آراءمقالات

إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة فرض شرعي وواجب وطني

بشرى عظيمة حملتها لنا الأنباء من أرض مصر، بشرى أثلجت الصدور وأسعدت القلوب، بشرى كانت إليها دوماً ترنو العيون، إنها بوادر المصالحة التي انتظرها شعبنا الفلسطيني عشر سنوات، اتفاق الأخوة وانتصارهم على نزغات الشياطين،

     وكلنا أمل أن تنجح هذه المصالحة بالفعل وألاَّ تفشل كسابقاتها، فقد دفع أبناء شعبنا في غزة ثمن الانقسام باهظاً من أرواحهم وأموالهم ودمائهم وأبنائهم، فتعرضوا لويلات الحرب والقصف والدمار، وحاربهم عدوهم المهزوم بالحصار وسلْب الاستقرار، لكنهم على الرغم من ذلك صمدوا وصبروا على التجويع والتضييق.

     وحرصاً على تحقيق آمال شعبنا الفلسطيني بتحقيق وحدته الوطنية فعلى كافة الأطراف رعاية هذا الاتفاق والعمل بمقتضاه وبدء تنفيذه بخطوات عملية:

1-   العمل على تعزيز المصالحة المجتمعية باعتبارها أهم أركان المصالحة الوطنية الشاملة، وإكمال الإجراءات التي تم إنجازها مؤخراً ؛ وبالأخص فيما يتعلق بالشهداء والجرحى وكل العائلات المكلومة وحصولهم على حقوقهم بناء على قرارات اللجان المختصة، بما يحفظ النسيج الاجتماعي قوياً متماسكاً متمسكاً بقيم العفو والتسامح، قادراً على طي صفحة الماضي وبناء الحاضر واستشراف المستقبل. 

2-    توجه الحكومة فوراً إلى قطاع غزة وأداء واجباتها ومهامّها وتحمل مسؤولياتها للتخفيف عن أبنائه المظلومين وتقديم الخدمات المطلوبة للمواطنين، ورفع المعاناة التي عاشوا آلامها أكثر من عشر سنوات.

3-   مواصلة الجهود الجادة لاستمرار الحوار القائم على الشراكة الوطنية والالتزام بتفاهمات القاهرة، حوار تسهم فيه كافة فصائل العمل الوطني، ويفضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من واجباتها التحضير للانتخابات الرئاسية والتشريعية وكل استحقاقات هذه المرحلة، حوار يؤدي إلى اتفاق على برنامج عمل وطني يقوم على أساس إنهاء الاحتلال وتحصين القضية الفلسطينية من عوامل الفرقة والاختلاف والانقسام وعدم إقصاء أي مكون من مكونات الشعب الفلسطيني، فقضيتنا الفلسطيني تحتاج جهود كل أبنائها بلا استثناء.

4-   وجوب بذل الجهود الصادقة واستحضار النوايا المخلصة لتحقيق المصالحة الوطنية وعدم التوقف عند حرفية النصوص أو التفصيلات التي يؤدي التمسك بها إلى الفشل، وإظهار مزيد من التسامي على الخلافات والتفاني في تحقيق مصالح وطنهم وشعبهم في نيل الحرية والاستقلال، ومواجهة مخططات الاحتلال التي تستهدف كل أبناء الشعب الفلسطيني وأرضهم وممتلكاتهم وقضيتهم العادلة.

     إن من أعظم ثمار هذه الخطوات التصالحية توحيد الصفوف في وجه الاحتلال الإسرائيلي الغاشم الذي هو العدو الأول للشعب الفلسطيني، وإحياء قضيتنا العادلة وإعادة وضعها في مكانها الطبيعي من دائرة اهتمام العالم أجمع إقليمياً ودولياً بحيث تعود كسابق عهدها لدى الشعب الفلسطيني وعلى رأس سلم أولوياته وأولويات قيادته، ولتظل القضية المركزية الأولى للأمة بثوابتها التي أجمع عليها الشعب الفلسطيني وضحى من أجلها الشهداء بدمائهم الزكية والأسرى الأبطال بحرياتهم ومعاناة ذويهم، فقد جعل الانقسام هذه القضية في أدنى سلم اهتمامات الأمة وجعلها عرضة للتصفية والتضييع. ففصائل العمل الوطني وجدت لحمل القضية بثوابتها وآمال شعبها وليس للتنازع والاختلاف والصراع على المكتسبات السياسية والحزبية والفئوية.

     ولكن هذه المصالحة تفتقر إلى حاضنة اجتماعية ومساندة شعبية، لذا فإننا نناشد المخلصين من أبناء شعبنا وأمتنا مواصلة بذل جهود الوساطة والإصلاح والمصالحة بين الفئات المختلفة، والعمل على تقريب وجهات النظر وإزالة سوء التفاهم بين أبناء الشعب الواحد، فإن تغليب المصلحة العليا للوطن والشعب على المصالح الحزبية الخاصة الضيقة يقتضي تعزيز الوحدة الوطنية، ونبذ كل ما يؤدي إلى الفرقة والتنازع وهذا واجب ديني نأثم بتركه ومخالفته.

     فالوحدة من تعاليم الإسلام وأصوله، عظمت وصية الله ونبيه صلى الله عليه وسلم بها، لأنها من أهم عوامل قوة الأمة وتحقيق غاياتها، وضمان عيشها بأمن وطمأنينة، فبها تكون مرهوبة الجانب مهيبة الحمى وعزيزة السلطان، فكثُرَتْ في القرآن الكريم الآيات المحكمات الآمرة بالاجتماع والناهية عن التفرق، وكثرت مثلها الأحاديث الصحيحة البليغة في السنة النبوية الشريفة، فأصبحت الوحدة من المسلمات واستقرت في ضمير كل مسلم، وأصبحت الجماعة والاجتماع من ضروريات الدين ومحكماته، والدليل التطبيقي على ذلك فرائض الصلاة والحج والصوم والأعياد وغيرها من العبادات والطاعات، فقد نهانا عز وجل عن التنازع والاختلاف الذي هو ضد الوحدة والاجتماع، قال تعالى { وَأَطِيعُواْ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } الأنفال46، أي لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وتفشلوا فتضعفوا وتذهب قوتكم.

     وحذرنا سبحانه من محنة الفرقة التي هي سبب الهلكة، قال تعالى {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} الأنعام65. فإن باب الفساد الذي وقع في هذه الأمة بل وفي غيرها هو التفرق والاختلاف، روى أحمد أن جابراً رضي الله عنه قال كنا جلوساً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم {فخط خطاً هكذا أمامه فقال هذا سبيل الله عز وجل، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله قال هذه سبيل الشيطان، ثم قال {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الأنعام153. وجاء الأمر بالوحدة بين المسلمين والتحذير من مفارقة الجماعة فهي نجاة لأبناء الأمة، قال صلى الله وسلم {عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد} رواه الترمذي.    

     فوحدتنا إذن ضرورة ملحة لمواجهة المخططات الصهيونية التي تستهدف البشر والشجر والحجر والأرض والمقدسات في فلسطين، فالعدوان الإسرائيلي الغاشم لا يفرق بين أبناء فصيل وآخر فالجميع مستهدف بإرهاب الدولة المنظم الذي يهدف إلى القضاء على كل ما هو فلسطيني، فلا سبيل أمامنا سوى الوفاق والاتفاق، وتوحيد الكلمة والصف والموقف، والإجماع على القواسم والثوابت المشتركة والتمسك بها لتحقيق الأهداف العظيمة لشعبنا الصابر المرابط في دحر الاحتلال عن أرضه ونيل حريته، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس المباركة، وتوجيه الجهود للتصدي لممارساته ضد مقدساتنا وبالأخص المسجد الأقصى المبارك الذي نمنع الصلاة فيه ويتعرض للاقتحامات اليومية من قطعان المستوطنين، وتحدق به مؤامرة التقسيم تمهيداً لهدمه وإقامة الهيكل المزعوم في مكانه، ولحماية مدينة القدس التي تتعرض لمخاطر التهويد والأسرلة، ولمواجهة تصعيد إسرائيل عدوانها الشامل على شعبنا، والجرائم التي تقترفها ضد أسرانا البواسل في أقبية سجونها الغاشمة.

     إن مخططات الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية تعتمد على تمزيق وحدتنا، فهو المستفيد الوحيد من الانقسام والتشرذم، ففي ظله استطاعت إسرائيل أن تبتلع الأراضي الفلسطينية وتصادرها وتقيم المستوطنات عليها على نطاق واسع بحيث أصبح حلم تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية من الصعوبة بمكان، فالوحدة ضرورة لإنقاذ الشعب والأرض والقضية، ومن يتخاذل في تحقيقها ويضع العقبات في طريقها ليس حريصاً على تحقيق ما ضحى من أجله الآباء والأجداد والأخيار والشرفاء منذ ما يزيد عن قرن من الزمان، فالعار أن تبقى فلسطين أرض النبوات ومهد الحضارات ومهبط الرسالات الأرض الوحيدة في العالم الواقعة تحت الاحتلال، وأن يبقى الفلسطينيون الشعب الوحيد في العالم الذي يعاني ويلات الاحتلال. 

     ندعو المولى عز وجل أن يؤلف القلوب ويوحد الصفوف للخروج من المأزق الحرج الذي تعانيه قضيتنا وإنهاء الانقسام والتنازع المذموم، فالوحدة هي الصخرة الصلدة التي تتحطم عليها مؤامرات الاحتلال ومخططاته، وهي التي تحقق أماني وآمال الشعب الفلسطيني وأهدافه النبيلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى