آراءبحوث ودراسات

د. إسماعيل علي يكتب: الاشتغال بما لا ينبني عليه عمل !!

د. إسماعيل علي
Latest posts by د. إسماعيل علي (see all)

إنّ مِن شأن الإنسان العاقل، فضلا عن المسلم العالِم أن لا يشتغل إلا بالنافع من الأعمال، الذي يعود بالخير عليه وعلى الحياة والأحياء، وأن يتجافَى عن تضييع وقتِه وجهده، وكذا وقتِ الآخرين وجهدِهم في عمل يضرّ، أو على أحسن تقدير: لا يضرّ ولا ينفع ..

 

وهذا مبدأٌ عامٌّ في جميع الأعمال ..

 

ويتفرع عن هذا المبدأ في مجال العلم والبحثأن يَترفّع العلماء والباحثون والدعاةُ بأنفسهم، ويصونوا أوقاتهم عن الخوض في مسألة أو قضية لا ينبني عليها عمل، ولا يُفيدُ الناسُ مِن ورائها نفعًا في أمور معاشهم أو معادهم.

 

قال الإمام “الشاطبيُّ” -يرحمه الله- في الموافقات: “كلُّ مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيهـا خوضٌ فيما لم يَدُلّ على استحسانه دليل شرعيّ، وأعني بالعمل: عملَ القلب وعملَ الجوارح مِن حيث هو مطلوب شرعا”.

 

وقال: “فإذاً قَطْعُ الزمان فيما لا يُجْنِي ثمرةً في الدارين، مع تعطيل ما يُجْنِي الثمرةَ؛ مِن فِعْل ما لا ينبغي”.

 

وعلى هذا النهج، وفي ضوء هذا الفهم سار أسلافنا رضوان الله عليهم، فحلّقوا في سماء الحضارة والرقيّ، وتسنّموا ذُرَى المجد، وكانوا على هُدىً واستقامةٍ في شئونهم المعاشيّة والمعاديّة.

 

ثم تطاول العُمُر، وتباعد الزمن، حتى خَلَفَت خُلوفٌ تنكّبت نَهْجَ أسلافِها القويم، وشغلتْ أنفُسَها بكثير مما لا ينبغي الاشتغال به، ولا ينبني عليه عمل، ولا يترتب عليه نفع..

 

بينما تلقّف الغرب الراية، ولم يضيع وقتا ولا جهدا في غير عمل نافع، أو نشاط غير بنّاء ولا مُثمر، فتبدّلت الحالُ غيرَ الحال، وتقدّم هو، وتخلّفنا نحن المسلمين، وازدادت الهُوّة بيننا وبينه، ولا يزال يتقدم، ولا نزال نراوح مكاننا !!

 

ولنضرب أمثلة لبعض الموضوعات التي لا ينبني عليها عمل، من واقع حياتنا العلمية والدعوية:

 

1ـ من الموضوعات التي لا ينبني عليها عمل، بل هي عارية تمامًا عن أي نفع لأحد من المسلمين؛ قضية يَعْمِد بعضُ أهل العلم والدعاة لإثارتها من حين إلى آخَر، ألا وهي أن والدَي النبيﷺفي النار، وأن هذا -بزعمهم- أمر لا شك فيه، مع ما يصاحب هذا الزعم من الاستعراض في حشد الأدلة والبراهين على أنهما من أصحاب النار!!

 

إنّ هذه المسألةَ مما لا ينفع العلمُ بها، وكذا الجهلُ بها لا يضر.

 

كما أنها ليست من فرائض الإسلام ولا من سننه، وليست مِن مُحْكَمات الشرع، ولم يتعبدنا الله -عز وجل- بمعرفتها.

 

فضلًا عن أن الأدلة التي يتشدق بها من يزعم بأنهما في النار ليست قطعية الدلالة، وكلُّها يتطرق إليها الاحتمال، وهي -فيما يبدو- ساقطة بما يَنقضها ويُبطلها من الأدلة الراسخةِ التي لا يتسع لذكرها المقام.

 

ثم إنّ هذه المسألةَ ليست مما أجمعت عليه الأمة.

 

ومع هذا يقف أحدُهم في المسجد النبويّ قبل أكثر من عشرين عاما ليقول بملء شِدقيْه ـ كما حدثني مَن لا أتّهِم ـ: «إنهما في النار، وإن كان هذا يحزننا» !!

 

ولست أدري لم هذا الإصرار على الحكم بأنهما في النار، والاشتغال بهذا الأمر، وإشغال المسلمين به ؟!

 

وهل هذا مِن العلم الخطير الذي يحتاجه المسلمون الذين قدِموا مِن كل فجٍّ عميق، لزيارة مسجد رسول الله ﷺ ؟؟!!

 

لقد كان أولى بهؤلاء النفر أنْ ينشغلوا بالمسلمين الذين يَهْوُون في النار ويندفعون إليها بمعاصيهم، وأنْ يفكروا في كيفية استنقاذهم منها، ومن الغزو الثقافيّ الذي يوردهم مواردها، ويريد أن يجتالهم عن دينهم.

 

ونحن نسأل مَن يثيرون هذه الموضوعات: بربكم ماذا يستفيد المسلمون من هذا الموضوع وأمثاله في معاشهم ومعادهم ؟!

 

لا شيء على الإطلاق !! والله المعافي ..

 

2ـ ومِن الناس مَن يَشغَل نفسه وغيرَه بموضوع الإسرائيليات التي لم يأت ما يشهد لصدقها أو كذبها دليلٌ شرعيّ معتبَر، بل إنه يخوض في تفاصيلَ عجيبةٍ مما يندرج تحت هذا النوع؛ كهذا الذي يَشغَل نفسه بضبط نطق كلمة “تارح” الذي قيل بأنه اسم والد سيدنا “إبراهيم”، هل الصواب أنْ تنطَق بضم الراء أم بكسرها؟؟!!

 

3ـ ومِنهم مَن أعجبه الرأيُ القائلُ بأنه لا نسخ في القرآن، ولا في الأحكام الشرعية عموما، فهو يقول به في المجالس العامة والخاصة، وفي الدروس التي يَحضرها غيرُ المتخصصين مِن الجمهور أو الدارسين، وليس هو بمجتهد، ولا الحاضرون بحاجة ـ نظريًّا أو عمليًّا ـ إلى هذا الرأي المرجوح، ومع هذا لا يَكُفّ عن الحديث في إنكار وقوع النسخ!!!

 

ولست أنكر الحديث في هذا الموضوع؛ لكن لا مجال لإثارته وفتح النقاش حوله أمام العامة، بل ولا التعصب له في المجالس الخاصة، ما دام الموضوع مختلَفا فيه، فيسعنا ما وسع السابقين من أهل العلم والفقه.

 

4ـ ومما يتورط فيه البعض أنه يشغل نفسَه وغيرَه بالخوض فيما جرى بين بعض الصحابة من اختلاف واشتجار، والبحث في تلك الفتنة، والسعي إلى تخطئة هذا الفريق أو ذاك، وكلّ هذا مما ذمّه العلماء الأثبات، ورفَضَه أولو النُّهَى؛ لأن هذا لا ينبني عليه عمل، بل ربما يجر إلى الحديث في حق بعض الصحابة بما لا يليق بمكانتهم وقدْرهم، رضي الله عنهم، وقد كانوا  -رضي الله عنهم- متأوِّلين ومجتهدين.

 

وصدق الله القائل: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة البقرة: 134].

 

والأولى والأجدر الاشتغال بإظهار فضائل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإبراز جوانب العظمة والاقتداء في سيرتهم، وما أكثرَها.

 

وما أحكمَ ما قاله الخليفةُ الفقيه الزاهد عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ حين سئل عن قتال أهل صفين: «تلك دماء كفّ الله عنها يدي لا أريد أن ألطخ بها لساني».

 

والله الموفِّق والهادي إلى سواء الصراط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى