لقد أقام الإسلام الأسرة على الميثاق الغليظ، وأسسها على جو من المودة والرحمة والطهر والعفة والإيثار والاحتساب والتضحية،
لا كما يريد لها سماسرة الثقافة الغربية، أن تتحول إلى بؤرة صراع بين الرجل والمرأة،
وأن تتغير إلى أنماط وهياكل جديدة ترمي إلى انحلال الأسرة وضياعها، كما ضاعت في الغرب..!
إن للأسرة المسلمة مسؤولية رساليَّة حدَّدها الحديث الشريف:
«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم،
والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته».
[البخاري ومسلم].
وبهذه المسؤولية الرساليَّة تقوم الأسرة المسلمة بدورها التربوي الكبير؛
لتكون قادرة على تخريج جيل رائد يحمل مشعل التغيير والبناء الحضاري على طراز أسر سلفنا الصالح؛
فتثير الاقتداء بها، ولا تكون ذيلًا تقتات على فتات الآخرين..
لقد أراد الله للأسرة المسلمة أن ترتقي إلى أفق الطموح الرسالي الذي جعله القرآن مقصدًا محوريًا لها في دعاء عباد الرحمن:
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74].
مضغة المجتمع والحضارة
فـ«الأسرة من المنظور السنني الكوني العام هي مضغة المجتمع والحضارة، التي إذا صلحت صلحا، وإذا فسدت فسدا؛
فقوة المجتمع وضعفه، وعنفوان الحضارة ووهنها، مرتبطان علي الدوام بطبيعة الأسرة وبأفق طموحها الإنساني أو الاستكباري،
لذلك أولاهما الإسلام عناية محورية في مشروعه الثقافي والاجتماعي والحضاري،
وجعلها مرتكز النهضة الحضارية باستمرار، كما يبدو في الآية السابقة التي جعلت من مهام الزواج والأسرة في المجتمع تزويد المجتمع والأمة بالقيادة الرسالية النوعية العالية التي تضطلع بمهام التغيير والإصلاح والتجديد والنهضة الحضارية في المجتمع والأمة والعالم». [د. الطيب برغوث].
ولا يخفى على أحد الدور الكبير للمرأة في الأسرة ورسالتها الحضارية في تغيير المجتمع والارتقاء به،
فإذا كانت المرأة تمثل نصف المجتمع، فإن النصف الآخر يتربى في أحضانها..!!
تلكم رسالة الأسرة في الإسلام التي قدَّمت لنا نماذج من أسر السلف الصالح – وما زالت قادرة على ذلك في كل زمان ومكان – ومن نساء عصر القدوة اللواتي قال النبي ﷺ في إحداهن: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة». [رواه البخاري].
تلك هي الرميصاء بنت ملحان – كما جاء في الأحاديث الصحيحة – امرأة من أهل الجنة جعلت الإسلامَ صداق زوجها – أغلى صداق عرفته البشرية – وأطعمت الصحابة من طعامها، وقاتلت في سبيل الله بنفسها، وأضحكت الله بكرمها، وأنجبت عشرة أولاد كلهم يقرؤون القرآن، غير البراء الذي انتصرت الجيوش بدعوته، وأنس راوي أحاديث عن النبي ﷺ وخادمه..
- د. إبراهيم التركاوي يكتب: لا غِنى للعالَم عن هَدي محمد ﷺ! - السبت _11 _مارس _2023AH 11-3-2023AD
- د. إبراهيم التركاوي يكتب: في ذِكرى أخي «أبو محمد» - الأحد _19 _فبراير _2023AH 19-2-2023AD
- د. إبراهيم التركاوي يكتب: الأسرة المسلمة.. رسالة حضارية - الخميس _9 _فبراير _2023AH 9-2-2023AD