آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: فضل إحياء العشر الأواخر وليلة القدر

تمر الأيام فينا مرَّ السحاب، فها نحن في المحطات الأخيرة، وقد أظلتنا العشر الأواخر من الشهر المبارك، الليالي الشريفة التي ابتدأت بليلة الحادي والعشرين وستنتهي بخروج الشهر، عشر الجد والاجتهاد في وداع رمضان، والاستزادة في موسمه من التعبد بالصالحات والتقرب إلى الله بالطاعات، موسم خير جديد ندعو الله أن ندركه كله، موسم يستحب لنا فيه مضاعفة أعمال الخير بالقيام والصدقة وتلاوة القرآن الكريم وبالذكر والدعاء؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها {إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ} رواه مسلم، وقالت أيضاً {كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره} رواه مسلم

     استحب العلماء في العشر التوسعة على العيال والإحسان إلى الأرحام والجيران . واتفقوا على أن الاعتكاف فيها آكد من غيرها من ليالي رمضان؛ قال صلى الله عليه وسلم {من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر} رواه البخاري، ويستحب لمن أراد الاعتكاف في العشر الأواخر أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين من رمضان، ثم يبيت ليلة العيد فيغدو إلى مصلى العيد، لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك .

والاعتكاف هو ملازمة المسجد والمكث فيه بنية التعبد والتقرب إلى الله؛ قال تعالى {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} البقرة 125، وخير المساجد للاعتكاف فيها المساجد الثلاثة التي قال فيها صلى الله عليه وسلم {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} رواه البخاري؛ فالملائكة التي تتنزل ليلة القدر تنصب ألويتها في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي؛ وفي بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك .

وأقل الاعتكاف لحظة، ويستحب ألا يقل عن يوم وليلة، وهو سنة في جميع الأوقات، وسنة مؤكدة في رمضان، وفي العشر الأواخر منه آكد؛ اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وطلباً لليلة القدر، يدل على ذلك فعله صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه؛ فقد {كان يعتكف في رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً} رواه البخاري .

     ويجب الاعتكاف بالنذر، قال صلى الله عليه وسلم {من نذر أن يطيع الله فليطعه} رواه البخاري، وقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال {أوف بنذرك} رواه البخاري .

     ويصح الاعتكاف من الرجل والمرأة والصبي المميز، ويشترط للمتزوجة أن يأذن لها زوجها، وأن تستتر في مكان لا يصلي فيه الرجال لفعل عائشة وحفصة وزينب رضي الله عنهن في عهده صلى الله عليه وسلم، ولا يصح اعتكاف الرجل إلا في المسجد؛ لقوله تعالى {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} البقرة 185، واتباعاً للرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يعتكف إلا في المسجد، ويجوز للمرأة أن تعتكف في بيتها .

     والحكمة من الاعتكاف تسليم النفس بالكلية إلى عبادة الله طلباً للتقرب إليه وإبعادها عن الانشغال بالدنيا التي تلهيها عن ذلك، واستغراق الوقت في الصلاة لأن المقصد الأصلي من مشروعية الاعتكاف انتظار الصلاة في الجماعات، وفيه يتشبه المعتكف بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل ولا يفتُرون .

     وللمعتكف قطع اعتكافه المستحب متى شاء . ويبطل بالخروج من المسجد لغير حاجة؛ فقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم {لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً} رواه البخاري، فإذا طال خروجه بطل الاعتكاف، ولأن الاعتكاف عبادة فلا بد من تجديد النية إن عاد إلى المسجد .

     ويستحب للمعتكف الإكثار من النوافل والانشغال بالصلاة وتلاوة القرآن والاستغفار والذكر والدعاء والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتناب ما لا يعنيه من الجدال والمراء، قال صلى الله عليه وسلم {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه} رواه الترمذي، ويكره له فضول القول والعمل والانشغال بغير العبادة .

     وأما ليلة القدر المباركة فخير ما في العشر الأواخر؛ ففيها ذكرى عظيمة لأمة الإسلام؛ ذكرى نزول الوحي بالقرآن الكريم على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} الدخان 3-6 .

     سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها عند الله تعالى ولما فيها من الفضائل؛ فهي مختصَّةٌ بجميع هذه الأمة إكراماً لرسولها صلى الله عليه وسلم؛ يعمهم خيرها جميعاً إذا عملوا على تحصيله؛ ومشرَّفةٌ بنزول الملائكة حتى تضيق بهم الأرض؛ يسلِّمون فيها على كل مؤمن، قال صلى الله عليه وسلم {إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى} رواه أحمد . وفيها ينزِّل الله تعالى البركة والمغفرة والرحمة للمؤمنين، وقيل سميت بذلك لأن للعبادات فيها قدراً عظيماً وثواباً جزيلاً، ولأن لمن أحياها بالعبادة قدرٌ عظيم وشرفٌ كبير، فالعمل فيها خير من العمل في ألف شهر، لذا فضَّل الله تعالى رمضان بها . وربما سميت بذلك لأن الأرزاق تقدَّرُ فيها وتُقْضَى . وروى مالك ما سمعه من أهل العلم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم طول أعمار الأمم قبله؛ فكأنه رأى أن أمته لن تتمكن من أداء العمل الصالح مثل من قبلها لقصر أعمارها؛ فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر عوضاً عن ذلك .

     وفي بيان منزلة هذه الليلة الفضيلة قال تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} القدر 1-5، وقال صلى الله عليه وسلم {إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمها فقد حُرِم الخيرَ كله ولا يحْرَم خيرَها إلا محروم} رواه ابن ماجة. وورد عن قتادة رضي الله عنه أن الله تعالى اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس، واصطفى من الكلام ذكره، ومن الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة ومن الليالي ليلة القدر، فعظِّمُوا ما عظَّم الله، فإنما تعَظَّم الأمور بما عظَّمها الله.     

   اختص الله تعالى ليلة القدر باستحباب انتظارها والاجتهاد في طلبها لأنها من الليالي الفضيلة، قال صلى الله عليه وسلم {تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان} رواه البخاري .

     وجعلها الله تعالى مبهمة فأخفاها عن الناس لئلاَّ يتَّكلوا على فضلها ويقَصِّرُوا في غيرها؛ وليجدُّوا في العمل دائماً فيقوموا الليل يناجون ربهم، ويجتهدوا جميع الليالي في العمل والعبادة؛ طمعاً في إدراك خيرها وثواب قيامها، كما أخفى عنهم ساعة الإجابة يوم الجمعة؛ ليجتهدوا كل الوقت في طلبها بالدعاء والسؤال من خير الدنيا والآخرة .

     وتعرف هذه الليلة المباركة بعد انقضائها؛ قال أبيّ ابن كعب عن علامتها والله إني لأعلم أي ليلة هي؛ هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها {هي ليلة صبيحة سبع وعشرين وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها} رواه مسلم .

     ولما لهذه الليلة من فضل عظيم وخير عميم؛ فقد كان السلف رضي الله عنهم يعظمونها ويشمرون لها قبل إتيانها فما تأتيهم إلا وهم متأهبون للقائها , والقيام بحرمتها . قال صلى الله عليه وسلم {من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} رواه البخاري .

     ويكون الْتماسها بالعمل الصالح، وإحياؤها بالصلاة والقيام؛ وبالتهجد والدعاء فيها والتضرع إلى الله تعالى؛ فإنها أكثر الأوقات استجابة للدعاء وأفضلها؛ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت يا رسول الله أرأيت إن علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها قال {قولي اللهم إنك عفوٌّ كريم تحب العفو فاعفُ عني} رواه الترمذي، ويكون التهجد بالصلاة ليلاً بعد الاستيقاظ من النوم، أما القيام فيكون بالصلاة ليلاً قبل النوم .

     ويكون إحياؤها أيضاً بالاعتكاف فيها، ويكون أيضاً بالذكر والتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير؛ وبالاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ خصوصاً في النصف الأخير من الليل وعند الأسحار؛ قال تعالى في وصف المتقين {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } الذاريات 18 . ويستحب ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح ليلة السابع والعشرين رجاء أن يدركوا ليلة القدر فيها وأن ينالوا أجرها .

     ومن استطاع الاعتمار في هذه الليلة نال عظيم الأجر؛ قال صلى الله عليه وسلم {عمرة في رمضان تقضي (أي تساوي) حجة معي} رواه البخاري؛ فكيف بها في العشر الأواخر منه وبالأخص إذا وافقت ليلة القدر

    ولا فرق في أحكام إحياء هذه الليلة الشريفة بين الرجال والنساء، فقد {كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشرُ شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله} رواه البخاري، {وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده} رواه البخاري، بل إن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن قد اعتكفن في حياته؛ روت ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت {اعتكَفَتْ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةٌ من أزواجه} رواه البخاري .

     فأدعو أبناءنا إلى إحياء هذه الليلة في المسجد الأقصى المبارك، فإذا كانت الصلاة فيه تفضُلُ الصلاة في أي مسجد غير المسجد الحرام والمسجد النبوي فإن الاعتكاف فيه وإحياء ليلة القدر يفضُلُ الاعتكاف في أي مسجد آخر (غير المسجد الحرام والمسجد النبوي) فهو من المرابطة في سبيل الله؛ قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} آل عمران 200؛ وقال صلى الله عليه وسلم {رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها} رواه البخاري، فالمواظبة على شد الرحال إليه والحضور الدائم فيه وعمارته بالصلاة والقيام والاعتكاف؛ يسهم في حمايته وإفشال المخططات الصهيونية الرامية إلى المس به والاعتداء عليه بالتدمير أو التهويد أو التقسيم .

     وأهيب بأبناء مدينة خليل الرحمن الصامدين من لم يستطع منهم دخول مدينة القدس ووصول المسجد الأقصى المبارك إحياء ليلة القدر في الحرم الإبراهيمي الشريف؛ فلعلَّ الله تعالى أن يجمع لمن أحياها فيه أجر الإحياء والمرابطة؛ ففيها حماية له من مؤامرة تهويده وإخضاعه للهيمنة الصهيونية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى