آراءأقلام حرة

د. أنس الرهوان يكتب: حكاية الهجرة

Latest posts by د. أنس الرهوان (see all)

*ومضة

قال سهلُ بن سعدٍ وهو يذكرُ مستنَدَهم في وضْع التاريخِ: ما عدُّوا من مبعثِ النبيِّ ﷺ ولا من وفاتِه.. ما عدُّوا إلا من هجرتِه.

~~~

*الهجرة: تاريخٌ ومستقبل

قال المقدادُ بن عمرو في غضبةٍ من غضباتِه: “لقد بُعِث النبي ﷺ على أشدِّ حالٍ بُعث عليها نبيٌّ قطُّ، في فترةٍ وجاهليةٍ، ما يرون أن دينًا أفضلُ من عبادة الأوثانِ”.. حتى بقايا الحنيفيةِ ومكارمُ الأخلاقِ التي كانت فيهم، دخلَها من العصبيَّةِ وحميَّةِ الجاهليَّة ما شانَها وأفسدَ ثمرتَها، بل إن أوضحَ معالمِ الدينِ في زمانِهم، وهو الحجُّ، مسَّهُ من العبثِ والتحريفِ ما جعلَه مناسبةً طبقيَّةً، الناسُ فيها إمَّا “حُمْسٌ”، يطوفون بالبيتِ عليهم لباسُهم، ولا يقفونَ بعرفَةَ مع الناس، ونحو ذلك من الشعائرِ المبتدَعةِ، وإما مَن سوى هؤلاءِ، الذين تلاعبَ بهم الحمْسُ حتى كان منهم مَن يطوفُ بالبيتِ عريانًا!

 

هذا غيرُ ما اخترعوهُ من الأمورِ التي يعتقدونَها دينًا وينسبونَها زورًا وكذبًا إلى أمرِ الله، وما انتقلَ عن غرضِهِ الدينيِّ إلى أن صار موضعًا للتفاخُر والتنافُسِ حميَّةً ورياءً.. تلك الحميَّةِ هي التي جعلَت أبا جهلٍ يظنُّ أن استعلانَ محمدٍ ﷺ بالنبوةِ هو من هذا الشرفِ الدنيويِّ الذي ادَّعتْه بنو عبدِ مناف، بعد أن تجاثتْ هيَ وبنو مخزومٍ على الرُّكَب، وكانا كَفَرَسَيْ رهانٍ.

~~~

 

كان سيدُنا محمدٌ ﷺ، منذُ نشأتِه الأولى حتى بلغَ أشدَّه، محفوفًا برعايةِ الله، مفطورًا على الخيرِ، محلًّى بجميل الخصالِ وكريمِ الشمائلِ، راجحَ العقلِ ذكيَّ القلبِ، صادقَ اللهجةِ عفيفَ الجوارحِ، لا يعتدُّ عليه أحدٌ من قومِه ومن غيرهم فضلًا ونُبلًا ونقاءً، وإن منهم لَساداتٍ وكُبراءَ وأشرافًا، حتى أنهم خلعوا عليه حليةً زاهيةً عُرِف بها بينهم حين سمَّوْه: الصادق الأمين.. ومَنْ تأمَّل، علمَ أن هاتين الخصلتيْنِ من جوامِعِ الخيرِ في الإنسانِ.

 

فلمَّا بعثَه اللهُ جلَّ في علاه بالنورِ المبينِ، بعد أن أسدلَ الكُفرُ والطغيانُ ستارَهما على القلوبِ، تنكَّرَ له كثيرٌ من قومِه وشنِفوا له وعادَوْهُ، ورموْه عن قوسٍ واحدةٍ، ونالَهُ وأصحابَه -ممن قبِلَتْ نفوسُهم ذلكَ النورَ السماويَّ- مِن البلاءِ والضُّرِّ ما نالهم، من أولئك الذين كانتْ نوافذُ قلوبِهم موصدةً دونَ الحقِّ، وعقولُهم مسلَسَةَ القيادِ لكلِّ خرافةٍ وباطلٍ ورثوهُ عن آبائهم وزينَتْه الشياطينُ لهم.

 

فكان رسولُ اللهِ ﷺ رابطَ الجأشِ ثابتَ القدمِ، واثقَ الخطْوِ في سبيلِ الدعوةِ إلى اللهِ وإلى دينِه، “قدْ قبِلَه بقَبولِه وتحمَّلَ منه ما تحمَّل، على رضى العبادِ وسخطِهم” كما قال محمد بن إسحاق.. وإذا ضاقَ صدرُه يومًا،ج خفَّفَ الله عنه بشيءٍ من الوحي، يثبتُه به ويذكِّرُه أن هذه سبيلُ المرسلينَ قبلَه، وأن عليهِ أن يبلِّغَ وليس له سلطانٌ على قلوبِ الناسِ، أو بآيةٍ باهرةٍ يرى فيها قدرةَ المولى عزَّ وجلَّ، ويطمئنُّ أنه نبيٌّ مرسَلٌ له مكانتُه ووجاهتُه عند ربِّه، أو بكلمةٍ حانيةٍ من زوجِهِ الوفيَّةِ المؤمنة خديجة بنت خويلد، التي كانت تعطفُ عليهِ وتشدُّ من أزرِه، وتعينُه بما تقدرُ عليه، أو بوقوفِ عمِّه أبي طالبٍ معه ذائدًا عنه ما استطاعَ، أو بأصحابِه الذين يفدُونَه بكلِّ ما يملكونَ.

 

وكان قومُهم يسومونَهم سوءَ العذابِ، ويُنزلون بهم صنوفَ النكالِ أن قالوا: ربُّنا الله، فكان منهم مَن يذهب إلى رسولِ اللهِ ﷺ شاكيًا، فيُبشِّرُه بأن العاقبةَ لهذا الدينِ.. فلمَّا ضاقَ بهم الحالُ واشتدَّ عليهم قومُهم، أذنَ لهم رسولُ الله ﷺ بالهجرةِ إلى حيثُ يجدونَ أمْنًا على أنفسهم وسعَةً في ممارسةِ شعائرِ دينِهم، الذي لا يدعو إلا إلى مكرُمة، ولا يمنع إلا مما هو سفاهةٌ في الدينِ والفطرةِ والعقلِ، لو كان أولئكَ يعقلون!

 

~~~

 

وما زال الأمرُ يشتدُّ ويزدادُ ضيقًا وعنتًا، حتى وجدَ أبو بكرٍ الصديقُ نفسَه خارجًا يريد الهجرةَ، وهو الذي كان مألِفًا لقومه محبَّبًا لهم، لكنهم حرموهُ أدنى حقوقِه: أن يعبدَ اللهَ كما يريد، وحتى خرجَ النبي ﷺ يطلبُ متنفَّسًا لدعوتِه، التي ضاقَ الخناقُ عليها في مهدها، فلما لم يجدْ طُلبَتَه، عاد ليدخلَ إلى موطنِه في جوارِ رجلٍ من الناس!، وحتى حُصرَ المسلمون في شِعب بني هاشمٍ حصارًا ظالمًا جائرًا، فبلغَ الظلمُ ذروتَه، وأصبحَ وجهُ الدنيا كالحًا قاتمًا، حتى جاء ذلك اليومُ الذي ألقتْ فيهِ يثربُ جذوةً من النورِ، فاحتضنَتْها العقبةُ الكبرى، لتكون مبعَثًا للفجرِ الجديدِ، الذي سيغمرُ العالمَ ضياهُ يومًا.

 

ستةُ رجالٍ قدموا يحالفونَ قريشًا على بني عمومتِهم، وقد أكلتْهم الحروبُ وأفنَتْ سُراتَهم وملأَهم، فعادوا بِما هو خيرٌ لهم من الدنيا وما فيها: الإسلام في قلوبهم والنور في أيمانِهم، ثم انطلقَ مصعب بنُ عميرٍ يعلمهم القرآنَ والفقه، ثم لم يزل النورُ ينسلُّ إلى قلوبِ أهل يثربَ، ويمحو ما فيها من الظلمةِ والجاهلية، حتى أصبحتْ قلوبُهم مأرزًا للإيمانِ، وغدت طيبَةُ أرضًا مباركةً، وتربةً خصبةً تقبلُ الوحيَ وتهتزُّ لهُ فرحًا وحبًّا،ج فتُنبِتُ أحلى الثمارِ وأنضرَها مرأى وأشهاها لذةً.

 

فحينئذٍ أوجبَ اللهُ على المسلمينَ الهجرةَ وأمرَهم بها، فانطلقوا مهاجرينَ بدينهم إلى اللهِ، فارِّين من بطشِ الكفار وجبروتِهم، وبقيَ رسول الله ﷺ ماضيًا في سبيلِ دعوته، متشوِّفًا للإذنِ الإلهي بالهجرةِ، حتى جاءَتِ اللحظةُ التي سيتغيَّرُ بعدها وجهُ الدهرِ إلى الأبد.. فأخبرَ أبا بكرٍ بأمرِ الله، واستصحبَه في طريقِه، وكانَ معهما عامرُ بن فهيرةَ مولى الصدِّيق، فلجَآ إلى غارِ ثورٍ، وهو فتحةٌ في جبلٍ يقعُ جنوبَ مكةَ ، ليس له كبيرُ شأنٍ يُذكَر، فلما كان حرزًا لرسولِ الله ﷺ وصاحبِِه الصدِّيق، وأمانًا لهما من الطلبِ بحفظِ اللهِ ومعيَّتِه لهما، خلدَ اللهُ ذكرَه في كتابِه المجيدِ، فهو يُذكَر في القرآنِ حتى يرفعَ اللهُ كتابه من الأرضِ!

 

ثم انطلقَا في رحلةٍ مباركةٍ، يرعاهما الله سبحانه وتعالى بعينِه ويكلؤهما بحفظه، وهُما بين أعينٍ تطلبُهما للقتلِ والتنكيلِ بهما، وبين أنفسٍ تعدُّ الأيامَ واللياليَ انتظارًا لمقدمِهما.. وخرجَ معهما دليلًا رجلٌ كافرٌ دينًا، لكنه خبيرٌ بالطريقِ.

 

 

وصل الركْبُ الأسمى في التاريخِ إلى الديارِ المباركةِ، فاستقبلَهم أهلُها مستبشرين فرحينَ، واحتفلوا بهما أيَّ احتفالٍ، كلٌّ يعرضُ عليهما المنزلَ والخدمةَ، وكلٌّ يودُّ لو يحملُهما في عينيْه، فنزلا أولَ الأمرِ في قباء، وبنوا مسجدَها، ثم انطلقَ النبي ﷺ حتى استقرتْ به راحلتُه في موضِع المسجدِ النبوي، ونزلَ عند أبي أيوب الأنصاري، لتبدأَ قصةٌ كلُّها عجبٌ ودهشةٌ.

 

~~~

 

كانت الهجرةُ انقلابًا جارفًا على الأوضاعِ البائسةِ في مكةَ، وانتقالا نوعيًّا في حياةِ المسلمينِ ودعوتِهم الخالدة، القومُ الذين طالما مُنعوا من الجهرِ بالصلواتِ في بيوتهم، همُ اليومَ يرفعونَ بيوتًا يجاهرون فيها بصلاتهم، وينعمونَ بوارفِ الأمنِ على دينهم وأرواحهم.. القوم الذين تألَّبَ عليهم أهلُهم وعشيرتُهم وأذاقوهم ألوانَ التعذيبِ، هم الآن بينَ أذرُعٍ رحبةٍ وصدورٍ حانيةٍ، وبيوتٍ لطيفةٍ وأخلاقٍ رفيعة.. القومُ الذين كان الواحدُ منهم تمنعُه أمُّه الطعامَ والشرابَ، أصبحتْ لهم الآن حريةٌ ودولةٌ وسلطانٌ، وقوةٌ ومنَعةٌ، وصاروا يعقدونَ المعاهداتِ ويبنونَ الأواصرِ، ويقومونَ بواجبِ الدعوةِ ونصرتِها غيرَ عابئينَ بِمن خالفهم وعاداهم.

 

حتى خطابُ الوحي ونمطُ التشريعِ تغيَّرَ بصورةٍ ما، فالشرائع المجمَلةُ فُصِّلتْ، والقبلةُ حُوِّلت، والصيامُ وزكاة الفطر والأنصبةِ فُرضَت، والخطابُ توجه إلى المؤمنين تشريعًا وتنبيها وتوجيها لهم إلى الفضائل والكمالات، وإلى أهل الكتاب توبيخًا وتقريعا وأمرا لهم بالتزامِ ما في كتُبهم من الإيمان بالنبي المعلومِ عندهم، ثم إلى المنافقينَ فضحًا وإشهارًا وتحذيرًا للمؤمنينَ منهم، بعد أن كان كثيرٌ منه موجها إلى كفارِ مكةَ دعوةً وتبيانًا وتعريةً لِكفرهم وضلالِهم.

 

والجهادُ أصبحَ فرضًا محتومًا، بعد أن كان المسلمونَ مأمورينَ بالكفِّ والإمساكِ فصاروا ذوي دولةٍ وقوةٍ، وبدأتِ السرايا تُرسَل والألويةُ تُعقَدُ، وقامتِ المعاركُ الكبرى الخوالدُ، وكان المسلمونَ يُنصرون يومًا ويُدالُ عليهم آخرَ، حتى كانت هدنةُ الحديبيةِ، التي كانت قلبًا لِموازينِ القوى، فالمسلمونَ في سعة من أمر دعوتهم وجهادهم، وساحةُ القتالِ تغيرَتْ لتصبحَ مكةُ في الهامشِ مقابلَ أهلِ الكتابِ في خيبرَ ثم مؤتةَ، والإسلامُ يأخذُ مواضعَه في القلوبِ، والكفرُ ينحسرُ شيئًا فشيئا، والرسولُ ﷺ يبعثُ الكتبَ إلى الملوكِ يدعوهم إلى دينِه، بعد ما كانوا هم الحاكمينَ على البلادِ بسلطانِهم ودياناتهم.. حتى كان الفتحُ الأعظمُ وما بعدَه من مغازٍ، ثم انطلقَ المسلمونَ إلى تبوك مجاهدين، ثم أقبلَ الناسُ إلى الدين أفواجًا.

 

ثم كانت حجةُ الوداعِ، إحدى أعظمِ تمثُّلاتِ التحوِّلِ في التاريخ وحياةِ أهل جزيرةِ العرب واعتقاداتهم في العهدِ النبوي، إن لم تكنِ العظمى، فكثيرٌ منهم من تلك القبائلِ أصبحوا في ركابِهِ حجاجًّا مقتدين بمناسكِه مهتدينَ بِهَديِه، متبعين شريعَتَه، فحينئذٍ تتامَّ الدينُ واكتملتِ النعمةُ الكبرى، وعادتِ الجزيرةُ منارةَ هدًى ومشعلَ نورٍ تُضاءُ به الدنيا، بعدَ أن غرِقتْ في لُجَج الكفر والشرك عقودًا طويلة من الزمانِ، وانتشرَ ذلكَ النورُ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها على امتدادِ الدهورِ المتطاولةِ.

 

~~~

 

وذاك مِن آثارِ الهجرة المباركة، التي خرجَ بها المسلمونَ من الضعفِ والإذلال إلى المنَعة والشوكة، والتي فُرض في أعقابِها الجهادُ العظيمُ بمطالبِه وأخلاقِه العاليةِ، وغاياتِه وأهدافِه الساميةِ، وما استتبَعَه من رخصةِ اللهِ في أمورٍ بقيتْ منفعتُها إلى يومِ الناسِ هذا.. وكان من ثمراتِها الشريفة الدخولُ في وَلاية اللهِ وولاية المؤمنين، وعِظمُ أجرِ المهاجرينَ، وأمنُهم على دينهم وحياتهم وكرامتِهم، وحصولُ الأجرِ لهم حتى لمن ماتَ أثناءَ هجرته، بل لو لم يكنْ من عظمتِها إلا أن رسول الله ﷺ دعا لأصحابه قائلا: “اللهم أمضِ لأصحابي هجرتَهم ولا تردَّهم على أعقابهم”، وقال عن رجل من أصحابه: البائس، لأنه مات بمكةَ بعد هجرته منها، لكفى بذلك مكانةً للهجرة!

 

ومن يقرأِ التاريخَ يجدْ أن الهجرةَ منذُ انطلاقها في عصرِ النبوة وبامتداد الأزمانِ، كانت من أظهرِ الأسبابِ التي تغيَّرَ بها وجهُ العالمِ، وأن مَن قدرِ على مغالبةِ حبه لوطنه والهجرةِ منه لتحصيلِ ما هو أنفعُ له في دينِه ودنياه، ونفعِ الناسِ بما عندهُ من علمٍ ودعوةٍ وموهبةٍ وفكرٍ، والاستفادةِ منهم في الخيرِ، بنيةٍ صادقةٍ وعزيمةٍ قوية، فهُو قادرٌ على أن يقلبَ الموازينَ ويَبهرَ العقولَ بِمنجَزاتِه وإسهامِه في نهضةِ أمته ودأبِه في تحريكِ عجلةِ الحياةِ.

 

~~~

 

*لفتة

 

 

أمنٌ في غربةٍ، خيرٌ من مهانةٍ في وطنٍ، وكلُّ أرضٍ تجد فيها الطمأنينةَ والكرامةَ فهي الوطنُ.

 

~~~

 

*خاتمة

 

 

«لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى