آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه

وفي شهر رمضان الفضيل؛ ومنذ الساعات الأولى منه يبدأ المؤمنون رحلة عبادة خالصة لربهم سبحانه وتعالى، رحلة عبادة في موسم عبادة مبارك ينتظرونه بشوق وشغفٍ من العام إلى العام تسمو فيه أرواحهم، يصومون فيه ويقومون، ويناجون فيه الحي القيوم بتلاوة كتابه والإكثار من ذكره، والتوجه إليه بالدعاء والرجاء والاستغفار.

 

وقد بينتُ في مقال الأسبوع الماضي عبادة الصيام، أما عبادة القيام فهي من أفضل الطاعات وأجَلِّ القربات، وهو سنة مستحبة ليس في رمضان فقط بل في سائر أوقات العام، حثنا عليه ربنا عز وجل، فوصف المتهجّدين بقوله {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الذاريات 15-18، ووصف قُوَّام الليل بقوله {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} الزمر 9. وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم به تمهيداً لتحمل ثقل أعباء الرسالة وتبليغها فقال له {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً} المزمل 1-5، وخاطبه أيضاً بقوله {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} الإسراء 79.

 

استجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه فقام الليل حتى تورمت قدماه، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها {كان النبي يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال أفلا أكون عبداً شكوراً} رواه البخاري، وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه {صليت مع النبي ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مُتَرَسلاً إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوّذ تعوّذ…} رواه مسلم.

 

حثنا صلى الله عليه وسلم على قيام الليل ورغّبنا به فقال {أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الرجل في جوف الليل} رواه مسلم، وقال أيضاً {عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقُرْبَةٌ إلى الله تعالى ومُكَفِّرَةٌ للسيئات ومَنْهاةٌ عن الإثم ومَطْرَدٌة للداء عن الجسد} رواه الترمذي، فمن فضائل القيام إذاً أنّه يُطهّر العبد من ذنوبه ومعاصيه، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً {إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألانَ الكلام و أدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام} رواه البخاري.

 

ويتأكد استحباب قيام الليل في شهر رمضان المبارك، وقد حثت الأحاديث النبوية الشريفة على الترغيب به وبينت عظيم شأنه وثوابه عند الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم {من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} رواه البخاري، ومعنى قوله إيماناً أي مُصدِّقاً بالثواب على قيامه، ومعنى قوله محتسباً أي مريدًا بذلك وجه الله والحساب منه وبريئاً من الرياء والسمعة راجياً عليه الثواب.

 

ومن صور قيام رمضان صلاة التراويح التي دأب المسلمون على أدائها عبر العصور والأجيال كونها سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي شعارٌ عظيم تنبغي المحافظة عليه في شهر رمضان المبارك، وهي من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه في هذا الشهر الفضيل، حيث يجتمع له جهاد النفس نهاراً بالصيام، وجهادها ليلاً بالقيام، قال ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف [اعلم أنّ المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين ووفّى بحقوقهما وصبر عليهما وُفّى أجره بغير حساب].

 

وقيام رمضان شامل للصلاة في أوله وآخره , أي للتراويح والتهجّد، والتراويح في اللغة جمع ترويحة، وسميت بذلك لأنهم يستريحون بين كل تسليمتين، وتعرف أيضاً بقيام رمضان، ويبدأ وقتها من بعد صلاة العشاء إلى الفجر، وأداؤها في آخر الليل أفضل من أوله لمن تيسر له، ومن صور أدائها أن تصلى إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة كقيام الليل وهو ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم، فقد سئل عليه الصلاة والسلام عن قيام الليل فقال {صلاة الليل مثنى مثنى…} رواه البخاري، وقالت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم {ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً} رواه البخاري، ولم يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم غيره في عدد ركعات صلاة التراويح، ولكن لا حرج على من قام بأكثر من ذلك لأنها أُثرت عن الصحابة والتابعين، قال عبد الرحمن بن عبد القارئ {خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، وكان الناس يقومون أوله} رواه البخاري.

 

وتشرع صلاة التراويح فرادى في البيوت وفي أي مكان ـ وبالأخص في هذا الظرف الذي تمر به كل البلاد بسبب انتشار الوباء ـ ولكن أداءها في المساجد أفضل لنيل ثواب الجماعة، قالت عائشة رضي الله عنها {صلى الرسول صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله، فلما أصبح قال “قد رأيتُ الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم” قالت عائشة: وذلك في رمضان} رواه البخاري.

 

وللنساء حضور صلاة التراويح والتهجّد في المساجد، ولا يجوز منعهن ذلك، قال صلى الله عليه وسلم {إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن} رواه البخاري، والسنة لهن أن يتأخرن عن صفوف الرجال فيبدأن بالصف المؤخر فالمؤخر، وأن ينصرفن من المسجد فور تسليم الإمام ولا يتأخرن إلا لعذر؛ على عكس ما نراه اليوم في مساجدنا من مزاحمة الرجال لهن؛ وبالأخص في المساجد التي لها باب واحد فقط، قالت أم سلمة رضي الله عنها {كان النبي إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مقامه يسيراً قبل أن يقوم قالت نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال} رواه البخاري.

 

ولا حد لقراءة القرآن في صلاة التراويح، واستحب العلماء أن يختم في قيام رمضان ليسمع الناس كل القرآن في شهر القرآن، وكره بعضهم الزيادة على ذلك، فقد روى مالك أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وكان القارئ يقرأ بالمِئِين حتى كانوا يعتمدون على العصيّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلاَّ في فروع الفجر، والمِئُون هي وصف لبعض سور القرآن الكريم، فالسور أربعة أقسام هي السبع والمئين والمثاني والمفصَّل، قال صلى الله عليه وسلم {أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفُضِّلتُ بالمُفَصَّل} حديث حسن رواه أحمد، فالسبع هي السور الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف (والأنفال والتوبة) لأنهما كسورة واحدة إذ ليس بينهما تسمية وأما المئون فهي كل سورة عدد آياتها مائة أو تزيد شيئاً أو تنقص شيئاً، والمثاني هي السور التي تلي المئين في عدد الآيات، وسميت مثاني لأن الله سبحانه ثنَّى فيها الفرائض والحدود والقصص والأمثال، والمفصل هي السور التي تلي المثاني من حيث عدد الآيات، سمي بذلك لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وأوله سورة (ق) وآخره سورة (الناس)، وفيه السور الطويلة والمتوسطة والقصيرة.

 

وإنْ أحبَّ العبد أن يُصلي من آخر الليل ما كتب له من تراويح وغيرها فله ذلك ليفوز بفضائل صلاة جوف الليل، فإن صلاته مشهودة مكتوبة يُسمَع فيها الدعاء ويُستجاب، وتُقضى المسألة ويُغفَر الذنب.

 

فلْنحرصْ جميعاً على أداء صلاة التراويح ولو في بيوتنا ما دامت الفرائض الخمس تؤدى اليوم في البيوت حتى يرفع الله عز وجل هذه الغمة والشدة والبأس عن عباده جميعاً، ولْنحرصْ كذلك على ألاَّ ننصرف منها حتى ينصرف الإمام (إذا كان أداؤها في جماعة في المساجد أو البيوت أو غيرها من الأماكن) وذلك لعظيم الأجر، قال صلى الله عليه وسلم {من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة} رواه الترمذي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى