آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: أخطار وتداعيات جريمة إحراق المسجد الأقصى

تناولتُ في المقال السابق الأدلة والبراهين الدامغة على تورط سلطات الاحتلال الإسرائيلية في جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك بتاريخ 21/8/1969م والتي صادف يوم الإثنين الفائت ذكراها الثامنة والأربعين ، هذه الجريمة التي مسَّت ثالث مقدسات الأمة الإسلامية قبلتها الأولى ومسرى رسولها محمد صلى الله عليه وسلم ، وأكدت أن مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك هما مركز الصراع بين الأمة بكاملها وبين المشروع الصهيوني الرامي إلى السيطرة على فلسطين في سبيل إقامة كيانه الغاصب ممتداً من النيل إلى الفرات ، وأنهما لا يخصان الفلسطينيين أو العرب فقط كما يحاول كثيرون تكريس ذلك التوجّه ، بل هما جزء من عقيدة الأمة وعنوان شرفها ورمز عزتها وكرامتها .

     بدأ الحريق في ثلاثة مواضع منفصلة في المسجد القبلي : مسجد عمر في الزاوية الجنوبية الشرقية ، ومنبر صلاح الدين التاريخي والمحراب في الواجهة الجنوبية ، والنافذة العلوية في الزاوية الجنوبية الغربية . ثم امتدت النار شمالاً وحرقت ما مساحته حوالي 1500 متر مربع .

     اعتقد المخططون أن الحريق في المواقع الثلاثة سيتصل بعضه ببعض وسيدمر كل الواجهة الجنوبية للمسجد ، وأنه سيمتد شمالاً ليأتي على جميع المسجد ، إلاَّ أن الله سبحانه وتعالى قدّر أمراً آخر خيَّب ظنونهم ، فقد انطفأت النار في خارج النافذة العلوية ذاتياً دون أن يطفئها أحد لسبب بسيط هو عدم وجود عامل مساعد على الحريق بين هذه النافذة ووسط الجدار الجنوبي للمسجد ، لأن مادة النافذة حجرية والجدار الجنوبي من الغرب الى الوسط كله من الحجر .

     أتت النيران على مسجد عمر الذي كان سقفه من الطين والجسور الخشبية ، وعلى محراب زكريا المجاور لمسجد عمر ، ومقام الأربعين المجاور لمحراب زكريا ، وثلاثة أروقة الأروقة السبعة الممتدة من الجنوب إلى الشمال مع الأعمدة والأقواس والزخرفة ، وجزء من السقف الذي سقط على الأرض ، وعمودين رئيسيين مع القوس الحجري الكبير بينهما تحت قبة المسجد ، وتضررت أجزاء من القبة الداخلية المزخرفة والجدران الجنوبية ، وتحطمت 48 مصنوعة من الجبص والخشب والزجاج الملون ، واحترقت كثير من الزخارف والآيات القرآنية منها مطلع سورة الإسراء المصنوع من الفسيفساء المذهّبة ، والجسور الخشبية المزخرفة الحاملة للقناديل والممتدة بين تيجان الأعمدة ، واحتراق جميع السجاد العجمي .

     وكعادتها تنصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلية من أي دور في هذه الجريمة ، بل ظهر مَنْ اتهم العرب بأنهم وراءها بهدف إعلان الجهاد المقدس ضد الاحتلال مستنداً في هذا الاتهام إلى رفض المجلس الإسلامي الأعلى في القدس التعاون مع اللجنة التي شكلتها المحكمة العليا الاحتلالية للتحقيق في الجريمة .

     فجرت هذه الجريمة التآمرية ثورة غضب عارمة في العالم الإسلامي ، ففي اليوم التالي للحريق أدى آلاف المسلمين صلاة الجمعة في الساحة الخارجية للمسجد الأقصى ، وعمت المظاهرات مدينة القدس وسائر المدن الفلسطينية احتجاجاً على الحريق ، وامتدت المسيرات والمظاهرات الغاضبة والإضرابات الشاملة إلى مدن العالم العربي والإسلامي ، واستنكرت الهيئة الإسلامية العليا بالقدس هذه الجريمة ووجهت نداء إلى الأمة تنعي فيه المسجد الأقصى المبارك ، وأطلقت رابطة العالم الإسلامي نداءً تدعو فيه إلى عقد اجتماع عاجل . وحتى على المستوى الدولي وفي الغرب أيضاً توالت ردود الفعل المستاءة من هذه الجريمة الوحشية التخريبية وتُحَمِّلُ سلطات الاحتلال الإسرائيلة مسؤوليتها كاملة ونتائجها ، وتدعو إلى انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من كل الأراضي العربية المحتلة بما فيها مدينة القدس .

     شجب القادة العرب هذه الفعلة النكراء وتبادلوا فيما بينهم الرسائل ، وتداعَوْا لعقد مؤتمر القمة ، وبدأ في القاهرة الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب الأعضاء في جامعة الدول العربية لرسم الطريق المؤدي إلى إنقاذ فلسطين والمقدسات من قبضة الاحتلال وبالأخص بعد إعلان العاهل السعودي فيصل بن عبد العزيز الجهاد المقدس .

     وعقد أول مؤتمر قمة إسلامي في مدينة الرباط بالمغرب ، ومن أبرز نتائجه إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي والتي تضم في عضويتها جميع الدول الإسلامية ، وكان الملك فيصل صاحب هذه الفكرة ، وقد انبثقت عن هذه المنظمة لجنة القدس برئاسة العاهل المغربي ، والتي جاء في بيانها التأسيسي ان من مهام هذه اللجنة إنقاذ المسجد الأقصى المبارك والدفاع عنه وتحرير مدينة القدس المحتلة .

     وعقدت مجموعة الدول الإسلامية اجتماعات مستمرة للاتفاق على مشروع قرار لعرضه على مجلس الأمن الدولي يتضمن المطالبة بإرسال حرس دولي إلى مدينة القدس لحماية الأماكن المقدسة ، وتشكيل لجنة خماسية للتحقيق في الظروف التي أدت إلى الحريق ، وتشكيل لجنة ثانية لتقدير الأضرار التي لحقت بالمسجد الأقصى والإشراف على الترميمات اللازمة فيه بالتعاون مع المجلس الإسلامي الأعلى في القدس .

      وفي 09/09/1969 اجتمع مجلس الأمن الدول للبحث في الشكوى التي قدمها مندوبو 25 دولة إسلامية وعربية والمتعلقة بحريق المسجد الأقصى المبارك ، وأصدر المجلس القرار رقم 271 بتاريخ 15/9 بإدانة إسرائيل لحرق المسجد الأقصى المبارك ، ودعاها إلى إلغاء جميع الإجراءات التي من شأنها تغيير وضع القدس ، والتقيد بنصوص اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الذي ينظم الاحتلال العسكري ، وفي 08/10/1969 أصدر المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو أيضاً القرار رقم 83 بإدانة حريق المسجد الأقصى المبارك ، ونعلم ويعلم العالم أن هذين القرارين وسابقاتهما ولاحقاتهما من القرارات الدولية أصبحت مجرد حبر على ورق فلم تنفذ إسرائيل منها شيئاً ، ولم يحاسبها المجتمع الدولي على ذلك .

     بعد أربعة أيام من وقوع جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك أعلنت الهيئة الإسلامية العليا بالقدس المباشرة فوراً بإعمار المسجد الأقصى المبارك ، وقد شكلت المملكة الأردنية الهاشمية لجنة من أربعين شخصاً من كبار العلماء والمهندسين والفنيين المختصين لإعادة الإعمار . وأعلن رئيس الهيئة فيما بعد أن هناك مشروعاً لكهربة المسجد الأقصى بالكامل وضعه المهندسون الاختصاصيون لإنارة شاملة وفق أحدث النظم ، ومشروعاً آخر لجهاز الإطفاء .

     قامت لجنة الإعمار تلك بالعمل المتواصل والدؤوب على مدى عقود بإعمار المسجد الأقصى المبارك وإعادته إلى حالته السابقة قبل الحريق ، وهي عملية معقدة وصعبة للغاية ، فقد تمت إزالة آثار الحريق أولاً ، ثم ترميم القبة الخشبية الداخلية والرخام والأسقف والأقواس والأعمدة والزخارف ، وتركيب القبة الخارجية باستبدال ألواح الألمنيوم بأخرى من الرصاص ، وتركيب سورة الإسراء بالفسيفساء المذهبة . وتركيب جهاز للإنذار ولإطفاء الحريق . وصنع وبناء منبر صلاح الدين بمواصفات المنبر الأصلي ، وتم نًقله إلى مدينة القدس ووضعه في مكانه بتاريخ 2/2/2007م ، وكل هذه الإنجازات تمت بجهود دائرة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية وعلى نفقة الحكومة الأردنية .

جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك التي ما زالت ممتدة

     إن جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك التي ما زالت ممتدة من خلال إجراءات سلطات الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة بالاقتحامات اليومية لساحاته وبالمجازر الدموية التي ترتكب على أرضه ، وبالحفريات التي تنفذ تحت أساساته وبشبكة الأنفاق التي افتتحتها تحت أساساته مما أدى إلى انهيارات في ساحاته وانبعاجات في جدرانه ، كل ذلك يؤكد أن إسرائيل ماضية في تنفيذ مؤامراتها العلنية ضد المسجد الأقصى المبارك ، ويحمل الأمة مسؤولياتها الدينية والوطنية والسياسية في الدفاع عنه .

     إن الأمة لا يقبل منها أبداً الانتظار حتى تنفذ إسرائيل مخططها بفرض سيادتها وهيمنتها على المسجد الأقصى المبارك كما حاولت في الشهر الماضي لولا هبة المقدسيين الأبطال التي حالت دون تحقيق سلطات الاحتلال ما أرادت ، ولا يجوز لنا السكوت حتى يقع المحظور فنقوم بالبكاء والعويل والاستنكار والتنديد ، بل يتحتم علينا استخلاص الدروس من هذه الجريمة ومن كل الجرائم الاحتلالية ، ويتحتم علينا أيضاً اخذ العبرة من الهبة المقدسية المشرّفة للمسارعة في العمل على تحرير مدينة القدس وإنقاذ المسجد الأقصى المبارك من براثن الاحتلال .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى