بحوث ودراسات

د. أبو يعرب المرزوقي يكتب: نتائج الثانوية العامة.. أين الخلل؟

من العسير أن يصدق المرء أن ما حل بالنخب العربية وأوضاع العرب من خلل ناتج عن خاصية عرقية

أو حتى ثقافية ذاتية لتاريخهم. يوجد داء يحتاج إلى أن نكتشفه وأن نعلن عنه بكامل الصراحة.

ولهذا الأمر علاقة بما طرأ على نظام الانتخاب في التربية

وفي توظيف مخرجاتها في قسمة العمل الجماعي سواء كان العمل متعلقا بالتموين المادي (الاقتصاد) أو الروحي (الثقافة).

ذلك هو الداء الذي أصاب العرب خاصة من بين كل المسلمين الذين بدأوا يتعافون مقابل مواصلة العرب -اقصد كل التابعين للجامعة- في الانحدار الدائم.

بحيث إن النهوض صار في الحقيقة غرقا في انحطاط جديد تصوروه علاجا للانحطاط القديم:

لم يأخذوا من التحديث إلا مدلوله الاستعماري المتعامل مع الأنديجان أي استبدال تراث بتراث وتحويل المعركة إلى حرب على الذات.

وقد سبق فتكلمت على ماضي الانتخاب في نظام التربية وفي نظام العمل في بدايات الاستقلال لكان كلامي قابلا للتأويل:

 إما بالـ«كنتية» التي عادة ما تغلب من يصلون في العمر إلى عمري فيصبح الماضي دائما أفضل من الحاضر ومن المستقبل.

أو بالتبعية الثقافية المباشرة التي تضاءلت مفعولها بتضاؤل حضور الإطار الفرنسي في المدرسة الحديثة.

وطبعا فلا يمكن أن يكون ذلك كافيا لتعليل الحكم على ما آل إليه امر التربية وأمر العمل المعتمد على خريجيها لأن النتائج التي نراها بالعين المجردة لا يوجد من يجادل فيها

خاصة إذا فهم علة ما يعلل هجرة أفضل الخريجين وسيطرة الحثالة من الباقين في الوظائف والعمالة. +لذلك فالتربية لم يعد لها فعليا دور الانتخاب الأول للأهلية فيهما ما دامتا غنيتين عنها.

فليس بالصدفة أن يختار المستعمر أفضل الخرجين فيغويهم وأكثر المتحيلين فيعيدهم لحيكم البلاد بهم فيستفيد من النوعين العبقري في الخير أو في الشر.

رؤية أفلاطون للتربية

كتبت ذات مرة محاولة في رؤية أفلاطون للتربية بمعناها الشامل أي العضوي والفكري بوصفها الغربال التأهيلي.

 لتصنيف المواطنين وتحديد الأدوار في العمل الجماعي بأصنافه الثلاثة في رؤيته لمعادن البشر.

طبعا لم يعد أحد مقتنع بهذه النظرية من حيث وحدانية الغربال وثلاثية الوظائف لكن الجمع لا يجادل في أمرين كذلك:

الحاجة إلى غربال ينتخب بمعيار الأهلية للأعمال والوظائف في الجماعة السوية اي التي تسد حاجاتها باستفادة الخلف من خبرة السلف.

بحسب أصناف المهن والوظائف الضرورية للجماعة معيارا يحدد أصناف التكوين للأجيال خلال تطور نظام قسمة العمل فيها.

وهذا هو القصد بنظام الانتخاب خلال تمرير خبرة السلف للخلف في المجالات التي تتراكم فيها الخبرة لعلاج مشكلات العمل الذي يسد حاجات الجماعة:

في تعاملها مع الطبيعة لسد حاجاتها المادية وأهمها الاقتصاد والبيئة الطبيعية التقنية.

وفـي تعاملها مع التاريخ لسد حاجاتها الروحية وأهما الثقافة والبيئة التاريخية والخلقية.

وهذان هما بعدا الانتخاب الذي إذا اختل انهارت المجتمعات:

فإذا كان تكوين الأجيال مغشوشا لأنه غير خاضع لمعايير مستمدة من النجاح في تحصيل الخبرة التي تراكمت مع القدرة على تنميتها وتعديلها.

وإذا كان توظيف الأجيال مغشوشا لأنه غير خاضع لمعايير مستمدة من إثبات النجاح في تحصيل الخبرة التي تراكمت مع القدرة على تنميتها وتعديلها.

صارت الجماعة في تنازل دائم نحو الانحطاط التام في القدرة على سد الحاجات المادية والروحية

وتصبح أشبه بمكينة تمخض الرغاوي وتلك هي حال المجتمعات العربية في الجملة وليس تونس وحدها.

لما أسمع بأن نجاح البنات أكثر من نجاح الأولاد فإن الظاهرة يمكن في حدود معينة أن تفسر

بأن البنات ما زلن أكثر قربا من معايير الآباء بحيث يمكن اعتبارهن يعملن أكثر من الاولاد العاصين للآباء.

النجاح ليس بالاجتهاد بل الفساد

لكن إذا بلغ الحد ما يذكر عما يجري في تونس -ولا اعتقد أن ذلك خاص بها بل اذكرها لعلمي بنظامها الجامعي أكثر من أنظمة بقية العرب-فإني أشك في صحة الخبر.

وأعلل النجاح ليس بالاجتهاد بل الفساد الذي لا ينكره من يتجاهل استغلال السلطة والجنس فضلا عن المال في إسناد النتائج والشهادات.

وأكثر من ذلك فإن الأولاد أنفسهم اغلب الناجحين ممن لم يتعلموا شيئا -«وكركروا» سنوات مثل مفكر الدمية- هم من صنفين:

إما صبابة للفاسدين من المربين:

فما اعلمه شخصيا هو أن الكثير ممن يحبوني كثيرا كان لهم مخبرون في ساعات دروسي، فيضمنون بذلك النجاح والعكس صحيح أي إن من يرفض قد يضمن الرسوب.

 أو صبابة للأجهزة الأمنية.

ومن يجادل في ذلك من دون أن يجادل في الظاهرتين التاليتين لا يعتد برأيه:

فأما الأولى

فإن بعض الأساتذة «الواصلين» سياسيا أو نقابيا لا يكاد يكون عملهم التعليمي إلا اسميا

إذ حضورهم رمزي وامتحاناتهم «تفرق اللحم بالوجوه»: واعتقد أن ظاهرة معاقبة المحجبات هي من هذا الجنس.

وأما الثانية،

وهي أخطر، فإن إصلاحات التعليم بكل مستوياته جعلت كلها للقضاء على عناصر التكوين السليم،

بمقابلات دالة على الجهل المطلق بشروط تحصل الخبرة في أي مجال شرطا في تنميتها.

ولمعرفة ذلك يكفي ملاحظة ما يلي:

بدأوا بالقول لا حاجة لتعليم الخط: بحيث إن أول علامة على سوء التحصيل فساد الكتابة والرسم في كل مستويات التعليم

ثم ثنوا بالقول الحفظ معاد للفكر وهي نصف حقيقة لأن الحقيقة هي الاقتصار عليه هو المعادي للفكر لكن الفكر من دونه هراء.

فليس البديل من الرأس الملآنة الرأس الفارغة وخاصة في تعلم اللغات والفنون التي لا يعمل فيها الفكر من دون خزن الخبرة السابقة في الذهن حتى يعمل.

هذا من حيث المضمون أما من حيث المناهج والقيم فإن الزعم بأن العبقرية هي في التفرد المعرفي والتفرد القيمي

هو العلة الأساسية في الفوضى المنهجية والقيمية في كل الإبداعات الإنسانية: صار فيض الخاطر فكرا و«التخلبيز» فنا.

فالإبداع هو من ينتأ على أرضية الخبرة العامة. فإذا خابت الخبرة العامة في العادات المنهجية وفي العادات القيمية استحال الإبداع:

 فمن لا عمارة له لا يمكن أن يكون مهندسا معماريا لأن الإبداع في الهندسة المعمارية هو ما ينتأ على تراكم الخبرة المعمارية.

ومن لا شعر له لا يمكن أن يكون شاعرا لأن الإبداع في الشعر هو ما ينتأ على تراكم الخبرة الشاعرية.

وقس عليه كل الفنون الجمالية والعادات التعايشية بين البشر.

تهديم التراث ليس إبداعا

والغريب أن تهديم التراث الذي يسمى تحديثا ليس إبداعا أصلا لأنه استعادة عن تراث بتراث لعله دونه قيمة.

فتتحول المدرسة والتربية إلى صراع بين نموذجين أحدهم حي عند أصحابه، يقتل به الثاني،

الذي كان يمكن أن يستأنف الحياة عند أصحابه لو فهموا أو التربية مثل البناء لا يكون من دون ضرب العروق في التراث وذلك هو العامل المشترك بين الثقافة والزراعة.

صارت المدرسة وكأنها ساحة حرب ليس هدف المربين التكوين الذي يبني على الموجود بانتهاء القدرة الإبداعية فيه

وتكوين الشباب لحيازتها بل الحرب على تراث يجهلونه بتراث هم أكثر جهلا به من الأول.

فأغلب المتكلمين على الشعر الحديث مثلا أميون أو يكادون.

ولعل أبرزهم شاعران يعتبران كبيرين وهما لو كان المتنبي حيا لاعتبرهم متطفلين

لأن شعرهما شعارات سياسية وسرقات أدبية وحكم شعبية لا علاقة لها بالفن الشعري لا العربي ولا اليوناني.

ولا خاصة الأوروبي الذي يحاكيانه ببلادة لا نظير له وكم يضحكني شعر هذين الرمزين عند الحداثيين وهم عندي أفسدوا العربية وليس الشعر وحده.

توظيف المتخرجين

فإذا أتينا الآن إلى توظيف المتخرجين. في البلاد التي للتكوين السليم فيها دور يكون معيار التوظيف مضاعف:

 حاجة المؤسسة تقنيا وجودة في التنافس الذي هو منطق السوق ولا شيء غيره مقياسا للنجاعة وغاية صاحبها اقتصاديا.

لذلك فهو يختار الأفضل تكوينا وقد يستورده من عندنا لأن ذلك هو منطق الدوافع الاستثمارية والمغامرة التمويلية.

لكن عندنا ليس لأي من هذين المعيارين دور: فليس للمؤسسة حاجة تحكمها لأنها جعلت لتوظيف أبناء المتنفذين.

إما من أرباب العمل أو من العمال أو من ذوي الجاه في الإدارة والحكم. والربع الاقتصادي لا يعنيهم لأن الأمر يتعلق برزق البيليك.

ذلك هو الخلل. وهذا تشخيص من يجادل فيه لا يريد العلاج.

ولهذه العلة لم يكن بوضعي أن أقبل المشاركة بتقلد مسؤولية وزارة في التربية أيا كان المستوى لعلمي أن الإصلاح بات شبه مستحيل

 فما تعاني منه بلاد العرب عامة وتونس خاصة أخطر من كوفيد

ولا يوجد طعم يحول دونه غير ثورة روحية يعسر انتظارها لأن العلاج لا يمكن أن يحصل باستيراد نخب لا تعاني منه:

الفيروس صار جزءا من كيان من بيدهم الحل والربط من المافيات المسيطرة على الانتخابين في التكوين وفي التوظيف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى