آراءبحوث ودراسات

د. إسماعيل علي يكتب: الحفاظ على البيئة في ضوء تعاليم الإسلام

د. إسماعيل علي
Latest posts by د. إسماعيل علي (see all)

غاية الشريعة تحيقُ مصالح الناس

إن غاية الشريعة الإسلامية ومقاصدَها العامة ـ على تعددها ـ إنما ترجع إلى مقصد أساسي، ألا وهو تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة.

 

ولقد قرر الإمام أبو إسحاقَ الشاطبيُّ -في الموافقات- أن الشريعة إنما وُضِعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا، وأن هذا الأمر قد دلّ عليه الاستقراءُ الذي لا يمكن أن ينازع فيه أحد، ثم أكَّد على أن هذا الأمر (وهو أن الشريعة قد وُضِعت لمصالح العباد عاجلا وآجلا) مستمرٌّ في جميع تفاصيل الشريعة.

 

وإلى نفس المعنى أشار الإمامُ ابنُ القيم ـ في إعلام الموقعين ـفقال : «فالشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلُّها،ورحمةٌ ومصالحُ كلُّها، وحكمةٌ كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أُدخِلت فيها بالتأويل».

 

ويُعرِّف العلماء المصلحة -كما ذكر الطوفيُّ- بأنها: «جلب نفع أود فع ضرر».

 

حرص الإسلام على صيانة البيئة من الضرر، ولا يخفى أن الحفاظ على البيئة من المصالح المعتبرة التي يترتب على فواتها أو تضييعها اختلالٌ في صلاحِ  واستقامةِ الحياة والأحياء، وأن الشريعة الإسلامية قد أَوْلتْها عنايةً كبيرة، حيث حرَّمت كلَّ ما من شأنه أن يُلحق الضرر بالبيئة جملة، أو بأيٍّ من مكوِّناتها تفصيلا، وقد جاءت نصوص الشرع قطعية في الدلالة على وجوب صيانة البيئة من الضرر والفساد، سواءٌ منها ما جاء نصوصا تفصيلية، أم في صورة قواعد عامة ومبادئ كلية، ومن ذلك:

 

قال الله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} (الأعراف: 56).

 

وقال سبحانه: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص: 77).

 

وقال تعالى:{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (سورة البقرة: 205).

 

وقد رَوى غيرُ واحد مِن الصحابة؛ منهم ابنُ عباس وعُبادةُ بنُ الصامت وعائشةُ، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» (رواه ابنُ ماجه وأحمدُ والطبرانيُّ وغيرُهم).

 

وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الملاعِن الثلاث: البَرازُ في الموارِد، وقارِعةِ الطريق، والظِّل»(رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي في السنن الكبرى).

 

 

و(الملاعِن) -كما قال ابن الأثير- جمع مَلْعَنة وهي الفَعْلةُ التي يُلْعَن بها فاعِلُها، كأنها مَظِنّة اللعْن ومَحَلٌّ له.

 

فهل هناك أيّ نوع من أنواع الإفساد والإضرار في الكون -وُجِد أم لم يُوجَد- لا تشمله هذه النصوص المذكورة وأشباهُها؟!

 

إن كل ما من شأنه أن يضرّ بالبيئة مما كان معروفا في عصر نزول الوحي، وما عُرِف بعد ذلك، وما لم تعرفه البشرية بعد، (مِن قضاء الحاجة في الماء، وفي الظل، وفي الطريق، حتى القيام بدفن النفايات الكيماوية الضارة)؛ كلُّ هذا داخل تحت عموم النهي عن الفساد، والأمرِ بعدم الإضرار!

 

 

وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «وفي إمالتك الأذى عن الطريق صَدقة» (رواه البيهقي في شعب الإيمان).

 

وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «عُرِضت عليّ أعمالُ أمتي حَسَنُها وسيئُها، فوجدْتُ في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النُّخاعةَ تكون في المسجد، لا تُدفَن» (رواه مسلم).

 

كما نهى الإسلام نهيا قاطعا عن الإسراف والتبذير في كل شيء، لا سيما في الاستفادة مما مما خلقه الله تعالى من الموارد الطبيعية، كالماء والطعام وغير ذلك، وفي هذا حماية لتلك الموارد، وإبقاءٌ لها، وصيانتُها من التبديد والاستنزاف.

 

قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: 31).

 

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبيّﷺمَرّ بسعدٍ وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَفُ يا سعد؟» قال: أفي الوضوء سَرَفٌ؟ قال: «نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ» (رواه أحمد، والبيهقيّ في شُعَب الإيمان).

 

هذا فضلا عن كثير من التوجيهات التي تُبقي على البيئة صالحة، يتجدد نفعُها، ومن ذلك:

عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنْ قامتِ الساعةُ وبيد أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يَغرِسها فليفعل» (رواه أحمد).

 

دور الفرد في الحفاظ على البيئة

 

ثم إن المسلمَ مأمور شرعا بأن يكون له دور إيجابيٌّ فاعل في التصدي لكل انحراف أو فساد، فيعملَ على إيقافه ومنْعِه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والأدلة على هذا أكثر من أن تُحصَى في هذا المقام، ولا سيما الآيات والأحاديث الدالة على وجوب  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي أظهرُ مِن أن تَخفى على أحد.

 

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبيّ، قال: «مَثَل القائمِ على حدود الله والواقعِ فيها، كمَثَل قومٍ اسْتَهَموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلها إذا اسْتَقَوا مِن الماء مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنّا خَرَقنا في نصيبنا خَرْقا ولم نُؤْذِ مَن فوقَنا، فإنْ يتركوهم وما أرادوا هَلَكوا جميعا، وإن أَخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جميعا» (رواه البخاريّ).

 

ويحفِّز الرسول × المسلمين لتنظيف البيئة من حولهم، فعن أبي هريرة، عن النبيّ×قال: «بينما رجل يمشيعلى طريقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ، فقال: لأَرْفَعَنّ هذا؛ لعل الله عز وجل يغفر لي به، فرَفَعه، فغَفَر الله له به، وأَدخَله الجنة» (رواه أحمد).

 

لكن الدور الأبرز للفرد هو أن يبدأ بنفسه، فيتجنب الإضرار بالبيئة، بأية وسيلة مثل تلويث الهواء أو الماء، أو إتلاف الطبيعة التي خلقها الله تعالى، وأن يكون نظيفا في نفسه ومسكنه ومجتعمه، وكل ما يحيط به، وأن يتعاون مع غيره من العاملين على صيانة البيئة وسلامتها.

 

عن سعد بن أبي وقاص، أن النبيّ قال: «إن الله طيّب يحب الطّيّب، نظيف يحب النظافة» (رواه أبو يعلى).

 

إن سعي المسلمين للحفاظ على البيئة وصيانتِها من المفاسد والأضرار واجب شرعيٌّ، لا يسعهم إلا القيام به، كلٌّ بقدر استطاعته، ولا يكلِّف الله نفسا إلا وسعها.

ألا ما أحوجَ البشريةَ إلى الأخذ بمنهج الإسلام وتعاليمه؛ فتصلح الحياةُ، ويسعد أهلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى