آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: اجعلوا مع القرارت الدولية شيئاً من القطران

صفعة دولية تلقتها الإدارة الأمريكية، فعلى الرغم من تهديد وتحذير الدول الأعضاء ؛ إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت يوم الخميس في 21/12/2017م قراراً أكدت فيه بطلان أية إجراءات يقصد بها تغيير طابع مدينة القدس أو وضعها أو تكوينها الديمغرافي، وانعدام أثرها القانوني ووجوب إلغائها امتثالاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وأسف الجمعية البالغ إزاء القرارات الأخيرة المتعلقة بوضع القدس، وأهابت بجميع الدول الامتناع عن إنشاء بعثات دبلوماسية في مدينة القدس عملاً بقرار مجلس الأمن رقم 478 الصادر عام 1980. وطالبت جميع الدول بالامتثال لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بمدينة القدس وعدم الاعتراف بأية إجراءات أو تدابير مخالفة لتلك القرارات.

أيدت القرار 128 دولة وعارضته 9 وامتنعت 35 عن التصويت. وفي هذا دلالة واضحة على رفض المجتمع الدولي لسياسة الإدارة الأمريكية ضد الفلسطينيين وقضيتهم وضد مدينة القدس عاصمتهم السياسية والوطنية، كما دل على ذلك أيضاً تصويت 14 دولة في مجلس الأمن الدولي للقرار الرافض لإعلان ترامب القدس عاصمة للاحتلال.

لا ينكر أحد أن إسرائيل هي الوحيدة الخارجة على قرارات المجتمع الدولي بمنظماته وهيئاته على الرُّغم من عضويتها فيها، والوحيدة التي تتحداه وتضرب عرض الحائط بقراراته، يجري ذلك على مرأى منه ومسمع فلا يسائلها ولا يحاسبها ولا يعاقبها، مع أنه يعلم أصلاً بطلان عضويتها في منظماته ومؤسساته، وذلك لمخالفتها القرار 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، ولعدم تنفيذ الشروط التي رافقت قرار قبول عضويتها المشروطة.

صدرت عن عصبة الأمم المتحدة ثم عن هيئة الأمم المتحدة وجمعيتها العمومية وعن مجلس الأمن الدولي ومنظمة اليونسكو قرارات عديدة بشان مدينة القدس، إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية لم تلتزم بشيء منها. ورغم الفيتو الأمريكي فقد أصدر مجلس الأمن قرارات عديدة ملزمة لها منذ عام 1948، وتوالت قراراته بعد احتلالها عام 1967 :

ففي 27/4/1968م صدر القرار رقم (250) الذي يطالب سلطات الاحتلال بعدم إقامة العرض العسكري المقرر في يوم 2/5 في مدينة القدس، لكن إسرائيل لم تمتثل للقرار فأصدر المجلس القرار رقم 251 الذي أبدى فيه “أسفه العميق” لإقامة العرض العسكري بالقدس تجاهلاً من إسرائيل للقرار السابق. ثم أصدر القرار رقم (252) في 21/5/1968 والذي نص على بطلان جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والأعمال التي قامت بها إسرائيل وبضمنها مصادرة الأراضي والممتلكات وتغيير الوضع القانوني لمدينة القدس. وطلب المجلس على اثر ذلك من الأمين العام تقديم تقرير عن تنفيذ هذا القرار، وبالفعل قدم لاحقاً التقريرين (9194) و(9199) أشار فيهما إلى أن إسرائيل مستمرة في تغيير معالم القدس.

وفي 3/7/1969م أصدر القرار رقم 267 الذي ندد فيه بكل الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير معالم القدس بما في ذلك مصادرة الأراضي والممتلكات العربية واعتبرها ملغاة. ودعاها إلى عدم اتخاذ مثل ذلك في المستقبل.

وفي 15/9/1969 صدر القرار رقم (271) الذي نص على حرمة الأماكن المقدسة، ودان إسرائيل لتسببها في إحراق المسجد الأقصى المبارك، ودعاها إلى التقيد بدقة بنصوص اتفاقيات جنيف.

وفي 25/9/1971م أصدر القرارَ رقم 298 الذي استاء فيه من عدم احترام إسرائيل القرارات السابقة، ودعاها إلى “إلغاء جميع الإجراءات والأعمال السابقة وعدم اتخاذ خطوات في القطاع المحتل من القدس لتغيير وضعها أو الإجحاف بحقوق سكانها.

وفي 20/3/1979 أصدر القرار رقم 446 والذي ينص على أن سياسة إسرائيل وممارساتها في إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967 ليس لها شرعية قانونية، ويدعوها (بوصفها السلطة القائمة بالاحتلال) إلى التقيد الدقيق باتفاقية جنيف الرابعة (1949) وإلغاء تدابيرها السابقة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراء من شأنه تغيير الوضع القانوني والطابع الجغرافي أو يؤثر مادياً على التكوين الديموغرافي للقدس.

وفي 20/7/1979م أصدر القرار رقم 456 بالموافقة على توصيات تقرير لجنة مجلس الأمن المؤلفة بموجب القرار 446 (1979) لدراسة الوضع المتعلق بالمستوطنات في الأراضي العربية المحتلة منذ سنة 1967، بما فيها القدس ؛ حيث اعتبر التقرير سياسة إسرائيل في إقامة المستوطنات على الأراضي العربية المحتلة ليس لها مستند قانوني وتشكل خرقاً لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين.

وفي 1/3/1980م أصدر القرار رقم 465 الذي قرر أن جميع التدابير التي اتخذتها إسرائيل لتغيير المعالم المادية والتركيب السكاني والهيكل المؤسسي في الأراضي المحتلة بما فيها القدس أو أي جزء منها ليس لها أي مستند قانوني , وأن سياسة إسرائيل وأعمالها لتوطين سكانها من المهاجرين الجدد في هذه الأراضي تشكل خرقاً فاضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة، ويدعوها إلى تفكيك المستوطنات القائمة، والتوقف فوراً عن إنشاء المستوطنات وبنائها والتخطيط لها في تلك الأراضي بما فيها القدس، ويدعو إلى عدم تقديم أية مساعدات إليها يمكن استعمالها في المستوطنات. وفي 30/6/1980 صدر القرار رقم (476) الذي نص على ضرورة إنهاء الاحتلال المطول للأراضي الفلسطينية بما فيها القدس، وعلى رفض أي تغيير في وضعها، ويؤكد مجدداً أن جميع التدابير التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) لتغيير طابع ووضع مدينة القدس ليس لها شرعية قانونية.

وفي29/8/1980م أصدر القرار رقم (478) الذي نص على عدم الاعتراف بالقانون الأساسي الإسرائيلي فيما يخص القدس لمخالفته اتفاقية جنيف، ووجه لوماً شديد اللهجة إليها لمصادقتها عليه وعلى رفضها التقيد بقرارات مجلس الأمن، ودعا كافة الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة.

وفي 8/12/1986م أصدر القرار رقم 592 الذي يؤكد انطباق اتفاقية جنيف على الأراضي المحتلة بما فيها مدينة القدس، وفي 23/12/1987م أصدر القرار المماثل رقم 605.

وفي 12/10/1990: أصدر القرارَ رقم 672 الذي يستنكر المجزرة التي وقعت داخل ساحات المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس، ويؤكد موقف مجلس الأمن بأن القدس منطقة محتلة.

وفي 28/9/1996م أصدر القرار رقم 1073 بخصوص مذبحة النفق والذي نص على ضرورة احترام إسرائيل للأماكن المقدسة، وشجب التصرف الاستفزازي في الحرم القدسي الشريف. ودان استخدام القوة بحق الفلسطينيين.

وفي 7/10/2000م أصدر القرار رقم 1322 والذي نص أيضاً على ضرورة احترام إسرائيل للأماكن المقدسة، وشجب التصرف الاستفزازي في الحرم القدسي الشريف. ودان استخدام القوة بحق الفلسطينيين.

وفي 23/12/2016م أصدر القرار رقم 2334 الذي يؤكد أن إنشاء إسرائيل المستوطنات بالأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس ليس له أي شرعية قانونية، ويطالب إسرائيل بالوقف الفوري لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي المحتلة وعدم الاعتراف بأي تغيرات في حدود الرابع من يونيو67.

إن هذه القرارات وغيرها صدرت عن الشرعية الدولية لتعالج سلوك سلطات الاحتلال الإسرائيلية في مدينة القدس المحتلة، والإجراءات التعسفية التي تمارسها فيها مخالفة للاتفاقيات والمواثيق الدولية، ومقتضاها التزام المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات المناصرة للشعوب الضعيفة أو المستضعفة ـومنها الشعب الفلسطيني بالمدافعة عن هذه الحقوق والمطالبة بها أمام جميع المحافل الإنسانية والقضائية.

وعلى الرغم من هذه القرارات الملزمة، إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تعبأ يوماً بهذه القرارات، فمضت في تنفيذ مخططات تهويد مدينة وتغيير ملامحها الحضارية مستهدفة إزالة المسجد الأقصى المبارك الذي يمثل الهوية الإسلامية لهذه البلاد لإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، فما قيمة هذه القرارات بلا تنفيذ؟ إنها حبر على ورق.

روى الراغب الأصفهاني في كتابه “محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء” عن الشِّعْبِيِّ ـوهو من كبار التابعين أنه مرَّ بإبل فشا فيها الجرب، فقال لصاحبها أما تداوي إبلك؟ فقال إن لنا عجوزاً نتكل على دعائها، فقال [اجعل مع دعائها شيئاً من القطران]، في إشارة إلى ضرورة بذل الأسباب وعدم الاتكال على الدعاء وحده.

إننا نثمن المواقف الجريئة للمجتمع الدولي ضد سياسة الإدارة الأمريكية تجاه مدينة القدس والأراضي المحتلة ودعمها اللامحدود للاحتلال الإسرائيلي الغاشم، ولكننا نتطلع في الوقت ذاته إلى مزيد من المواقف العملية الجادة التي تردع سلطات الاحتلال عن سياساتها ضد القدس والمسجد الأقصى المبارك وما يتهددهما من أخطار، ونطالبه أيضاً أن يفي بالتزاماته وأن يضطلع بمسؤولياته لإلزام إسرائيل بقراراته التي تمنعها المساس بالأراضي المحتلة وبمقدساتها، وتجرم اعتداءها على تراثها الإنساني والحضاري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى