آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بجمع وقصر الصلاة (1)

تعتبر مسألة الجمع في الصلاة مسألة خلافية بين الفقهاء، وينعكس ذلك على المصلين في المساجد وبالأخص في أيام المطر والبرد التي مرت بنا في الأيام القليلة الماضية، فقد لاحظت خلافات بين الأئمة وتباين الآراء فيها، فأردت توضيح أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بها، فأقول:

     أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي عَرَفَاتٍ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي مُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لِلْحَاجِّ، استدلالاً بفعله صلى الله عليه وسلم ذلك فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم {… أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا} رواه مسلم.

     وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ عِلَّةِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ أهِيَ السَّفَرُ أمْ النُّسُكُ؟

* فَذَهَبَ بعض العلماء من التابعين ومن بعدهم مثل أَبي حَنِيفَةَ وبعض اِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ للنُّسُكِ أي العبادة، لذا لم يجيزوا الجمع لاَ تَقْدِيمًا وَلاَ تَأْخِيرًا، وَتَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِنْ جَمْعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ جَمْعٌ صُورِيٌّ: وَهُوَ أَنَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَقَدَّمَ الْعَصْرَ فِي أَوَّل وَقْتِهَا وَفَعَل مِثْل ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، واحتجوا بعدة أدلة ستعرض في وقتها من هذا الموضوع.

* وذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنبلية) إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ رُخْصَةٌ للسَّفَرِ، وَاحْتَجُّوا بِالأْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْجَمْعِ فِي أَسْفَارِه صلى الله عليه وسلم.

     وللجمع صورتان فقط: إما جمع تقديم كما في تقديم العصر عن وقتها ليصليها في وقت الظهر، وتقديم العشاء ليصليها في وقت المغرب، وتقديم العصر ليصليها مع صلاة الجمعة، وإما جمع تأخير كما في تأخير الظهر عن وقتها ليصليها مع العصر وتأخير المغرب ليصليها مع العشاء، ولكل منهما شروط يجب مراعاتها لصحة الجمع:

شُرُوطُ صِحَّةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وهي أَرْبَعَة:

الأَوَّل: الْبُدَاءَةُ بِالأْولَى مِنَ الصَّلاَتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ، لأِنَّ الْوَقْتَ لَهَا وَالثَّانِيَةَ تَبَعٌ لَهَا وَالتَّابِعُ لاَ يَتَقَدَّمُ عَلَى مَتْبُوعِهِ، فَلَوْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْل الظُّهْرِ أَوِ الْعِشَاءَ قَبْل الْمَغْرِبِ لَمْ يَصِحَّ الظُّهْرُ فِي الصُّورَةِ الأْولَى وَلاَ الْعِشَاءُ فِي الثَّانِيَةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ كلاً منهما بَعْدَ الأْولَى إِذَا أَرَادَ الْجَمْعَ: أي يعيد العصر بعد الظهر ويعيد العشاء بعد المغرب.

الثَانِي: نِيَّةُ الْجَمْعِ؛ وَمَحَلُّهَا الْفَاضِل أَوَّل الصَّلاَةِ الأْولَى (الظهر والمغرب)، وَيَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا إِلَى التسليمِ منها، أما بعد التسليم منها فلا تصح نية الجمع.

الثَالِث: الْمُوَالاَةُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بأَنْ لاَ يَفْصِل بَيْنَهُمَا زَمَنٌ طَوِيلٌ، أَمَّا الْفَصْل الْيَسِيرُ فَلاَ يَضُرّ لأِنّهَ مِنَ الْعَسِيرِ التَّحَرُّزَ مِنْهُ، فَإِنْ أَطَال الْفَصْل بَيْنَهُمَا بَطَل الْجَمْعُ سَوَاءٌ في ذلك الفصل بالِنَوْمٍ والسَهْوٍ والشُغْلٍ وغَيْرِها. وَالْمَرْجِعُ فِي الْفَصْل الْيَسِيرِ وَالطَّوِيل الْعُرْفُ كَباقي الأْمُورِ الَّتِي لاَ ضَابِطَ لَهَا فِي الشَّرْعِ أَوْ فِي اللُّغَةِ. وَقَدَّرَه بَعْضُ الْحَنبلية وَالشَّافِعِيَّةِ بمقدار الإْقَامَةِ أو بمقدار الْوُضُوءِ.

الرَابِع: دَوَامُ سبب الجمع (كنزول المطر مثلاً) حَال افْتِتَاحِ الأْولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا زال السبب أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ الأْولَى أو ما بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَلَزِمَ المصلي تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا.

شُرُوطُ صِحَّةِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ:

     يشْتَرَطُ لِصِحَّةِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ نِيَّةُ الْجَمْعِ قَبْل خُرُوجِ وَقْتِ الأْولَى بِزَمَنٍ لَوِ ابْتُدِئَتْ فِيهِ كَانَتْ أَدَاءً، فَإِنْ أَخَّرَهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ أَثِمَ وَتَكُونُ قَضَاءً لِخُلُوِّ وَقْتِهَا عَنِ الْفِعْل أَوِ الْعَزْمِ والنية.

    وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ شَرْط دَوَام سبب الجمع إِلَى تَمَامِ الصَّلاَتَيْنِ، فَإِنْ زال قَبْل فَرَاغِهِ مِنْهُمَا أَصْبَحَتِ الأْولَى قَضَاءً.

     أَمَّا الْحَنبلية فَيَشْتَرِطُونَ اسْتِمْرَارَ السَّبب إِلَى حِينِ دُخُول وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَلاَ يَضُرُّ عندهم زَوَال السَّبب قَبْل فِعْل الصَّلاَتَيْنِ وَبَعْدَ دُخُول وَقْتِ الثَّانِيَةِ.

     ويرى جمهور الفقهاء أن لجمع الصلاة أسباباً: منها ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه، وهي السفر والمرض و(المطر والثلج والبرد والطين) والريح والخوف والحاجة.

أولاً: الجمع للسَّفَرِ الطويل

     ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنبلية إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِسَبَبِ السَّفَرِ الطَّوِيل الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الرُّبَاعِيَّةُ سواء في ذلك جمع التقديم وجمع التأخير، ومعلوم أن مسافة قصر الصلاة هي اليوم 83 كيلو متراً تبدأ بمفارقة العمران، واحتجوا بما يلي:

1- حديث {كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ارْتَحَل قَبْل أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَل فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا…} رواه البخاري، وَفِي رِوَايَةٍ أخرى له {فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ}.

2- قال مُعَاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا} رواه مسلم.

     ومن حيث المفاضلة بين جمع التقديم والتأخير في السفر فخير للمسافر الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فهذا أيسر له وأهون عليه وأقل مشقة به، فقد كان صلى الله عليه وسلم {إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجَّل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب} رواه الترمذي

     هذه الأحكام تتعلق بالجمع في السفر الطويل، أما الجمع في السفر القصير وهو الذي يقل عن 83 كيلو متراً فقد اختلف فيه الفقهاء:

     فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ والْحَنبلية إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، واحتجوا بما يلي:

1- أنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ عن المسافر فَاخْتَصَّتْ بِالطَّوِيل كَقَصْرِ الصلاة.

2- أنَّه الجمع إِخْرَاجُ عِبَادَةٍ عَنْ وَقْتِهَا فَلَمْ يَجُزْ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ كَالْفِطْرِ للصائم فيه.

3- أنَّ دَلِيل الْجَمْعِ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْفِعْل لاَ صِيغَةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، فَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُهَا إِلاَّ فِي مِثْلِهَا، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ إِلاَّ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ.

     وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَرْجُوحِ عِنْدَهُمْ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، واستدلوا بأنَّ أَهْل مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَهُوَ سَفَرٌ قَصِيرٌ.    

     وذهب الْمَالِكِيَّةُ إلى عدم اشتراط طول مسافة السفر أو قصرها لِلْجَمْعِ، فَإِذَا نَوَى المسافر الإْقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ إِحْدَى الصَّلاَتَيْنِ عِنْدَ التَّقْدِيمِ بَطَل الْجَمْعُ، وَلاَ يشْتَرطُون إِقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِبُطْلاَنِ الْجَمْعِ.

     وَأما من لا يجيزون الجمع للمسافر (وهم الحنفية وبعض التابعين وتابعيهم) فقد اسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:

1- قال ابن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه {ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع} رواه مسلم، وجمع هي مزدلفة.

2- قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم {لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَل الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الأْخْرَى فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا} رواه مسلم.

3- وَاحْتَجُّوا أيضاً بِأَنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلاَةِ ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ بينما أَحَادِيثُ الْجَمْعِ آحَادٌ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.

الْجَمْعُ لِلْمَرَضِ

     اخْتَلَفَ جمهور الْفُقَهَاءُ الذين يجيزون الجمع بين الصلوات فِي جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمَرِيضِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنبلية إِلَى الجَوَازِ، وَاسْتَدَلُّوا بما يلي:

1- بفعله صلى الله عليه وسلم فقد {جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ} رواه مسلم.

2- بِأَمْرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَمَّا كَانَتَا مُسْتَحَاضَتَيْنِ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَتَعْجِيل الْعَصْرِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِغُسْلٍ وَاحِدٍ} رواه أبو داود، والاستحاضة هي نوع من المرض عند الفقهاء.

3- بالقياس، فقد قاسوا الْمَرَضَ عَلَى السَّفَرِ بِجَامِعِ الْمَشَقَّةِ بينهما فَقَالُوا: الْمَشَقَّةُ عَلَى الْمَرِيضِ فِي إِفْرَادِ الصَّلَوَاتِ أَشَدُّ مِنْهَا عَلَى الْمُسَافِرِ.

     إلاّ أن الْمَالِكِيَّةَ يرون أَنَّ الْجَمْعَ الْجَائِزَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ فقط جَمْعُ التَّقْدِيمِ لِمَنْ خَافَ الإْغْمَاءَ أَوِ الْحُمَّى أَوْ غَيْرَهُمَا، فإِنْ لم تصبه هَذِهِ الأْمْرَاضِ التي خافها أَعَادَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِهَا.

     وأَمَّا الْحَنبلية فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمَرِيضَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَالْمُسَافِرِ، فَإِنِ اسْتَوَى عِنْدَهُ الأْمْرَانِ فَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى؛ لأِنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلأْولَى حَقِيقَةً بِخِلاَفِ الْعَكْسِ، وَلأن الْمَرَض الْمُبِيح لِلْجَمْعِ عِنْدهمَ هو مَا يلحق المصلي من ضعف ومشقة بِتَأْدِيَةِ كُل صَلاَةٍ فِي وَقْتِهَا.

     وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عدم جواز الْجَمْع للْمَرَضِ لأِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلأِنَّ أَخْبَارَ الْمَوَاقِيتِ ثَابِتَةٌ فَلاَ تُتْرَكُ أَوْ تُخَالَفُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ وَغَيْرِ صَرِيحٍ، وَبالأخص أَنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرِضَ كَثِيرَاً وَلَمْ يُنْقَل عنه الجَمْع صَرِيحاً.

الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرْدِ

     ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنبلية إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِسَبَبِ الْمَطَرِ الْمُبَلِّل لِلثِّيَابِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرْدِ واستدلوا بحديث {صَلَّى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً} رواه البخاري، وزَادَ مُسْلِمٌ {مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ}.

     وهنا اختلف الْجُمْهُورَ فِي مَسَائِل عديدة مِنْهَا:

1 – يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنبلية عدم جواز الْجَمْع بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ للْمَطَرِ وَنَحْوِهِ للحديث {مِنَ السُّنَّةِ إِذَا كَانَ يَوْمٌ مَطِيرٌ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ} رواه البيهقي موقوفاً على ابن عمر. وَلأِنَّ الْمَشَقَّةَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ أَشَدُّ لأِجْل الظُّلْمَةِ.

     أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَيَرَوْنَ جواز الْجَمْع بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كَذَلِكَ بِسَبَبِ الْمَطَرِ وَغيره لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَلأِنَّ الْعِلَّةَ وُجُودُ الْمَطَرِ سَوَاءٌ فِي اللَّيْل وفي النَّهَارِ.

2- يرى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجديد جَوَاز جَمْعِ التَّقْدِيمِ فَقَطْ دُونَ جَمْعِ التَّأْخِيرِ لأِنَّ دوام الْمَطَرِ غير مُؤَكَّدَ، فَقَدْ يَنْقَطِعُ الْمَطَرُ فَيُؤَدِّي إِلَى إِخْرَاجِ الصَّلاَةِ عَنْ وَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.

     أما الحنبلية فيرون جَوَاز جمع التقديم والتأخير للمَطَرِ كَالسَّفَر.

3 – يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِلْجَمْعِ بِسَبَبِ الْمَطَرِ عدة شروط مِنْهَا:

أ – وُجُودُ الْمَطَرِ فِي أَوَّل الصَّلاَتَيْنِ وَعِنْدَ السَّلاَمِ مِنَ الأْولَى وَعِنْدَ الدُخُول في الثَّانِيَةِ.

ب – الرُّخْصَةُ خَاصَّةٌ بِالْمُصَلِّي جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ، فَلاَ يَجْمَعُ الْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنبلية، ولكن الراجح عندهم أَنَّ الرُّخْصَةَ عَامَّةٌ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُصَلِّي فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَوْ مُنْفَرِدًا؛ لأِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فِي الْمَطَرِ وَلَيْسَ بَيْنَ حُجْرَتِهِ وَالْمَسْجِدِ شَيْءٌ. وَلأِنَّ الْعُذْرَ إِذَا وُجِدَ اسْتَوَى فِيهِ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ وَغَيْرُهُ.

4 – يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْقَوْل الأْصَحُّ عِنْدَ الْحَنبلية أَنَّ الطِّينَ والْوَحْل عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ كَالْمَطَرِ لأِنَّهُ يُلَوِّثُ الثِّيَابَ وَالنِّعَال وَيَتَعَرَّضُ الإْنْسَانُ فِيهِ لِلزَّلْقِ وَيتَأَذَّى بنَفْسه وَيثِيَابه، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنَ الْبَلَل. وقال الْمَالِكِيَّةَ: إِنِ اجْتَمَعَ الْمَطَرُ وَالطِّينُ وَالظُّلْمَةُ أَوِ اثْنَانِ مِنْهَا، أَوِ انْفَرَدَ الْمَطَرُ جَازَ الْجَمْعُ.

     وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بِسَبَبِ الطِّينِ أَوِ الْوَحْل لأِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ جَمَعَ مِنْ أَجْلِهِ.

5 – يَرَى الْحَنبلية فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ مِنْ أَجْل الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ لأِنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لحديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا {كَانَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي مُنَادِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ أَوِ اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ الرِّيحِ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ} رواه البخاري.

     أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَلاَ يُجِيزُونَ الْجَمْعَ مِنْ أَجْل الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالظُّلْمَةِ؛ لأِنَّهُمَا كَانَتَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ جَمَعَ مِنْ أَجْلِهِمَا.

الْجَمْعُ لِلْخَوْفِ

     ذَهَبَ الْحَنبلية وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَفي رِوَايَة عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِسَبَبِ الْخَوْفِ لحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا السابق ذكره والذي يدل عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لِلْخَوْفِ أَوْلَى.

     والخوف المبيح للجمع هو الخوف على النفس أو الأهل أو المال، وهو عذر نسبي يختلف من شخص لآخر كالمرض بحيث أن كل شخص يقدر ظرفه بنفسه.

     وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأْخْرَى لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْخَوْفِ لِثُبُوتِ أَحَادِيثِ الْمَوَاقِيتِ وَلاَ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا إِلاَّ بِنَصٍّ صَرِيحٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ.

الْجَمْعُ بِدُونِ سَبَبٍ

     ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ لِغَيْرِ هذه الأْعْذَارِ لأِنَّ أَخْبَارَ الْمَوَاقِيتِ الثَّابِتَةِ لاَ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا إِلاَّ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ، وَتَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَافَظَةُ عَلَيها، قَال ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: {مَا رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاَةً لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إِلاَّ صَلاَتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ} رواه مسلم وبجمع أي بمزدلفة.

     وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه مسلم {صَلَّى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ، فَقِيل لاِبْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَل ذَلِكَ؟ قَال أَرَادَ أَنْ لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ} فيحمل على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلوات المذكورة لمشقة عارضة ذلك اليوم من مرض غالب أو برد شديد أو وحل، ونحو ذلك بدليل جواب ابن عباس وهو رفع الحرج عن الأمة.

     وأنوّه بمسألة مهمة، وهي جواز جمع العصر مع صلاة الجمعة بعذر المطر عند الشافعية إذا انطبقت شروط الجمع التي سبق بيانها في جمع التقديم في الحلقة السابقة وهي البدء بالجمعة ونية الجمع في بدايتها إلى التسليم منها والموالاة بينها وبين العصر ودوام المطر إلى افتتاح العصر، فقد نصوا في مصنفاتهم الفقهية كالمجموع للنووي على أن [للمقيم أن يجمع في المطر ولو كان ضعيفاً بحيث يبل الثوب ونحوه وفي الثلج والبَرَد الذائبين ما يجمع في السفر ولو جمعة مع العصر], فإذا قدَّم المصلي العصر فلا بد من وجود المطر في الأحوال الثلاثة أي عند البدء بصلاة الجمعة والتسليم منها والتكبير للعصر، ويمكن للإمام قبل أن يكبّر لصلاة الجمعة أن يفحص نزول المطر بنفسه أو يوكّل شخصاً آخر ليفحص، فإذا أراد أن يكبّر لصلاة العصر المجموعة يفحص أو يوكّل شخصاً ليفحص، فإن وجد المطر جمع وإلا فلا جمع باتفاق الفقهاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى