آراءبحوث ودراسات

د. تيسير التميمي يكتب: أحكام قضاء المنشد تتنافى مع مقاصد الشريعة في العقوبات (الحلقة الثانية)

د. تيسير التميمي

المَنْشَد في اللغة من نَشَدَ الضالّة إذا سأل عنها وطلبها، والمَنْشَدُ في اللغة هو مَن يقصده الناس للسؤال عن أمور معينة فيعرّفهم بها ويدلُّهم عليها.

     يعتبر المنشد في العرف السائد بالمجتمع أعلى درجة في القضاء العشائري، ويختص بالديات وبالأعراض، ويختص أيضاً بقضايا تقطيع الوجه وهي أنْ لا يحترم أهل المجني عليه الوجوه الذين تعهدوا أمامهم بعدم أخذ القانون باليد بالاعتداء على أهل الجاني بعد إتمام مراسيم القضاء العشائري سواء بالصلح أو العطوة وعدم الالْتزام بكفالاتهم.

     وتكون أحكام المنشد نهائية لا نقاش فيها ولا ثأر بعدها، وتتصف بالشدة لردع الجناة، ولكن الجاهات عادة تطلب من عائلة المجني عليه تخفيفها، وقد يُجاب طلبها وقد لا يجاب.

     وقد صدرت فعلاً أحكام عديدة عن قضاة المناشد اتَّسمت بالقسوة والمبالغة وبالتضمينات المالية الباهظة، واتّسمت أيضاً بمخالفتها أحكام الشريعة، وبتجاوز أسس العدالة التي من أهمها أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، وألاَّ تتنافى مع مقاصد الشريعة والتوجيهات الدينية، ومنها مثلاً التوجيه الرباني الوارد في قوله تعالى {… وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً } الإسراء 33 :

1- فجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار من أعظم الجنايات على النفس الإنسانية المعصومة، وإزهاق روح حرم الله عز وجل إزهاقها بغير حق، وحكم الشرع القطعي المقرر فيها القصاص أولاً أي قتل القاتل، قال سبحانه وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى… } البقرة 178، وقال صلى الله عليه وسلم {… وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يُفْدَى وَإمَّا أَنْ يُقْتَلَ } رواه البخاري.

     والقصاص هو حق ولي الدم للمقتول فله المطالبة به، وفي هذه الحالة يوقَع القصاص على القاتل إذا حكم به القاضي المختص المعيَّن من قبل ولي الأمر بعد المحاكمة العادلة حسب الأصول ؛ سواء ثبتت الجريمة بإقرار الجاني أو ببينة ولي المجني عليه أو ممثل الحق العام، ويُنَفَّذُ القصاص بأمر الحاكم وولايته وسلطانه التنفيذي.

     أما إن عفا ولي المقتول، أو إذا لم توجد الجهة الحاكمة بشرع الله التي تطبق القصاص فتجب على القاتل دية القتل العمد، وهذه الدية تجب مُعَجَّلةً في مال القاتل وحده فلا يحملها غيره عنه، فإن شاءت عاقلته واسَتْه فيها وعاونَتْه من غير أن تُجْبَرَ أو تلزم بذلك، والعاقلة هي أقارب الجاني وعصبته من الذكور، وسميت عاقلة لأن الأصل فيها أن تعقِلَه أي تمنعه عن الاعتداء على الناس ودمائهم وأموالهم وأعراضهم.

     وقيمة الدية في القتل العمد كما حددها صلى الله عليه وسلم مائة، قال صلى الله عليه وسلم { مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ، فَإنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَهِيَ ثَلاثُونَ حِقَّةً، وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ العَقْلِ } رواه الترمذي.

     والحقة من الإبل ما أتمت ثلاث سنوات، والجذعة ما أتمت أربع سنوات، والخلفة هي الناقة الحامل. وتقدر قيمتها اليوم في بلادنا بما لا يتجاوز (150000) مائة وخمسين ألف دينار أردني.

     والدية هذه التي يأخذها أولياء المقتول في القتل العمد ليست واجبة بالقتل كما في حالة القتل الخطأ، وإنما هي بدل عن القصاص، وللأولياء أن يُصالحوا عليها أو على أقل منها.

     ولا تجوز المبالغة في الدية بما يثقل كاهل الناس، ويعطل الصلح وإنهاء الخلافات العالقة في كثير من الحالات بسبب العجز عن جمع قيمة الدية الباهظة، مما يعمق العداوة والبغضاء والحقد والكراهية بين الناس.

2- وأما جرائم الاعتداء على العرض فهي الأخرى من أبشع الجرائم المنافية للأخلاق والأدب، وفيها عدوان على حقوق الآخرين، وتؤثر سلباً في استقرار المجتمع وأمنه، فإذا كانت جريمة كاملة كالزنى الفعلي بشروطه الشرعية، أو القذف باتهام الإنسان المحصن مع توفر شروطه الشرعية فهنا توقع على الجاني العقوبة المقررة شرعاً وهي الحد.

     فإن لم تتوفر شروط تطبيق الحد، أو إذا لم توجد الجهة الحاكمة بشرع الله التي تطبق الحدود فتصبح من الجرائم التي يجب فيها التعزير، وهو عقوبة غير مقدرة شرعاً تجب حقاً لله أو لإنسان في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة غالباً، فالقاضي المجتهد أو المشرّع (السلطة التشريعية) أو ولي الأمر هو المفوّض في تقدير العقوبة في هذه الحالة

     يحكم القاضي المختص المعيَن من قبل ولي الأمر بعد المحاكمة العادلة حسب الأصول بالعقوبة المناسبة زجراً وتأديباً، مراعياً عدة اعتبارات كظروف ارتكاب الجريمة، وشخصية الجاني، ومقدار الأذى والضرر الذي وقع بالمجني عليه، والدوافع التي أدت إلى ارتكابها، وغيرها،

     ويشترط في جرائم التعزير أن تكون معصية محرمة شرعاً، وألاَّ تصل العقوبة فيها المقدار الذي حدده الشرع في جرائم الحدود وهي (الزنا والقذف والسرقة وشرب الخمر والحرابة والردة )، أما في الجرائم الأخرى كالتجسس لصالح العدو والخيانة فقد تتجاوز العقوبة ذلك بما يحقق المصلحة في ردع المجرمين وتحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع،

     ويُنَفَّذُ التعزير بأمر الحاكم وولايته وسلطانه التنفيذي

     ومن هنا يظهر اختلاف الأحكام التي يصدرها قاضي المنشد عن أحكام الشريعة الإسلامية، ولهذا وجب إلغاؤها كما ألغيت فورة الدم مؤخراً، وهذا ما كان ؛ حيث صدر ميثاق شرف يلغي المنشد وينهي ظلم وجَوْر أحكامه المخالفة لأحكام الشريعة في الاجتماع الذي عقد في كفر عقب قبل أيام ووقع عليه عدد كبير من العلماء والوجهاء ورجال الإصلاح وأهل الحل والعقد من القدس ورام الله والخليل. وهذا نص البيان :

 [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين الذي أنعم علينا بالإسلام وأعزنا بمحمد خير الأنام الذي بلغنا رسالة ربه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن دياجير الظلام إلى نور الإسلام القائل في محكم القرآن {… وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } والقائل {… مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ… }

     لقد مرت عقود على الأمة الإسلاميه بعد سقوط الخلافة، وقبل سقوطها فشت فيها الأمية والجهل ؛ فكنتَ لا تجد في البلد عدد أصابع اليد ممن يقرأون ويكتبون، وبعد سقوط الدولة تولى علاج الاعتداءات رجال سُمُّو برجالات العشائر فكانت البيوت تبدأ من بيت المَلَمّ وتنتهي إلى المنشد الذي هو أعلى درجات القضاء العشائري، ويختص بالعرض وتقطيع الوجه، ولبيان الحكم الشرعي في هذا المنشد فإننا نبرأ الى الله من كل حكم لا يكون مصدره القرآن والسنة كما أرشدا اليه، والاحتكام إلى غير شرع الله لا يحكم به إلا كافر أو ظالم أو فاسق، قال تعالى { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }،

     وهؤلاء الذين يدعون إلى المنشد هم إما جهلة بحكم الشرع أو إنهم يدعون لذلك لمصالحهم وأهوائهم ويقولون أن هذه البيوت مأخوذة عن الآباء والأجداد والله تعالى يقول { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ }،

     لذلك كان تحكيم المنشد ومنهى الدم وقضاء الفرع كما يسمى هو احتكام إلى الطاغوت الذي نهى الله عنه في قوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً }،

     فالمنشد حرام شرعاً، والدعوة اليه إثم، وحضوره إثم، وإننا في هذا العصر الذي كثر فيه العلم والعلماء والمعرفة بشرع الله نرفض وننبذ هذه العادات الجاهلية، قال تعالى { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ].

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى