آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: المطلوب في مواجهة الهجمة على الإسلام

إن استهداف رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أمر خطير للغاية، وذلك لانطلاقه من عنصرية بغيضة وحقد مقيت وتمييز عنصري مرفوض، لذا يجب أن يكون رد فعل الأمة حضارياً ناضجاً، يجب علينا أن ندافع عن عقيدتنا ورسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لكن ليس بخطوات عمياء عشوائية. فالرد على موجة الإساءات المتجددة يجب أن يكون متعقلاً ومنضبطاً، بعيداً عن التصرفات غير اللائقة والتي تخالف سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، أو الانطلاق من الغضب المؤقت.

 

فردود الأفعال العنيفة والمتطرفة مدانة تسيء إلى الإسلام، وتؤدي إلى انعكاسات سلبية تضرّ بصورته لأن فيها عدواناً على من لا يد له في ارتكاب هذه الإساءات، وهي عنوان الضعف لأنها ستؤكد ادعاءات الإعلام المعادي للمسلمين، وستشكل ذريعة ومبرراً لإجراءات مضادة وأكثر تعسفاً ضدهم، وقد تتحول إلى مشاعر معادية له لا يمكن محاكمتها، ونحن في غنى عن استعداء الشعوب التي لا تعادينا ولا تعادي ديننا.

 

فنحن نعلم بأن هناك في الغرب من يدرك سخافة وتفاهة هذه الحملة الحاقدة على الإسلام ويعارضها، فقد أكدت البحوث والدراسات العلمية أن الاتجاهات السلبية والعدوانية والتصلب ضد الأقليات تقل بازدياد المعلومات الموضوعية عن سلوكياتها وعاداتها ومساهمتها في بناء الحضارة الإنسانية، لذا يجب علينا أولاً وقبل أية خطوة أن نعرفهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وبرسالته وحياته وإنسانيته وبجميع جوانب شخصيته، يجب أن نعرفهم بالإعجاز الذي قدمه صلى الله عليه وسلم للبشرية نصوصاً وتطبيقات عملية تتفق مع أحدث معطيات ونتائج أبحاث علم النفس السلوكي وأساليب تعديل التفكير والسلوك، فقد استطاع صلى الله عليه وسلم أن يعدّل ويغير في السلوكيات والعادات السلبية الهدامة لمجتمع بأكمله خلال عدد محدود وقياسي من السنوات، وهو ما عجزت عنه كافة الثورات وجميع أساليب العلاج العلمية المعاصرة والمتقدمة في مجال السلوك الإنساني. فأصبح صلى الله عليه وسلم بحق رائد تعديل السلوك البشري.

 

ومن أوجب الواجبات على الأمة تفاكر علمائها ودعاتها ومثقفيها والتدارس فيما بينهم للبحث عن السبل الكفيلة بإيصال صوت الحق إلى الأمم الأخرى، وبإيصال الصورة الحقيقية والصحيحة للإسلام وتقديمه للعالم نقياً خالصاً كما هو، وليس كما فهمه بعض الغربيين قديماً، وكما قدمه المتنطّعون والمتعصّبون والغلاة التكفيريون حديثاً !

 

فالإسلام رسالة إنسانيه للناس كافه تتضمن مبادئ فاضلة وأخلاقاً عظيمة، وتقع مسؤولية نشر هذه الرسالة على كل مسلم من خلال تمثلها وتطبيقها أثناء التعامل اليومي مع بعضنا ومع الآخر، عندها سيتبين المسيئون أن مواقفهم وأفكارهم عن الإسلام والمسلمين مغلوطة وخاطئة لا مبرر لها.

 

ولنا أيضاً مقاطعة المنتجات والبضائع للدول المسيئة أو التي تتبنى الحملة ضد الإسلام ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أثبتت المقاطعة أنها قوية ومؤثرة، وأنها سلاح مؤلم وقوي. إن المقاطعة تعتبر من أهم الوسائل التي نملكها لكفّ الرّعاع عن الإساءة الدائمة لديننا وقيمنا ورموزنا ومقدساتنا، فالدفاع عن ديننا واجب، ولكن لنجعل وسيلتنا التضحية ببضاعتنا من المال بهذه النية.

 

ففيها تحذير لمن لا ينتهج سياسة منصفة أو لا يتخذ مواقف عادلة تجاه قضايانا، وفيها رفع معنويات الشعوب بأنها تملك اتخاذ القرار، وأنها تستطيع التأثير وتقديم شيئ مفيد لدينها. ومن أعظم أهداف وآثار المقاطعة تخليص الأمة من التبعية وهيمنة النموذج الغربي على حياة أبنائها.

 

وعلى أهمية تضامننا وتلاحمنا معاً عند تعرض مقدساتنا للإساءة أو الاعتداء؛ إلا أنه من الضروري جداً أن نسارع إلى الحوار فيما بيننا، وأن نتفهم بعضنا ونتعاون ضد الأفكار الهدامة والدخيلة على فكرنا وديننا كالتطرف واللجوء إلى العنف، فهذا خير من ازدراء ثقافة ومعتقدات الآخر وتعمد الإساءة إليه والوقوع في براثن العنف، فلا بأس بدعوة صاحب الرسوم المسيئة وأمثاله لمحاورته ومعرفة الأسباب التي دفعته لارتكاب هذه فعلته النكراء.

 

وفي ذات الوقت يمكننا استخدام كل وسائل الضغط المشروعة والمتاحة لإصدار قوانين دولية تلاحق كل من يسيء بأي شكل من الأشكال إلى مكوناتنا ورموزنا ومقدساتنا الدينية والقومية، وبالأخص أن هناك سوابق لإصدار مثل هذه القوانين، ففي سنة 1996م حكمت المحكمة الأوروبية بعدم شرعية عرض فيلم يسيء لسيدنا عيسى عليه السلام، كما أن الغرب يلاحق من يتبنى معاداة السامية (ويقصد بها اليهود، ولا أدري لماذا استُبْعِدَ العرب والمسلمون منه مع أنهم ساميون)، وتوجد تشريعات وعقوبات لا يسقطها التقادم ضد من ينكر الهولوكوست (لدرجة أن مفكراً بريطانياً حوكم لإبداء رأيه فيها بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً) وهذا يدل على أن للغرب مقدسات، وأنه ملزم وفق القوانين والمواثيق الدولية والأخلاقية باحترام مقدسات الآخرين.

 

ومن الواجبات علينا أيضاً مناقشة مبدأ حرية الصحافة ووضع حدود لها بحيث لا تتجاوزها بل تقف عند حريات وحقوق الآخرين، فحرية التعبير لا تبرر إطلاق العنان للمسيئين ليطعنوا في ديننا وفكرنا أو أن ينتهكوا خصوصياتنا وحقوقنا، ولا بد من التأكيد على أن الشعور بالمسئولية يلازم التمسك بحرية الصحافة وجوباً، فلا تقبل ازدواجية المعايير التي يستخدمها الغرب في التعامل مع قضية حرية التعبير. فالمسلمون يشعرون بأن حرية التعبير في دول الغرب تعني الإساءة إلى دينهم دون غيرهم، وأن الإسلام أصبح القاعدة المستباحة من قبل المعتدين.

 

فمثلاً هل تستطيع الصحف الأوروبية نشر رسومات أو أعمال أدبية تعادي اليهود أو تنكر وقوع المحرقة في عهد النازية؟ لكنها تستبيح الرموز الدينية المقدسة لدى المسلمين، وتتمادى في ذلك بدعوى حرية الصحافة، والأخطر من ذلك أن هناك من يحميها ويدعمها ويبرر لها هذه الاعتداءات.

 

وعلينا مطالبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالتصدي لسياسة الكيل بمكيالين التي تمارسها الدول الكبرى تجاه معظم القضايا العالمية، فها هي تضغط على الشعوب المدافعة عن حريتها واستقلالها وحقوقها المغتصبة فتتهمها بالإرهاب، وتضغط كذلك على وسائل الإعلام المدافعة عن حقوق شعوبها وأوطانها فتتهمها بالتحريض على العنف، وقضيتنا الفلسطينية العادلة تعتبر خير مثال حي على هذه الظلم الجلي،

 

ولهذا فعلينا مطالبة المجتمع الدولي بوقف العدوان على الشعوب العربية والإسلامية بدعوى مكافحة الإرهاب، فهذه الذريعة تتخذ لهدف تصفية القضايا العادلة والمدافعين عنها وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

إنني أجدد التأكيد بأن ساحة العقيدة وأصول الإسلام وأركانه منطقةٌ حمراء وحمى محرَّمٌ لا نسمح أبداً للآخرين بالاقتراب منه أو الإساءة إليه.

 

وأؤكد أيضاً بأن الإساءات البالغة للرسول صلى الله عليه وسلم لا تمثل خرقاً للقوانين الدولية والأعراف العالمية فحسب؛ بل هي خروجٌ على حرية الرأي والتعبير المزعومة، وتجاوزٌ لحدود الخلاف وأدب الحوار، وسلوك مفضٍ إلى توسيع الهُوَّة بين أتباع الديانات السماوية، وفوق كل ذلك هي دليل غيظ الأعداء الذي نستشعره في قلوبهم ونسمعه من أفواههم وفلتات لسانهم، ونعلم أن ما تخفي صدورهم أكبر، وهو أيضاً وسيلتهم الحاقدة لتشويه الصورة المشرقة للإسلام لدى كثير من شعوب العالم، وهي أيضاً دليل العجز الذي أصابهم من ثبات قدمه وقوة حجته وشموخ رايته وانتشار دعوته، كما أن هذه الإساءات تأتي في سياق الحملة الحاقدة على ديننا الحنيف، والتي ترمي أصلاً إلى تكريس فكر العولمة وفرض النظام الكوني الأوحد على الإنسانية جميعاً.

 

إن هذا التشويه ليس نابعاً عن فكر واعٍ باحث عن الحقيقة، وليس نابعاً عن قراءة موضوعية لدين الإسلام وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل هو تشويه متعمد يصدر عن نوعين من الناس : إما جاهل بحقيقة الرسالة والرسول، وإما حاقد مأجور يعمل لحساب أطراف يهمها إبقاء فتيل النزاعات والخلافات العقائدية في العالم مشتعلاً لإذكاء نار الفتن الطائفية والدينية.

 

ولكنني أقول رب ضارة نافعة، فالإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم فتحت آفاقاً لمناصرته، وساعات في توحيد أمته ولو فقط لغرض الدفاع عنه، قال سبحانه وتعالى واصفاً حادثة الإفك التي هزت المجتمع الإسلامي شهراً كاملاً { لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } النور 11.

 

إذن فلا بد من استثمار توحد الأمة في دفاعها عن رسولها صلى الله عليه وسلم للبعد عن الفرقة والاختلاف، قال تعالى { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } المؤمنون 52، ولابد أن يترجم غضبها العارم إلى خطة وبرنامج عمل في إطار إيجابي يبدأ بتمثل أحكام الله وتعاليم رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا أكبر برهان على حبنا له وتأسينا به، وأفضل خطوة نقنع بها غير المسلمين بعظمة هذا الدين وسمو رسالته الإنسانية الشاملة للناس كافة، قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } سبأ 28.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى