آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.. (3)

الحلقة الثالثة: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم…)

وتزداد شراسة الحملة المسعورة على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من أعداء دينه الحنيف ورسالته السمحة وشريعته الرحيمة العادلة، ولعلها خطة مقصودة ترمي إلى إشعال فتيل صراع مقيت مع أتباعه واستدراجهم إلى حرب دينية، وذلك من خلال استفزاز مشاعرهم الدينية وامتحانهم في عقيدتهم، إن هذه الحملة المقصودة دليل واضح على هزيمة دعاتها أمام المد الإسلامي في عقر دارهم وبين أبناء جلدتهم، وهي أيضاً برهان جديد على فشل أربابها وعجزهم عن إطفاء هذا النور الرباني، وهل من المتخيل أن ينجحوا في مقصدهم هذا وقد قال تعالى فيهم {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} التوبة 32

 

لكن الموجع حقاً والمؤسف ظهور أصوات نشاز من المنتسبين إلى هذه الأمة تلوم المسلمين بل تستنكر ردود فعلهم الغاضبة لهذه الحملة الخبيثة ضد رسولهم الحبيب، إنه الانقلاب في الموازين الذي حذرنا منه صلى الله عليه وسلم بقوله {كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ قالوا يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال نعم وأشد منه، كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال نعم وأشد منه، كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً} رواه الطبراني، وحتى إن كان أصحاب هذه الأصوات الناعقة قلة قليلة؛ إلا أنها تنذر بانطلاق حرب أعمق وهجمة أخطر تستهدف خلخلة صف المؤمنين وزعزعة إيمانهم وفكرهم وتمسكهم بثوابت دينهم، فقد علم الأعداء أنهم لن ينجحوا في القضاء على دين الله إلا إذا نفذوا إلى أتباعه واستعملوهم أداة لتقويضه ذاتياً، وقد خسئوا أن ينجحوا فهذا بعيد المنال منهم، قال تعالى {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} الصف 8.

 

عرف التاريخ قادة وحكاماً نقل الرواة أخبارَهم، وشهد العالم رجالاً وأبطالاً سطرت الكتب أمجادهم، وأنجبت البشرية عظماء وحكماء زخرت المدونات بإبداعاتهم، فهل رأت البشرية مثل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهل قرأت سيرة واضحة وترجمة مفصلة لحياة رسول مثل حياة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

 

إن استعراض السيرة النبوية العطرة يظهر لنا أن حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم هو أنموذجُ الإنسانية الكاملة، وملتقى الأخلاق الفاضلة، وحامل لواء الدعوة الشاملة. فهو النبيّ الرسول، والرسول الإمام، والإمام الحاكم، والحاكم القائد؛ والقائد المجاهد، والمعلم المربي , وكان الإنسان والزوج والأب والصديق.

 

إنّ الذين وصفوه ودوّنوا سيرتَه وبلغونا تفاصيل حياته منذ الولادة والطفولة إلى ما بعد الشباب والكهولة، أحبّوه واتبعوه، فاجتمع لهم في وصفه دقة النقل مع محبّة القلب والعقل، فامتزجت لديهم العاطفةُ بالدين والحب بالأمانة.

 

ومع حبِّ المسلمين لنبيّهم العظيم صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم له فعقيدتهم فيه أنه بشرٌ رسول، عبدٌ لا يعبَد ورسول لا يُكذَب، بل يُطاع ويُحبّ ويوقَّر ويُتّبع. ولقد علَّمنا ربّنا عز وجل موقعَ نبيّنا منّا وعلاقتنا الفريدة به والحب المتبادل المسترسل بيننا وبينه فقال عز شأنه {النَّبِىُّ أَوْلَى بالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الأحزاب 6، فهو أقربُ إلى قلوبنا من قلوبِنا، وأحبّ إلى نفوسنا من نفوسنا، وهو المقدَّم على أعزّ ما لدينا من مال أو والد وولد، ولن يذوقَ المسلم حلاوةَ الإيمان في قلبه وشعوره ووجدانه إذا لم يكن حبُّ رسول الله كحب الله فوقَ كلّ حب؛ قال صلى الله عليه وسلم {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار} رواه البخاري.

 

أحب الصحابة رجالاً ونساء رسولهم صلى الله عليه وسلم محبة إيمانية صادقة لا مثيل لها حتى لقد افتدوه بأنفسهم، وضربوا أروع الأمثلة على ذلك في الجهاد ومواقف الخطر، فها هم ينافحون عنه في غزوة أحد ويسارعون إليه يسيِّجونه بأجسادهم وسلاحهم، فأبو دجانة مثلاً جعل من جسده ترساً لحماية ظهره صلى الله عليه وسلم فتقع السهام عليه ولا يتحرك لنزعها، وأَبو طلحة يقف بين يديه صلى الله عليه وسلم محيطاً به بترس ليحميه ويقول له {يَا نبيَّ اللهِ بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي، لا تُشرِفْ يُصبْكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ، نحري دُونَ نحرِكَ} رواه البخاري. وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه {لما كان يوم أحد.. قالوا قُتِلَ محمدٌ حتى كثر الصراخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار مُتَحَزِّمَةً، فاستقبِلَتْ بأبيها وابنها وزوجها وأخيها (أي أُخْبِرَت بمقتلهم) لا أدري أيّهم استقبلت به أولاً، فلما مرّت على آخرهم قالوا أبوك، زوجك، أخوك، ابنك، فتقول: ما فعل رسول الله؟ يقولون أمامك، حتى دُفِعَت إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سَلِمْتَ من عَطَبٍ} رواه الطبراني

 

أجمعت الأمة أن حب الرسول صلى الله عليه وسلم فرض؛ قال تعالى {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} التوبة 24. ومن لم يعتقد ذلك أو ظهر منه الكره للرسول محمد صلى الله عليه وسلم فليس بمؤمن، فحبه ثمرة حب الله عز وجل فهو وحده المستحق الأول للمحبة، ومن محبة الله أن تحب من أحب وما أحب كمحبة أنبيائه وأوليائه، ومحبة الصحابة والمؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم {المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء} رواه الترمذي. وكان صلى الله عليه وسلم يدعو ربه {اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك} رواه الترمذي.فإذا كانت هذه منزلة المتحابين من المؤمنين فكيف بحب محمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله؟ إنها خير الزاد ليوم المعاد؛ فقد {سأله رجل متى الساعة قال وماذا أعددت لها؟ قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال أنت مع من أحببت، فما فرح الصحابة بشيء فرحهم بقوله أنت مع من أحببت} رواه البخاري.

 

ومن علامات محبته صلى الله عليه وسلم تعظيمه حياً وميتاً قولاً وعملاً، قال تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} الفتح 8-9. ومن دلائلها تمني رؤيته والشوق إلى لقائه، قال صلى الله عليه وسلم {من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله} رواه مسلم. وتمام المحبة يكون بتجنب مودة من يبغضه مهما كانت الصلة به لقوله تعالى {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ باللهِ واليوم الآخر يُوادُّونَ مّنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءاباءهم أَو أَبناءهُمْ أَو إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَان وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} المجادلة 22.

 

وما أجدره صلى الله عليه وسلم أن ينال هذا الحب من أمته وقد أحبه الحجر والشجر، فقد {كان صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه} رواه البخاري. وكيف لا تحبه أمته وقد امتلك الأسباب، فأول أسباب الحب امتلاكه الشرف والكمال، فنفسه أكمل الأنفس لما له من شرف النسب وعراقة الأصل ورفعة الدرجة، قال عن نفسه {أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر} رواه أحمد، وجمع إلى ذلك أن ربه أدبه أحسن تأديب فأكرمه سبحانه بآداب العبودية، وهذبه بمكارم الأخلاق الربانية، إذ أن الفضل بالعقل والأدب وليس فقط بالأصل والنسب، فاستحق الوسيلة التي قال عنها {… ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة} رواه مسلم، واستجاب لأمر ربه تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} هود 112، وتكون الاستقامة في خمس: استقامة اللسان على الذكر والثناء، واستقامة النفس على الطاعة مع الحياء، واستقامة القلب على الخوف والرجاء، واستقامة الروح على الصدق والصفاء، واستقامة السر على التعظيم والوفاء.

 

وثاني أسباب الحب الإنعام والإفضال، فحبه شكر لما تسبب فيه من إنعام الله الجسيم علينا , لأنه الآتي بأحكام هذه الشريعة السمحة من عند ربه الحكيم؛ المتضمنة لهذا المنهج القويم؛ الذي تتعلق به سعادة المؤمن في الدنيا والآخرة ,  ومن إحسانه إلينا أنه عرفنا بربنا وكان سبباً في فوزنا بدار القرار والخلاص من عذاب النار، فكيف لا يكون صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أنفسنا الأمارة بالسوء، التي تزين لنا التقاعد عن الفلاح والوقوع في القبائح.

 

إن هذا الحبُّ الإيماني العميق الدقيق ليس حبًّا ادِّعائياً أو عاطفة مجرّدة، ولكنّه حبٌّ برهانُه الاتباع والطاعة، وأيّ فصلٍ بين الحبّ والاتباع هو انحرافٌ في الفهم وفي المنهج. فالحبّ الصادق يثمر الاقتداء الذي يذكي المشاعرَ. وحبه يكون بطاعته وترك مخالفته ونصرة سنته والذب عن شريعته وهيبة مخالفته. فهو الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به كما قال الطبري في تفسير قوله تعالى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} المائدة 15.

 

ويبقى حب هذه الأمة لنبيها ملاذاً إذا عصفت بها ريح الشدائد، ومغيثاً إذا أصابها اليأس أيام الهزائم، وتواضعاً إذا أكرمها ربها بعز الانتصار، ولن تضيرها الحملة الحاقدة بأدواتها: ألسنة حِدَادٌ، وأقلام حالِكَةُ المداد، ومخطوطاتٌ صفحاتها سوداء، فهي برهان آخر على الضعف والجبن الذي يعانيه أعداء نورك وهديك يا سيدي يا رسول الله.

 

إن هذه الحملة مهما كانت ضراوتها وقوة زعمائها فهي أعجز من أن تهز القمم التي طاولت عنان السماء، فهل نجحت الأعاصير يوماً باقتلاع الجبال الراسيات من قواعدها ! فهل ستنال من محمد صلى الله عليه وسلم وقد رفعه الله تعالى في الأولين والآخرين، قال تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} الشرح 1-4

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى