آراءأقلام حرة

د. أنس الرهوان يكتب: لا حزين إلا ذو تجربة!

د. أنس الرهوان
Latest posts by د. أنس الرهوان (see all)

قرأت كثيرا لمن ينعي والده، وسمعت مرارا ضروبا من التعبيرات عن حزن الفقد ومرارة فراق الأب، كل مرة أقرأ وأسمع شيئا من ذلك أكون محملا بقدر كبير من الشفقة على صاحب المصيبة، والمواساة له والحزن عليه، يخالجني بين حين وآخر أن أبي يموت.. كيف سأتلقى فجيعة ذاك الخبر؟ ربما استغرقت في التفكير آنذاك حتى يذهب بي الحزن -أو ما ظننته حزنا- كل مذهب، فأسلم النفس لشيء آخر هروبا من ذلك الخيال..

 

اليوم أجد كلَّ حزنٍ اعتراني يوما من الدهر، أجده شبيها باللهو مقارنة بما أشعر به الآن، ليس الخبر كالعيان، ولا حزن إلا عن تجربة، وإني لأظن أن مَن يدعي حزنا وهو لم يفقد أحد أبويه لَهُو واهمٌ تخادعه نفسه ويخادعها..

 

يقولون لي يا أبتِ: تجلد واصبر، وأنت على قدر المسؤولية، وأنت الكبير والسند والظهر لإخوتك، ويقولون كلاما كثيرا شبيها بهذا.. ويحهم يا أبَهْ! أيحسب هؤلاء أني إنما بكيتُ لِما يُثقِلني من المسؤولية بعد رحيلك؟ أوَيرون أن الكبير لا حق له في البكاء والنحيب والتوجع لحرِّ الفاجعة؟ أليس فقدُكَ وحدَه سببا كافيا لأبكِيَكَ وأحزن عليك، وأتلمظ ريقي فأجده كالعلقم مرارة، وأتحسس ذكرياتي معك فأجد مسارب الدمع تتفتح بغير إرادتي وليس لي عليها سلطان؟! عجبا لهم يا أبت، كأنهم يرون أن لي قلبًا قُدَّ من صخر، كأنهم لا يعلمون أن الذي مضى إلى ربه هو قطعةٌ من ذلك القلب المكلوم، وأن لا كبيرَ على الفقد، وأن اليُتْم في اللغة دلالة على الصغير الفاقد أباه، وفي الحقيقة شعور لا يفرق بين الصغير والكبير!

 

لست يا أبتِ أعدد مناقبك وأسرد محاسنك، ولا أنا أستغفر من تقصيري معك فإني لو حملتُكَ الدهرَ على رأسي وبررتُك بكل جارحة من جوارحي لما وفيتُ شيئا من حقك، وإنما هي أشجان أبثها وأحزان أبوح بها، لعلها تخفف عني شيئا مما يعتلج في صدري..

 

لقد كان بينك وبيني يا أبَتِ شيءٌ من الحب الناطق، وكثير كثير من الحب الصامت الذي تنطق به قسمات الوجه وومضات العين وحركات الجوارح، لقد كان كلُّ شيء فيك يتراقص فرحا وسرورا إذا سُعدتُ، ويتداعى هما وحزنا إذا حزنتُ، ولك في كل حال مني حالٌ أعرفها وأوقن بها، ولي منك في كل يومٍ وليلة أطنان من المشاعر أسديتُ لك منها شيئا واختزنت منها شيئا، ولو كنت سأندم على شيء في حياتي لَكان على كل لحظة لم أستعلن لك فيها بمحبتي لك، التي يعلم كلُّ مَن يعرفني أنك المقدَّمُ فيها على كل الناس، لا ينازعك هذه المكانة سوى شقيقة روحك وصفية قلبك: أمي الغالية..

 

عزائي يا أبتِ وسلواني بعدك أنك متَّ مسلمًا قد قضيتَ فرضَك، خفيف الموتةِ لم تعالِجْ كبيرَ ألمٍ ولا مشقة، في بيتك وبين أسرتك لا مغتربا ولا على البُعد من أبنائك، في أرضٍ يسميها الناسُ غربة وهي أوثق الأرض بالله نسبة، يصلي عليك أهلُ الله في بيت الله، وتُدفَنُ بين شهداء البيت الحرام، ويدعو لك الناس في كل موطن، وتبكيك أرضُك وأهلوك وأحباؤك ومَن لا يعرفك، لقد كثَّرُ اللهُ الداعيَ لك، وتبادَرَ الناسُ المعروفَ مِن أجلك، هذا يختم ختمة، وذاك يشتري سهما، وثالث يصنع ورابع يفعل… وأرجو أن نكون أنا وإخوتي من صالح عملك، وأن يدوم استغفارنا ودعاؤنا وصالح عملنا لأجلك، وأن يثقل الله موازينك بنا ويجمعنا بك في جنان الخلد..

 

وحسبي من الدنيا أنك مضيت إلى ربك وليس في قلبك علي ولا على أحد من إخوتي غضب ولا مقت، وذلك واللهِ الذي يسرنا ويطيب نفوسنا..

 

ولولا الثقة بموعود الله، وحسن الظن بكرم الله، والرجاء بما عند الله، وأن هذه الدنيا ممر لا مقر، وأن الآخرة هي دار القرار، لكان لنا في الحزن عليك شأن وأي شأن، ولكن “الملقى قدام”.. فإلى رحمة الله ورضوانه يا أبت، وسلام الله عليك ورحمته ومغفرته وبركاته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى