آراءمقالات

البر بالأجداد كالبر بالآباء

د. أحمد زايد
Latest posts by د. أحمد زايد (see all)

في حكم البر بالأجداد وبيان كونه فرضا كالبر بالآباء.

وموقف الأبناء من أباء وأجداد سيئي الخلق.

وردت إلى أسئلة من بعض الشباب خلاصتها: أنهم يعانون من آباء أو أجداد، أو أمهات أو جدات سيئي المعاملة بصورة لا تطاق، ويتساءلون: ما العمل وقد أمرنا الله تعالى بالبر بهم والإحسان إليهم؟ نحن بشر لنا طاقة فهل مع كل هذه القسوة والاضطهاد أحيانا وسوء المعاملة ينبغي علينا أن نحبهم، وقد صرح بعض هؤلاء الشباب والفتيات ببغض الأب وبعضهم صرح ببغض الأم أو الجد أو الجدة بسبب استمرار سوء المعاملة، وهم شباب طيب ملتزم يؤرقه حاله، فهو لا يستطيع أن يكون طبيعيا معهم لهذه الأسباب وفي نفس الوقت يخاف من الله لأنه يرى نفسه مقصرا في حقهم وحبهم

 

وأقول مستعينا بالله تعالى:

 

يطلق لفظ الوالدين في الشرع ويراد به الوالدان المباشران (الأم والأب)، كما يراد بهما( الجد والجدة)، وكلهم أُمرَ المسلم والمسلمة ببرهم والإحسان إليهم، وعند التزاحم والتعارض يقدم المباشران على الأجداد من حيث كون المباشرين هما السبب القريب لوجود الشخص بقدرة الله عز وجل وإذنه، لهذا أمر الله تعالى ببرهما وجعل حقهما بعد حقه تعالى فقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ ِحْسَانًا} الإسراء:23، وعند تزاحم بر الأب مع بر الأم نقدم بر الأم على بر الأب ثم الأدنى فالأدنى من الجدات والأجداد..

فقد رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، (من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك)

 

ولا يخفى على المسلمين بر الوالدين المباشرين لوضوح الأدلة وكثرتها، وكثرة التنبيه على برهما بهذه الأدلة من الدعاة والوعاظ، ولكن الذي يخفى هو حكم بر الأجداد مما يقتضي بيان حكم بر الأجداد والجدات قبل أن نقدم النصيحة لأبنائنا وبناتنا.

 

حكم بر الأجداد والجدات:

 

حكى الإمامان ابن المنذر وابن حزم الإجماع على فرضية بر الأجداد والجدات، وعلى رأيهما أكثر العلماء.

 

قال ابن المنذر: «والأجداد آباء، والجدات أمهات، فلا يغزو المرء إلا بإذنهم، ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة، وسائر القرابات». اهـ.

 

وقال ابن حزم في كتاب الإجماع: «اتفقوا على أن بر الوالدين فرض، واتفقوا على أن بر الجد فرض». اهـ.

 

وقد أورد النووي ترتيب البر بالأقربين فقال في شرح مسلم: «وَتَرَدَّدَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْأَجْدَادِ وَالْإِخْوَةِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ تُقَدَّمَ فِي الْبِرِّ الْأُمُّ ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْأَوْلَادُ ثُمَّ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ ثُمَّ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ ثُمَّ سَائِرُ الْمَحَارِمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ».

 

ومما سبق نعلم أن بر الأجداد فرض ينبغي أن يتعلمه الأبناء ليجمعوا بين بر آبائهم وأمهاتهم وبر أجدادهم وجداتهم، وقد لاحظت تقصيرا فعليا في حالات كثيرة من الأبناء في بر هؤلاء الكبار لظن الكثير أن البر قاصر على الوالدين فقط، وواجب الوالدين أن يعلموا أبناءهم تلك الفريضة.

 

هل حب الوالدين فرض كبرِّهما؟

 

قرر القرآن الكريم أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولم يكلف المرء إلا بالمستطاع، ولن يحاسب إلى على ذلك.

 

والإنسان مع والديه على أحوال:

 

– محب بار.

 

– بار غير محب.

 

– غير بار وغير محب.

 

ولا يتصور الصنف الرابع أن يكون محبا غير بار، لأنه سيكون حينئذ دعوى كاذبة بلا دليل.

 

والحب له أسبابه ومقدماته التي بها يتحقق وينمو، وله أسبابه التي بها يزول وينمحي.

 

والأصل في الوالدين الشفقة والرحمة والإحسان والرعاية للأبناء، وهم بمثل ذلك يحبون قطعا ولا يكرههما بعد ذلك إلا ولد جاف المشاعر قاس القلب.

 

وقد يشذ بعض الآباء والأمهات والأجداد والجدات فيكون قاسيا بل مجرما أحيانا، وهذا هو محل سؤال الشباب، حيث سألوا عما يفعلون مع مثل هذا الصنف؟

 

والجواب:

 

أن الأبناء ليسوا مكلفين بحب هؤلاء القساة وإن كانوا آباء أو أجدادا، فالحب لا يحصل بضغطة زر، ولا يملك الإنسان قلبه ولا يتحكم فيه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعبر عن ذلك تجاه نسائه كما تقول عائشة: «أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقسِمُ بين نسائهِ فيعدلُ ويقولُ: اللَّهمَّ هذا قَسمي فيما أملِكُ ، فلا تلُمْني فيما تملِكُ ولا أملِكُ».

 

فما يملكه هو القسمة المادية من النفقة والمبيت وقد حققها باعتبارها حقا للآخرين يجب الوفاء به، وما لا يملكه هو المشاعر والحب.

 

وهنا كذلك ما يملكه الشاب والفتاة تجاه أبوين قاسيين أو جدين قاسيين هو البر والإحسان والمعاملة بالحسنى في مقابلة إساءة هؤلاء، ولا ارتباط بين الحب وبين البر والإحسان.

 

ففي مثل الحالات المذكورة على الأبناء مهما كانت أخلاق آبائهم وأجدادهم أن يكونوا بارين بهم محسنين إليهم وإن لم يستطيعوا أن يحبوهم، وهذا أمر ينبغي المجاهدة في تحقيقه لصعوبته على النفس إذ النفس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.

 

قال ابن عابدين في حاشيته مبينا موقف الأولاد تجاه الأبوين إن كانوا على معصية : «إذا رأى منكرًا من والديه يأمرهما مرة، فإن قبلا فبها، وإن كرها سكت عنهما، واشتغل بالدعاء، والاستغفار لهما، فإن الله تعالى يكفيه ما أهمه من أمرهما». اهـ.

 

ونسال الله الهداية للجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى