الله عليه وسلم بقوله {… ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب…} رواه البخاري. وأفضل الأوقات لأداء صلاة الاستسقاء بعد طلوع الشمس بقليل.

 

ولا بد من التهيؤ والاستعداد لصلاة الاستسقاء والتحضير لها روحياً وعملياً، ويكون ذلك بما يلي:

 

1- يتولى الإمام تذكير الناس قبل موعد أدائها بثلاثة أيام على الأقل بالتوبة والاستغفار والإقبال على الله بنوافل العبادات كالصلاة والصيام والصدقة، وبصلة الرحم وإصلاح ذات البين وفعل الخيرات، وبترك المعاصي والبغضاء والشحناء والقطيعة، وبإعادة الحقوق والمظالم إلى أهلها، فطاعة الله ترضيه سبحانه وتجعل الناس أقرب إلى الاستجابة، وهي سبب للبركة والتخلص من الجدب، قال تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَى آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} الأعراف 96.

 

2- يدعو الإمام كل من يستطيع الخروج من الناس للتوجه إلى المُصَلَّى في الموعد الذي تم تحديده كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء؛ وبالأخص أهل الدين والتقوى والصلاح والالتزام بشرع الله، فالمسنون والأطفال من أضعف فئات المجتمع وأكثرها تأثراً بانحباس المطر، قال صلى الله عليه وسلم {هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ} رواه البخاري.

 

والمصلى هو مكان واسع قد يكون خارج المدن وبعيداً عن المباني والعمران، يخصص لتؤدى الصلوات الجامعة فيه كصلاة العيدين.

 

3- ولو استطاع الناس أن يأخذوا معهم مواشيهم أنعامهم ودوابهم فلْيفعلوا؛ ففي ذلك إظهار للحاجة إلى المطر، لأن الحاجة إليه تشمل الأنعام والدواب والحرث والنسل وسائر الأحياء.

 

4- يُقبل الناس خلال فترة الاستعداد على الله سبحانه وتعالى بالدعاء والرجاء والتضرع والعبادة كالصيام وغيره، ويتوجهون إليه بصدق طالبين أن يسبغ عليهم نعمته ورحمته وفضله، ويسألونه مغفرة ذنوبهم وقبول توبتهم، فالاستغفار من أسباب النعمة ونزول الغيث، قال تعالى على لسان سيدنا نوح عليه السلام مخاطباً قومه {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} نوح 10-12.

 

أما كيفية صلاة الاستسقاء فهي كما يلي:

 

1- تتكون صلاة الاستسقاء من ركعتين جهريتين تؤدى في جماعة؛ لكن بغير أذان وبغير إقامة.

 

ويرى عدد من العلماء أن صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد: يكبر الإمام بعد تكبيرة الإحرام سبع تكبيرات في الركعة الأولى ويقرأ فيها سورة الأعلى، ويكبر بعد تكبيرة القيام للركعة الثانية خمس تكبيرات ويقرأ فيها سورة الغاشية.

 

2- بعد انتهاء الصلاة يقف الإمام في مكان مرتفع لأداء الخُطبة، وذهب كثير من العلماء إلى جواز تقديم الخُطبة على الصلاة لورود ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

3- ثم يتوجه الإمام والمصلون إلى الله بالدعاء مستقبلين القبلة رافعي أكف الضراعة إلى ربهم عز وجلّ، مظهرين الخضوع والانكسار والحاجة إليه سبحانه وتعالى.

 

ويندب للإمام والمصلين أن يدعوا الله بالأدعية الواردة في السنة النبوية المشرفة، ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم {اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيِ بلدك الميت} رواه أبو داود.

 

ثم يحوّل الإمام رداءه بأن يجعل أيمن الرداء الواقع على الكتف الأيمن على الكتف الأيسر، ويجعل أيسره وهو الواقع على الكتف الأيسر على الكتف الأيمن، فالرسول صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء (حَوَّلَ رِدَاءَهُ فَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) رواه أبو داود، ويقتدي المصلون بالإمام فيحوّلون أرديتهم، وهو تفاؤلٌ بأن تتحول الأرض من جدبها إلى الخصب ومن انقطاع المطر فيها إلى هطوله، ويتركونها فلا يردونها إلى ما كانت عليه حتى ينزعوا ثيابهم،

 

فإذا منّ الله عز وجل على عباده بنزول المطر , فيستحب الوقوف في أوله ليصيب أبدانهم؛ لحديث أنس رضي الله عنه {أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَطَرٌ فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا ؟ قَالَ لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى} رواه مسلم، وهنا يسن لهم أن يقولوا مُطرنا بفضل الله ورحمته لحديث زيد بن خالد رضي الله عنه {صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ…} رواه البخاري، وإما إذا لم ينزل المطر عادوا للاستسقاء مرات ومرات لأن في ذلك مبالغةً في الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل.

 

وأخيراً فإنني أدعو أبناء شعبنا في كل مكان أن يتوجهوا إلى الله بالدعاء طلباً للغيث ويؤدوا صلاة الاستسقاء، فاللجوء إلى الله هو ملاذنا في كل الظروف العسيرة التي انقطع فيها الرجاء إلا منه سبحانه، قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} الشورى 28

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى