آراءأقلام حرة

د. أنس الرهوان يكتب: كيف تقرأ وردك من القرآن؟

Latest posts by د. أنس الرهوان (see all)

إذا كنتَ ممن يقرأ القرآن بالأجزاء المعروفة، فجرِّبْ أن تختم ختمةً مجزَّأةً على أساس السور، لا الأجزاء.

 

ستستفيدُ كثيرًا، ستقرأ السورةَ الواحدةَ على التمامِ، وستجدُها وحدةً واحدةً، وربما يكون هذا باعثًا على صورٍ من التدبُّر لا تسنحُ لمَن يجزِّئُ القراءة بالأجزاءِ المعروفة.

 

ثم إن التزامَ التحزيبِ المعروف ( =ثلاثون جزءا) يختلُّ به سياقُ مواضعَ كثيرةٍ من السور، وسأضرب أمثلةً لذلك:

 

– رأسُ الجزءِ الثالث هو قول الله ﷻ: {تلك الرسلُ فضَّلنا بعضهم على بعض}، وهي آيةٌ متصلةٌ بما قبلها، فلو كان لا بدَّ من القراءة بالأجزاء، فالأحسن أن يقرأ القارئُ هذه الآيةَ مع ما قبلها.

 

– رأس الجزء الخامس هو قول الحق ﷻ: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانُكم}، ولا يخفى أن ابتداء القراءةِ بهذه الآية فيه مِن إفسادِ السياق ما فيه، فإنها واضحةُ الاتصال بما قبلها.

 

– رأسُ الجزء التاسع هو قوله سبحانه وتعالى: {قال الملأ الذين استكبروا من قومِه لنخرجنَّك يا شعيب من أرضنا}.. افتتاح القراءة بهذه الآية يجعل السامعَ يتساءل: مَن شعيبُ وما قصتُه ولمَ قالوا له هذا القول…، ونحو ذلك، هذا إذا كان المستمعُ نبيهًا فطنا!

 

– رأس الجزءِ العاشر هو قوله تبارك وتعالى: {واعلموا أنما غنمتم مِن شيءٍ فأنَّ لله خمسَه}، فمَن الذين ينبغي أن يعلموا، وعلى أيِّ شيءٍ تكون جملة (واعلموا) معطوفة؟ حين تقرأ السورةَ متصلةً فلن يبرزَ أمامَك هذا السؤال.

 

– رأس الجزء السادسَ عشر: {قال ألَم أقل لك إنك لن تستطيع معيَ صبرا}، فمَن القائلُ ولمَن قال؟ ولمَ قال؟ وهكذا تنبعثُ أسئلةٌ ما كان لها أن تنبعث لو التزمَ القارئُ السورةَ تامة، أو على الأقلِّ يلتزمُ القصةَ حتى تنقضي، حتى لو زاد في القراءةِ صفحةً أو اثنتين.

 

وهذه أمثلة على تفضيل القراءة بالسوَر على القراءة بالأجزاء، فإن كان لابدَّ من التحزيب بالأجزاء فلا أقلَّ من مراعاة السياقِ القصَصي أو الوعظي أو سياقِ تقرير الأحكام، وعدمِ الفصل بين أجزاء السياقِ فصلًا يفسد المعنى، حتى لو زاد الحزبُ صفحة أو اثنتين، أو نقص مثل ذلك.

 

فمثلًا لو قرأتَ الجزءَ الرابع فأكمِلْ إلى قوله عز وجل: {يريد الله أن يخفف عنكم وخُلِق الإنسان ضعيفا}، ليتمَّ لكَ سياقٌ واضحٌ مفهوم، وتكون الزيادةُ صفحةً وآيتين فحسب.

 

ولو قرأت الجزءَ التاسع، فقِفْ عند قوله سبحانه: {ليميز اللهُ الخبيثَ من الطيب ويجعلَ الخبيثَ بعضَه على بعضٍ فيركُمَه جميعًا فيجعلهُ في جهنم أولئك هم الخاسرون}، ستبقى في الصفحة ثلاث آياتٍ تتصلُ بما بعدَها في السياق، فالأحسن أن تقرأها موصولةً بما بعدها.

 

كما أن بعضَ السور يبقى منها شيءٌ يسيرٌ بعد تمامِ الجزء، فلا يُعقلُ أن تدَع هذا الجزءَ اليسيرَ التزامًا بالتحزيبِ المشهور، فسورةُ فُصِّلَتْ مثلا ستُّ صفحات، خمسٌ منها في الجزء الرابع والعشرين، والصفحة الأخيرة يبدأ فيها الجزء الخامس والعشرون، فهل الأحسنُ قراءةُ هذه الصفحة الواحدة أمْ تركُها؟

 

وسورة يس، منها نحوُ صفحتين في الجزء الثاني والعشرين، وبقيتها في الجزء الثالث والعشرين، فقراءةُ الصفحتين السابقتين ووصْلُهما بما بعدهما، خيرٌ مِن فصْلِهما وأتَمُّ للسياق.

 

على أن عددًا غير قليلٍ من السور موزَّعٌ على الأجزاء بانتظام، فالحجر والنحل هُما الجزءُ الرابع عشر، والأنبياء والحج هما الجزءُ السابع عشر، والأجزاء الثلاثة الأخيرةُ تتوزَّعُ فيها السور بغير إشكال، فالقصدُ مراعاةُ السورِ التي لا تنتظم في أجزاء محددة، والتي تكونُ مراعاة التحزيبِ المطبوع في المصاحف مُفْسِدةً لسياقاتها في أحيانٍ كثيرة.

 

وربما يكون التحزيب الآتي مناسبًا وفيه مراوحةٌ بين الطول والقِصَر، وقسمتُه على ٢٨ يومًا أو ٢٩: الفاتحة والبقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، ثم المائدة، ثم الأنعام، ثم الأعراف، ثم الأنفال، ثم التوبة -وعادتي أن أقرأ السورتين معا-، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف والرعد وإبراهيم -وإن شئتَ جعلتَ سورة يوسف في يومٍ، والرعد وإبراهيم في يوم-، ثم الجزء الرابع عشر، ثم الإسراء والكهف، ثم مريم وطه، ثم الجزء السابع عشر، ثم المؤمنون والنور، ثم الفرقان والشعراء والنمل، ثم القصص والعنكبوت، ثم الروم ولقمان والسجدة، ثم الأحزاب وسبأ وفاطر، ثم يس والصافات وص، ثم الزمر وغافر وفصلت، ثم الشورى إلى الجاثية، ثم الأحقاف إلى الذاريات، ثم الطور إلى الحديد، ثم الجزء المجادلة، ثم جزء تبارك، ثم جزء عم.

 

وتوجَد تقسيماتٌ أخرى لكن المدة فيها أقل، وأنا اقترحتُ شيئا أراعي به أحوالَ عامة الناس وأشغالَهم، والله أعلى وأعلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى