آراءبحوث ودراسات

د. أحمد المطروحي يكتب: محاولة لتفسير القرآن

Latest posts by د. أحمد المطروحي (see all)

منذ زمن وأنا أنوي وضع تفسير واقعي معاصر للقرآن الكريم يرسم الواقع المعاش، ويوضح مدى تأثر البشرية ـ على أرض الله ـ بمنهج الله.. ومن ثم يحدد مكان المسلمين من منهج ربهم، وعلى أي مدى ومسافة هم من كتابهم ـ أفرادًا وأسرًا ومجتمعًا ـ وبناء على ذلك يكون تحديد مكانتهم بين غيرهم من الأمم في جميع مناحي حياتهم، وليكون هذا التفسير محددًا لما ينبغي عمله والقيام به، فيما يستقبل من الزمن والأحداث، فيتخذ عدة ينطلق منه وبه ساسة المسلمين، وزادًا لعلماء الأمة في مختلف الميادين، وعونًا للداعية والخطيب، والمؤدِّب والأديب، والمُنَظِّرِ الأريب، والمعلم والمتعلم النجيب، وللكاتب المسدد والإعلامي المهيب؛ ذلك لأنهم حملة المنهج وناصروه، والمروجون له وناشروه، والذائدون عنه كلما افترى عليه شانئوه . ولكنني وجدتني كلما هممت أحجمت، ريثما تكتمل الصورة وتتضح الفكرة، وخاصة أنني قد هالني ما تركه علماؤنا من تراث متنوع من كتب التفسير، فأنَّى لطويلب مثلي أن يشرئب بعنقه لمثل هذا بعد هؤلاء، غير أن الحاجة لتفسيرٍ هذا شأنه ملحةٌ في زماننا وما يتلوه، والكمال صفة إلهية ليس للبشر إليها من سبيل.

فحزمت أمري وعزمت واستخرت الله تعالى فلا حسب ولا حول ولا قوة ولا خيرة لي من دونه – فما استخرته في أمور الدنيا إلا اصطفى لي خيرها، فكيف إذا كان الأمرُ قرآنَهُ، المتضمنَ رسالتَهُ إلى العالمين وشرعتَهُ ومنهاجَهُ المبين – وما حملني على ذلك إلا أن زماننا جد فيه ما لم يكن فيما سلف من هزيمة وانكسار، ونقص في أرجائه وانحسار، وشعور بالدونية وانحدار، وتمرد على القيم وتراث سلفنا الأخيار، وانسلاخ من كتاب الله وتعاليم نبيه المختار، وليِّ لأعناق النصوص وغيّ، وغلط ولغط، وانحلال وتحريف وتدليس وزيادة ونقصان زعموا أنه اختصار؛ جهلًا أو خطأ أو عمدًا – سواء من المستشرقين من الصهاينة والماسون والصليبيين الكفار، أم من أذنابهم من الليبراليين والعلمانيين والملاحدة الفجار، عربًا وعجمًا – فتجاسر كثير من هؤلاء على الخوض في آيات الله العزيز القهار، وتفسير القرآن بغير علم ولا هدى، ولا أدنى إمكانات أو أدوات أو مستند من الأخبار؛ ليؤصلوا لمنهج حداثي جديد في التفسير، زعموه عقليًا وما هو إلا (ليًا بألسنتهم وطعنًا في الدين)، بحجة تطبيق نظريات زعموا كذبًا أنها من مبتكرات الغرب مثل: (البنيوية التفكيكية) وهي نظريات علمية لعلماء مسلمين سبقوا إليها وطبقوها، لا على القرآن بل على العلوم التطبيقية المعملية والمنطقية كابن الهيثم والخوارزمي والمناطقة المسلمين وخلاصتها في قول الخوارزمي : ” وإني لأعمد إلى الكليات فأردها إلى جزئياتها ثم أدرس كل جزئية على حدة ثم أبحث العلاقات بين هذه الجزئيات لأعيد تركيبها “وزعم بعض المتجاسرين أنهما نظريتان “التفكيكية” و”البنيوية”، وما هي إلا نظرية واحدة غايتها: تفكيك المادة إلى أجزاء لدراستها دراسة جديدة دقيقة، ثم دراسة علاقات هذه الأجزاء وربطها بما يناسبها، ثم إعادتها في بناء جديد متناسق متماسك متآلف.

غير أن آفة هؤلاء الخائضين في كتاب الله أنهم لا يملكون من علوم الوسائل ما يعينهم على فهم علوم الغايات، ولو أن أحدهم أراد دراسة علوم الغرب أو الشرق؛ لسارع إلي تعلم اللغة الأجنبية، لأنها وسيلة إلى تعلم ما طلبوه من علم، بينما هم لا يملكون من لغة القرآن ما يعينهم على فهم دقائقه ومراميه، ودلالات لفظه ومعانيه، وتراكيبه اللغوية وأسرار بلاغة مبانيه، وجهلوه صوتًا وتصاريف بنيوية وحصيلة لفظية معجمية، ونحوًا، وأضربًا ودروبًا بلاغية، فضلًا عن جهلهم ببقية علوم الوسائل مثل علم القراءات، وما تثريه كل قراءة للقرآن من تنوع في الأصوات والأبنية وما يترتب على ذلك من تنوع في الدلالات والمعاني والأحكام.

وعندما رأى بادي الرأي منهم تفسير اللفظ بأكثر من لفظ لإيضاح المعنى وتجلية المراد، ظن ذلك ترادفًا وليس ثمَّ ترادف، إنما هي صور وجزئيات لمعنى اللفظة القرآنية ذات معان مختلفة باختلاف ألفاظها؛ جيء بها تقريبًا للمعنى واستقصاء لما يمكن أن يدل على المراد من الألفاظ . كما ظنوا أن كل اختلاف بين المفسرين إنما هو اختلاف تضاد وتناقض وتضارب، وجهلوا أو تجاهلوا وجود أنواع اختلافات أخرى، وشبه اختلافات يقرها المنطق؛ مثل اختلاف التنوع، واختلاف التكامل، كما ضاقت آفاقهم بأنواع التفاسير، فلم يدركوا أن كلام الله إنما يفسره كلام الله، فهو سبحانه أعلم بمراده، فإن لم يُدرَك، فليُلتَمَس المعنى أو التفصيل أو الإطلاق أو التقييد أو التخصيص أو التعميم أو غير ذلك في كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو وحي كما أن القرآن وحي (إن هو إلا وحي يوحى)، (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم..) (النحل :97) غير أن حديثه صلى الله عليه وسلم لا يتعبد بتلاوته، فإن عز الفهم لاذ المفسر إلى علماء الصحابة؛ فهم من عاصروا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وفهموا عنه تفاصيلَ الرسالة ومقاصدَ الوحي، وإلا لجأ المفسر إلي إجماع المجتهدين من المفسرين الراسخين في العلم، الذين يستنبطون معانيَه ودلالاتِهِ بما أوتوا من وسائلَ وأدواتِ فهمِهِ؛ أولئك هم أهل الذكر.

وهؤلاء العلماء -في كل مجال، لا يخلو منهم عصر، وإن لم يوجدوا في كل مصر- عكفوا كلٌّ في مجاله، فكان التفسير اللغوي والتفسير البلاغي إبرازًا لمواطن الإعجاز.

وكلما نبغ الناس في مجال من مجالات العلوم الحديثة، قيض الله من العلماء من يعكف على استنباط مواطن الإعجاز القرآني في هذا المجال؛ ليثبت ويزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويدخل آخرون في دين الله فرادى وأفواجًا.

كما تعددت الفرق والجماعات وتنوعت المراجع والمرجعيات تبعًا لهذا الانقسام، واشرأبت رؤوس الإلحاد في آيات الله وتحريف الكلم عن مواضعه، عقيدة وشريعة وعبادة ومعاملة وآدابًا، كل ذلك على حين غيبة لمن يسوس الأمة ويلم شعثها، ويحفظ لها حقها في إدارة حركة حياتها، وفق منهج ربها الذي ارتضاه لها. فراجت سوق التكفير والإرجاء والقدرية، والقرآنيين الذين أنكروا السنة وتنكروا للعمل بها، كما برز الاعتزال بأسوأ من صورته الأولى؛ ليتخذه الملاحدة مطية للعبث بكتاب الله وسنة نبيه بحجة إعمال العقل ولو في صلب النص، المحكم منه والمتشابه.

لذلك كله أَرَّقَتْ مضجعي ضرورةُ وضع تفسير للمنهج؛ ليكون مثابة وسارية للسائرين عسى أن يضيء للحيارى في ظلمات بحار الضلالة المعاصرة متلاطمة الأمواج. فوجدتني أنشئ ناشئة هي أشد وطئًا لأقوم قيل، إنه كلام الله وصفة من صفاته؛ فليس كمثله كلام، كما أن الله ليس كمثله شيء، (فمن أصدق من الله قيلًا)، (ومن أحسن من الله حديثًا) ( الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) (الزمر:23) فقد فصلت آيات القرآن معاني أسماء الله وصفاته الحسنى المتنوعة، فوجدت الله بصفات الجلال والكمال والجمال . ووقفت على ضفاف قوله تعالى : ( إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا ) (سورة المزمل:5) وماسبقها من استنهاض لهمة الأمة في خطاب لشخص النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأمر الملزم (قم) قم فاستجمع مدارك اليقين لديك، وارتق في مدارج أولي العزم والحزم فبهداهم اقتده . (قم) ورتل كلمات الله، ولا تعجل بالقرآن وتحرك به لسانك خشية نسيانه، فلا عليك فقد تولى الله جمعه في قلبك وإقرائك إياه وبيانه لك ولأمتك، ماعليك إلا الوقوف على مراداته ومعانيه وغاياته خاشعًا خاضعاً عاملًا بتوجيهاته (قم) فلابد من تهيئتك وإعدادك لتحمل ما يلقى على كاهلك، لتثبت أمام عقبات الطريق الذي رغم ثقله وطوله إلا أنه لاشيء يوصل غيره مع أنه درب طويل … درب طويل شائك أوشبه درب مستحيل (قم) ولا تجزع لما هالك من نزول الوحي، فما بعده أعظم، (قم) في هدأة الليل وأنس بربك، فلن يثبتك ويعينك على شدائد المسير إلا خلواتك مع الله، وإطالة القيام بين يديه وتحمل وطأة وثقل قيام الليل، (قم) لـ (أنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا) في التحمل والأداء، (ثقيلًا) في أعبائه وتبعات الدعوة إليه، ومواجهة المعرضين الصادين عنه، وعثرات الطريق الذين يحولون دون وصوله ناصعًا واضحًا للعالمين، فلا أثقل من إفك المرجفين المشوهين لك ولدعوتك ولكتابك، خشية أن ينفرط عقد الأتباع وينفضوا من حولهم إليك، أو يفقدوا مناصب الطغيان وكراسي الاستخفاف، أو ينقطع عنهم ما يسلبونه من أقوات ومقدرات المستضعفين -قوة وفكرًا- إنهم يخشون وصول المنهج إلى الناس بحقائقه ودقائقه، إلا أنهم لا مانع لديهم من أن يصل الدين إلى الناس ولكن بالصورة التي يريدونها هم، صورة منهج مهترئ، تشخصه كتاباتهم ومسلسلاتهم وأفلامهم التاريخية المشوهة للدين المزورة للتاريخ، إنهم يرضون لك بقصاصات فرعية من الدين تتوافق والمجتمع القائم، لا صلة لها بإدارة الحياة، فتُساسُ ولا تَسوسُ وتُحْكَمُ ولا تَحْكُمُ، يريدونه منهجًا لا يأبه بالعقيدة ولا يرفع رأسًأ بالشريعة ويتنكرلأصول الدين (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه؛ لعلكم تغلبون) بل ويُثَبِّتُون ويُصَبِّرُون الغوغاء على معبوداتهم الحجرية كتحجر عقولهم وقلوبهم (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ) (ص:7) إنه الشعور بالخطر في محاولة لتعبيد القوم لآلهتهم، ورد الأنعام إلى حظيرتهم، لئلا ترتقي إلى الآدمية وإعمال العقل، فكيف للسفلة أن تخرج عن طاعة علية القوم وكبرائهم، إنها قاصمة الظهر، لقد بدأ الأتباع في سماع الحق إنهم يستعيدون عقولهم شيئًا فشيئًا فبعد أن كان الخطاب : (من أنتم ؟) لأنهم في نظرهم أن الشعوب لا تمثل شيئًا من عقل وليس لها أية حقوق، بل عليها واجبات الطاعة والانقياد ولا عليهم بعد، ولكن العقل يهتف بحامله؛ فانسل بعض الأتباع ليستمعوا، وبدأت بوادر الإقناع والاستجابة والتذمر والتفلت، فتغير خطاب السادة لمخاطبة عقولهم، تُصَبِّرُ وتُثِبِّتُ الأتباعَ، وتقنعهم أن تفريق جماعتكم ونبذكم آلهتكم واحتقار سادتكم وشرفاءكم، ونبذكم ما خلفه لكم الآباء من عادات وتقاليد وقوانين لاينبغي أن تهجروها، عودوا فهذا أمر دُبِّرَ بليلٍ، عودوا وستنالون حقوقكم، عودوا الآن أنا فهمتكم!

ولو أن المستضعفين لانوا لمواعيد عرقوب، وركنوا إلى الذين ظلموا، وردوا إلى حظيرة الباطل؛ لعاد عليتهم لطغيانهم وبغيهم واستضعافهم لأسوأ مما كانوا عليه؛ فمستهم منهم في الدنيا نار الذل والصغار، وفي الآخرة عذاب النار . وحرصًا على ترسيخ المفهوم الحقيقي لهذا الدين، ووسائل التمكين له، والأخذ بيد المستضعفين حكمًا وفكرًا والارتقاء بالأمة لتأخذ الكتاب كله لا كما أريد لها ممن جعلوا القرآن عضين وفقًا لأهوائهم ومناهجهم، فكان لزامًا أن يؤخذ الكتاب الذي استلب بقوة، وأن ينتشر ويطبق في حماية قوة (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ذلك بأن الإعداد الإيماني وتدارس المنهج وتفهمه؛ للوقوف على مفاتيح القلوب مختلفة المشارب والأهواء، هو التهيئة التي أرادها الله لأنبيائه وأتباعهم، والمحرك الأول والمحفز الأوحد والضمانة الكبرى للثبات حتى النصر والتمكين، فنصر الله وتأييده إنما يستنزل بالصلاة والاستغفار والذكر والتسبيح والإلحاح بجوامع الدعوات وسكب العبرات لنيل معية الله الخاصة بصفوة عباده للانطلاق إلى دنيا الناس لتحقيق الغاية الكبرى وهي تعبيد العباد لله والتمكين لمنهجه لإدارة حركة الحياة وإعمار أرض الله؛ إذ هو مالكها ويورثها من يشاء من عباده العاملين المصرين على التغيير والارتقاء بإنسانية الإنسان؛ ليحيا حياة آدميَّة طيبة لينقلب إلى ما أعده الله له من نعيم الآخرة (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (النحل:97) إنه وَعْدُ اللهِ . (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا؛ يعبدونني لا يشركون بي شيئًاومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).

لذا جاء بعدها الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والانقياد لمصدر التشريع ومبلغه صلى الله عليه وسلم؛ ليتحقق الفلاح بالتمكين في الدنيا ومقعد صدق عند مليك مقتدر في الآخرة (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) (النور:55،56) .

راجيًا أن أبرز أحداث الواقع ووقائع زماننا وأن أظهر مفردات الأفكار الموالية والمعادية في الداخل، وإخوانهم الذين يمدونهم في الخارج، شاخصة صورهم بكامل أطرها وأبعادها ودوافعها وأهدافها الحقيقية تجاه الإسلام والمسلمين .

والغاية الله وإليه المنتهى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى