آراءأقلام حرة

د. أنس الرهوان يكتب: سيِّدُ شبابِ أهلِ الجنة

Latest posts by د. أنس الرهوان (see all)

في العاشر من شهر الله المحرم سنةَ إحدى وستين من الهجرة النبوية، قُتل شهيدًا سيِّدُ شبابِ أهلِ الجنة، سبطُ رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، أبو عبدِ اللهِ، الحسين بن أميرِ المؤمنين الشهيدِ علي بن أبي طالب، وابنُ سيدة نساء العالمين البتول فاطمةَ الزهراء، وحفيدُ سيدة نساء العالمين أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، عليهم السلامُ.

 

كان مولدُه في خامسِ شعبان سنةَ أربعٍ من الهجرة النبوية المباركة، وعاشَ في كنفِ رسولِ الله ﷺ ورعايته وكان يحبُّه أعظم حبٍّ وأجزَلَه، وأرضعَتْهُ أم الفضل بنت الحارث مع ابنِها قَثَم بن العباس رضي الله عنهم، وكان ممن يشبَّهُ برسول الله ﷺ، وهو من خيارِ الناس، ومِن خيارِ الصحابة الكرام، ومن سادات أهلِ البيتِ الكرام وكُبرائهم، وفضائله ومناقبُه أوسع مِن أن تستقصى في هذا المقامِ.

 

نُعِيَ إلى جدِّه ﷺ في حياتِه، واستشهد بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمسين سنة، مناهضًا للجور والطغيان، طالبًا للحقِّ ناصرًا للعدل، وانتقَمَ الله مِن قاتِليه شرَّ انتقامٍ في الدنيا، فما مات منهم أحدٌ إلا ميتةَ سوء، وإليه مرجعهم فينبِّئهم بما عملوا في الآخرة.

 

ومِما امتُحن به أهلُ هذا البيت: افتراقُ الناسِ فيهم فِرقًا متباينة، وكان للحسين رضي الله عنه نصيبٌ من هذا الابتلاء، فهو بين أقوامٍ ينتسبون إلى محبته ومشايَعَته، ويقيمون عليه المآتمَ والعويلَ، وليس لهم من وراءِ ذلك فعلٌ يصحِّحُ انتماءهم إليه، وبينَ أقوامٍ يتسلَّطون عليه بألسنتهم وأقلامهم، يخطِّئونه ويزعمون أنه مستحقٌّ لِما وقع به من القتل، وأنه -ويا للعجب- شقَّ عصا الطاعةِ وفارقَ الجماعة، وإنَّ حسينًا رضي الله عنه خيرٌ مِن ملْءِ الأرض منهم!.

 

وإنَّ حقًّا على المسلمين أن يستثمروا تلك الواقعةَ وأن يعتبروا بها، وأن لا يقتصر أمرُهم على الندْبِ والنياحة وتجديدِ الأحزانِ، وإن مقتَلَ الحسين رضي الله عنه لَمِن مآسي هذه الأمةِ ومصائبها الكبرى، وحُقَّ لِمَن قرأها أن يأخذه مِن الحزن ما شاء الله، ولكنْ مِن وراءِ الحزن أمورٌ أُخَرُ لا بد منها.

 

إنَّ مصرعَ الحسين عليه الرحمة والرضوان، ينبيك حقَّ البيان أنَّ هذه الدارَ لا قدْرَ لها عند الله عز وجل، ويدلُّك على هوان الدنيا بما فيها عليه سبحانه، فإن مثلَ الحسين لو كان أعطِيَ من الدنيا على مقداره، لَكان مِن ملوكِها شرقا وغربا، وكان قتَلَتُه غايتُهم أن يكونوا خدَمًا عنده، ولكنْ لله في خلقِه شؤونٌ.

 

عندما تجد مَن لا وزنَ له ومَنْ ترابُ الأرضِ خيرٌ منه، يحتزُّ ذلك الرأسَ الشريفَ ويبعثُ به في طسْتٍ إلى الوالي الفاسقِ الذي سلَّطَ الجيشَ على الحسين، ويطلبُ مقابلَ ذلك الرأس حفنةً من الدنيا ثم لا يجدُها، وعندما تعرف أن عبيدَ الله بن زيادٍ كان ينكتُ في فمِ الحسين بعودٍ في يده، ذلك الفم الذي كان النبي ﷺ يلثُمُه، هذا وإن موطئَ قدمِ الحسينِ خيرٌ مِن ابنِ زيادٍ بل لا سواءَ ولا قريب، توقن أن الدنيا مطبوعةٌ على الكدر، وأنَّ مصائبها العظمى تنزلُ بالكُمَّلِ من أولياء الله وعباده الصالحين كما تنزل بأشَرِّ أعدائه وأفجَرِهم.

 

وحين تعلم أنهم قتلوا حسينًا لتثبيتِ مُلْكِ يزيد، ثم لم يَصْفُ له ذلك الملْكُ الذي حرص عليه، فوَلغَ في الدماء وخاض في المنكرات، ولم يطُلْ عيشُه ومات مبغَضًا مذمومًا، يستقيم نظرُكَ إلى الدنيا، ويصحُّ عندكَ أن طلبَ الصفاءِ فيها دونَه نيْلُ الثريا، وأن مَن حاز منها شيئًا بغير حقِّهِ، لم يخْلُ من الشوائبِ والأكدارِ في الدنيا، فإن صفا له فإنَّ له في الآخرةِ عاقبةَ السوء، فهو على كلِّ الأحوال خاسرُ الصفقة.

وفي تلك الحادثة يستبين أثرُ التدقيقِ في اختيارِ الصحبةِ العاقلةِ الرشيدة التي يُشَدُّ بها الظهر وتُنال بها العزماتُ، إن حسينًا رضي الله عنه خرَج إلى العراق وهو مِن أكرَم أهل الأرضِ على أهلِ السماء، فلم يكنْ ذلك حائلًا بينه وبينه أن يخذلَه سفلَةُ النفوس الذين كتبوا إليه بالبيعة وحرَّضوه على الخروج إليهم، ثم ولَّوْه أدبارهم وتركوا نصرتَه أحوَجَ ما كان إليهم، وما بقيَ معه إلا شجعانُ أهلِ بيته وصِحابتِه الذين خرج بهم إلى العراق فغُودِرُوا جميعًا صرعى شهداءَ.

 

ويتجلى للناظر لزومُ نفاذِ البصيرةِ إلى دواخلِ النفوسِ وسبْرِ أغوارِها وإن يكُ ظاهرٌ أمرِها شيئا آخر، إن مما يُروى أن حسينًا سألَ الفرزدقَ عن أهلِ الكوفة، فقال له: قلوبهم معك، وسيوفهم مع بني أمية! وما كان حسينٌ رحمة الله عليه مغفلا ولا أحمقَ، ولكن كان يُساقُ إلى قدَرِه ويُسعى به إلى منازل السعداء الشهداء.

 

وإنَّ مِن عجائب ما يؤخذ مِن قصة الحسين، أنَّ الإنسانَ قد يعلم أن في ما يفعلُه خطرًا عليه وأنه مظنَّةُ الهلاكِ ولكنْ يدفعُهُ إليه سبْقُ القضاءِ فيه، ذُكِرَ أن بعضَهم حذَّرَ الحسينَ من الخروج وأخبره أن النبي ﷺ ذكَرَ أنه مقتول، فقال الحسين: فلا بدَّ إذن من مصرعي!.

 

وإن مما يُستلْهم من تلك القصة: أن الرجولةَ والثباتَ على المبادئ مواقفُ تُصنع لا حكايات تروى، وأن دعاوى الوقوفِ مع الحق ونصرتِه ومناهضة الجور، ما لم يُقيموا عليها بيِّناتٍ، أصحابُها أدعياءُ، وأنك ما استبانَ لكَ الرشدُ في أمرٍ ثم قمتَ فيه عازمًا متوكلًا على الله، فلا عليكَ لو خذلَك الناسُ جميعًا، وأن مِن الحقِّ ما لا يُنال إلا بذهابِ الأنفسِ، وإن لم يُنَل فقد أَعْذَرَ الإنسانُ إلى ربِّه واستفرغَ وسعَهُ.

 

ثم بعدَ هذا وذاك، ففي مصرع الحسين رسالةٌ إلى كلِّ ظالمٍ متجبِّرٍ مفسدٍ في الأرض: أنَّ لكم عند الله موعدًا لن تُخلَفوه، وهو لا بدَّ ناجِزُه، فكُلوا وتمتَّعوا قليلًا!

 

وحسْبُ حسينٍ قيامُه في نُشدَان الحقِّ والعدل، ونبذُه للظلم والجور، ورفضُه للطغيان وفسادِ الدين، وحسبُ حسينٍ أنَّ اللهَ انتصفَ له ممن قتلوه وممن خذلوه، وحسبُ حسينٍ أنه مِن أهل السعادة في الآخرة وإنْ كان لم يهنأ بعيْشِه في الدنيا، فإن مثلَ حسينٍ مُخْلَصون للآخرة، وإنَّ على مَن ينتسبُ إلى الحسين أن يفتقيَ أثرَه في الطلبِ بالحق والعدل، ورفْضِ الظلم والقهْرِ، وأن يسعى لذلك جهدَهُ، وليس عليه أن تتمَّ المقاصدُ، فحينئذٍ يتحقَّقُ الناسٌ بالحسين فعلًا، ولا يبقوا مكبَّلِين بمزاعمَ خاويةٍ ودعاوى ليس لها صورةٌ في الواقع!.

 

على الحسين بن عليٍّ سلام الله ورحمته ورضوانه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى