آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.. (4)

الحلقة الرابعة: الإساءة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ووصف الإسلام بالإرهاب ليس حرية تعبير

 

حرية التعبير؛ هذه الذريعة التي يتمسك بها المسيئون إلى الإسلام ووصفه بالإرهاب، والشماعة التي يعلقون عليها إيذاءهم لرسوله وكتابه وأركانه بدافع حقيقي هو الكراهية للآخر، إن فتح هذا الباب على مصراعيه أمام من يتطاول على الأديان ويسيء إلى المقدسات تحت مسمى حرية التعبير المحمية بالقانون يمثل جريمة شنعاء لها خطرها البالغ على الإنسانية جمعاء، وتشتد خطورة هذا السلوك القبيح المنطوي على التعصب الديني والتمييز العنصري المبني على المعتقد والدين بالإمعان فيه والتسابق إليه والتمسك به دون توقف، وبنشره على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام المتعددة كالصحف والفضائيات ومواقع الإنترنت، مما يعني أن القصد منه إيذاء أتباع الأديان في مقدساتهم وتحقيرها وانتقاصها لا مجرّد التعبير عن الآراء الشخصية.

 

وأين هذا الشعار الكاذب الخدّاع من السلوك الحضاري الذي اتبعه الإسلام في هذا المجال ليوصل البشرية إلى الأمان والاستقرار والوقاية من مخاطر الصراعات وازدراء أفكار الآخرين ؛ فأرسى الأسس والمبادئ التي تقوم على احترام أتباع الأديان حتى غير السماوية منها واحترام حقوقهم ما داموا يحترمون ديننا ولا يعتدون على حقوقنا، ولنا أن نفاخر العالم بذلك:

 

* منع الله عز وجل الإساءة إلى آلهة الآخرين، قال تعالى { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } الأنعام ١٠٨، تؤكّد الآية الكريمة منع سبّ الأوثان أو الصلبان أو الأنداد والمقدسات الأخرى التي تُعبد من دون الله سبحانه، فالآية الكريمة تتضمن النهي الصريح عن سبّ الآلهة الباطلة المعبودة من دون الله بغير حق ؛ وبالأخص إذا خيف من أتباعها أن يَسُبوا الله عز وجل أو الإسلامَ أو النبيَّ صلى الله عليه وسلم ! فالسبّ لا تترتَّب عليه أية مصلحةٌ دينيّة ؛ إذ إن من أهداف الدّعوة الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار استحالة مشاركة الأصنام لله تعالى في الألوهية، كما أن السب يُحمي غيظ أتباعها ويثير أحقادهم ويزيد تصلّبهم، وفي ذلك منافاة لمراد الله سبحانه من الدّعوة، قال تعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكّ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعظة الحسنة وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل ١٢٥، وقال عز وجل لسيدنا موسى وهارون عليهما السّلام لما أرسلهما إلى الطاغية فرعون مدعي الألوهية {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} طه ٤٤، فالسبّ عائق عن المقصود من البعثة والرسالة، بل هو سبب عظيم للمفسدة ومانع من تحقيق المصلحة.

 

وفي سبب نزول هذه الآية الكريمة روي أن قريشاً عزمت أمرها على مقابلة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم لتطلب منه إقناع ابن أخيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يكفَّ عن التعرض لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فلما دخلوا على أبي طالب وطلبوا منه ما اتفقوا عليه كلَّم أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وطلب منه أن يكف عن التعرض لآلهتهم، وأن يدعهم وآلهتهم كي يدعونه، فقال صلى الله عليه وسلم {يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوني بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها} فغضبوا وقالوا لتكفَّنَّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك. فذلك قوله سبحانه {فيسبوا الله عدواً بغير علم} رواه الطبري بسنده في التفسير

 

* ولكن لا يمكن اعتبار الانتقادات القرآنية الموجهة إلى المسيحية أو اليهودية أو الوثنية وذكر نقائص آلهتهم من باب السخرية أو الإساءة إليها أو إلى أتباعها، بل ورد في مقام المناظرة العقلية والمنطقية ليدلّل على نفي إلهيتها، وهذا ليس من الشّتم ولا من السبّ، فالسبّ هو الانتقاص والتحقير بقصد الإيذاء، ولا يأتي في سياق المجادلة التي يقصد منها التعبير عن الرأي والمعتقد، ومثال ذلك قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} الأعراف 194-195، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستبح دماء النصارى واليهود كلهم بل المعتدين منهم والمحاربين لنا، ولم يطالب بعقوبتهم على إساءات كتبهم المقدسة إلى الله سبحانه وإلى رسله وكتبه على الرغم من بيان القرآن الكريم مدى انتقاصها جلال الله تعالى وكمال صفاته، فقد وصف سبحانه مثلاً بشاعة مقالة التثليث وعقيدة البنوة بقوله {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} مريم ٨٨ – ٩٢، ومع ذلك لم يحاسبهم رسولنا صلى الله عليه وسلم ولم يجرمهم على الإيمان بها.

 

* بل دعا الإسلام إلى أكثر من ذلك، دعانا إلى التعايش الكامل معهم على الرغم من الاختلاف ما داموا يقيمون شروط التعايش وينضبطون بمتطلبات المواطنة، فقال تعالى {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} الممتحنة ٨ -9.

 

وأمرنا في مقام المناظرة أن نجادلهم باللفظ الحسن والأحسن، والمجادلة هي الكلامٍ الذي لا انتهاكَ فيه لعرضٍ ولا سفكًا لدم ولا تسفيهاً لفكر أو دين ومعتقد، قال تعالى {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون} العنكبوت ٤٦.

 

وهذا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم قدوتنا الأولى يراسل الفرس والروم، ويعامل الكفار والمنافقين واليهود والنصارى ويلقاهم ويحادثهم ؛ فهل أثر عنه فحش القول أو سوء الحديث معهم ! هل قال لهم يوماً أنتم كفارٌ ملعونون. وها هو يكتب إلى هرقل ويصفه بما يستحق من مكانة مناسبة في قومه قائلاً {إلى هرقل عظيم الروم…}.

 

إن حملة الإساءات للرسول صلى الله عليه وسلم قديمة منذ مبعثه، فقد لقي من أعدائه كثير الأذى وعظيم الشدة والمكائد منذ جهر بدعوته وطيلة فترة رسالته، ولكن الله عز وجل حفظه وعصمه، ودافع عنه ودفع عنه الأذى وواساه وتوكل بنصره، قال تعالى {إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} التوبة 40، فقد آذاه كفار قريش ومنافقو المدينة المنورة ويهودها:

 

فمن صور إيذاء كفار مكة ما وصفه الله تعالى بقوله {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} القلم 51، فأتبعها بقوله {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} القلم 52، ومن ذلك قوله سبحانه عن هؤلاء المجرمين { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} الصافات 35-36، فأتبعها قوله {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} الصافات 37، واتهموه بالافتراء، قال تعالى { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} النحل 101، فأتبعها بقوله {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} النحل 102-103،

 

أما مشركو المدينة المنورة وهم المنافقون فقد أكثروا من إيذائه والإساءة إليه، قال تعالى {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} التوبة 64، فأتبعها بقوله {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} التوبة 65-66، وذكر سبحانه قول زعيمهم عبد الله بن أبيّ بن سلول أثناء العودة من غزوة المريسيع في السنة السادسة من الهجرة النبوية {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} المنافقون 8، فنصرته صلى الله عليه وسلم جاءت في الآية ذاتها. ومعلوم  افتراؤهم حادثة الإفك بهدف تلويث سمعة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرة الله للبيت النبوي المطهّر في سورة النور.

 

ولم يكن يهود المدينة بأقل إيذاء للرسول من كفار قريش وكفار المدينة المنورة، وقمة ذلك محاولتهم قتله أكثر من مرة، وإحداها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه حول الشاة المسمومة فقال {لما فُتِحت خيبر أُهْدِيَت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود… ثم قال لهم: فهل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه ؟ قالوا نعم، فقال هل جعلتم في هذه الشاة سماً ؟ فقالوا نعم، فقال ما حملكم على ذلك ؟ فقالوا أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك} رواه البخاري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى