آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: الأحكام الشرعية المتعلقة بعيد الأضحى المبارك

هنيئاً لأمة الإسلام فضل الله العظيم عليها في هذا الموسم السنوي للعبادة والطاعة، هنيئاً لحجاج بيت الله الحرام وفد الرحمن أن أتموا مناسكهم وأدوا فريضة ربهم وركن دينهم، هنيئاً لمن اغتنم عشر ذي الحجة بالأعمال الصالحات من صيام وقيام وذكر وصدقة وتلاوة القرآن، هنيئاً لمن أدرك يوم عرفة فصامه، فلعلّ الله سبحانه وتعالى أن يكفر عنه ما ارتكب من الذنوب والمعاصي والآثام، وأن يعصمه منها في قادم الأيام، قال صلى الله عليه وسلم {صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده} رواه مسلم، وهنيئاً لمن جمع في هذا اليوم الدعاء والرجاء إلى الصيام، فالدعاء هو مخ العبادة وجوهرها، قال صلى الله عليه وسلم {خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} رواه الترمذي

     اليوم هو يوم النحر يوم الحج الأكبر، عيد ومكافأةٌ من الله عز وجل لعباده الذين يبتهجون بأداء ركن الإسلام؛ الحج وما يرافقه من عبادات، ويتقربون فيه إلى ربهم بمزيد من الطاعات :

     يستحب للمسلم يوم العيد أن يتطيب ويتجمل لأنه يوم زينة، فيلبس من الثياب أحسن ما لديه عند الخروج إلى الصلاة، قال تعالى {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الأعراف31، واقتداء برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه {كان يغتسل يوم الفطر والأضحى ويلبس بُرْدَيْ حَبْرَة} وهما من ثياب اليمن الفاخرة، وروت عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول {ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوب مهنته لجمعته أو لعيده !}.

     ويستحب له أيضاً أن يبكر في خروجه إلى صلاة العيد جاهراً بالتكبير، حتى يحصل له الدنوّ من الإمام وفضل انتظار الصلاة، قال تعالى {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ…} المائدة 48، وقال صلى الله عليه وسلم {إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي} رواه البخاري، مما يعني أنه لا يفعل قبلها شييئاً غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها.

     ومن أول الشعائر في يوم النحر أداء صلاة العيد شكراً لله عز وجل على أداء ركن الحج، فلْنحرص على إخراج الجميع لحضورها إظهاراً لشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي سنة مؤكدة واظب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يخرج نساءه وبناته يوم العيد ليشهدن الصلاة.

     وفي يوم الجمعة هذا تجتمع على المسلم صلاتا العيد والجمعة، والحكم عندي أن من شهد صلاة العيد سقطت عنه صلاة الجمعة وفي ذات الوقت تجب عليه صلاة الظهر؛ لأن الاجتماع الأعظم الكبير المقصود في يوم الجمعة قد حصل في صلاة العيد، لكنها في حق الإمام واجبة وعليه إقامتها في المسجد ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد، قال صلى الله عليه وسلم {قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مُجَّمعون} رواه الحاكم وصححه الذهبي، ومعنى مجمعون أي سنصلي الجمعة، أما من أراد أن يصلي الجمعة فذلك خير له وأفضل، وجاء في صحيح البخاري عن أبي عبيد قال [شهدتُ العيد مع عثمان بن عفان وكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة ثم خطب فقال يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنتُ له].

     ومن السنة إذا انصرف الناس من صلاة العيد أن يتصافحوا، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم إذا الْتقوا يوم العيد يتصافحون ويهنئون بعضهم، فيقول المسلم لأخيه المسلم تقبل الله منا ومنك. فليهنئ بعضنا بعضاً بالعيد ولنتصافح فيما بيننا، فبالمصافحة تَتَحاتُّ الخطايا والذنوب،    

     وقد شرع الله عز وجل يوم النحر مكافأةٌ منه لعباده الأبرار؛ يبتهجون بأداء ركن الإسلام فكان لهم عيداً؛ يتقرب فيه المسلمون إلى ربهم بذبح الأضاحي رمزاً للتضحية والفداء وتوسعةً على الأهل والفقراء؛ ولإدخال السرور إلى قلوب المساكين؛ قال صلى الله عليه وسلم {ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتي َيوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً} رواه الترمذي، واستذكاراً لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وآله الطيبين وطاعتهم المطلقة لله تعالى، وحين فدى الله ولده إسماعيل بذبح عظيم، سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأضاحي فقال {سنة أبيكم إبراهيم}؛ قالوا فما لنا فيها يا رسول الله؛ قال {بكل شعرة حسنة} رواه أحمد، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم {ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما ) رواه أبو داود

     والأضحية هي ما يذبح تقرباً إلى الله تعالى يوم النحر بشروط مخصوصة، منها أن تكون من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم لقوله تعالى {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} الحج 34، ويشترط لها سن معينة فيجزىء من الضأن ما أتم ستة أشهر ومن المعز ابن سنة , ومن البقر ابن سنتين , ومن الإبل ابن خمس سنين. وتشترط سلامتها من العيوب الفاحشة التي تنقص الشحم أو اللحم لقوله صلى الله عليه وسلم {لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تُنْقِي} رواه النسائي.

     ويبتدئ وقتها بعد صلاة العيد؛ قال تعالى {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ  * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ  * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} الكوثر1-3، وقال صلى الله عليه وسلم {من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين} رواه البخاري، ويَنتهي بغروب شمس اليوم الثالث عشر  من ذي الحجة.

     ويستحب لمن يريد التضحية ألا يزيل شيئاً من شعره ولا شيئاً من أظفاره أول ذي الحجة حتى الفراغ من ذبحها تشبهاً بالحجاج في إحرامهم؛ قال صلى الله عليه وسلم {إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره} رواه مسلم، ولعل ذلك تشبهاً بمن يسوق الهدي من الحجاج (المتمتع والقارن)، قال تعالى {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} البقرة 196، والظاهر أن هذا النهي يخص صاحب الأضحية ولا يعم غيره في الأسرة من الزوجة والأولاد إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه.

     ويستحب للمضحي أن يشهد أضحيته؛ قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها {قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته؛ وقولي إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} رواه البيهقي.

     وله أن يأكل منها ويطعم ويدخر , لقوله تعالى {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الحج 36؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم {إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته} رواه أحمد.

      والأفضل أن يتصدق بالثلث ويتخذ الثلث لأقاربه وأصدقائه وجيرانه ويدخر الثلث , وله أن يهب الفقير والغني، ولو تصدق بها جميعاً جاز ولو ادخرها جميعاً جاز؛ لأن القربة إلى الله تعالى تكون بإراقة الدم.

     ولا يجوز صيام يوم الأضحى وأيام التشريق، لقوله صلى الله عليه وسلم {أيام التشريق أيام أكل وشرب} رواه مسلم

     إن عشرة ذي الحجة التي اختتمت هذا اليوم أيامٌ وليالٍ مباركات تستحب فيها الطَّاعات, فلْنكثرْ فيها من الصدقات ولْنتقربْ إلى الله تعالى بفعل أنواع الخيرات؛ قال تعالى {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج 28، فعلينا ألاَّ نجعلها أيام معصية وتوسع في المحرمات كالأغاني والملاهي الممنوعة والمسكرات ونحوها مما قد يكون سبباً لحبوط الأعمال الصالحة التي عملها فيها.

    ولْنحرص على صلة الأرحام فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال {لا يدخل الجنة قاطع رحم} رواه مسلم، فإن هذه الصلة تعمق المودة والمحبة في النفوس، وتقوي الوشائج الاجتماعية بين المسلمين. فحق علينا زيارة الأقارب والأصدقاء والجيران وأسر الشهداء والأسرى المحررين والأسرى في سجون الاحتلال، وأن ندخل الفرح إلى قلوب الأطفال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى