آراءبحوث ودراسات

د. أبو يعرب المرزوقي يكتب: عقد الثورة الأول.. دلالة ذروته وصلا بين البداية والغاية

هدفي تجاوز الاحتفال المناسباتي بالثورة. ما يعنيني ذروتها التي تطلبت عقدا كاملا لتتضح للوعي الشعبي، الذي مرة أخرى يثبت أنه رائد إذا قيس بتخلف النخب العربية عامة والتونسية على وجه الخصوص.

 

ذروة الثورة

 

وما أعنيه بذروة الثورة هو الوصل بين مطالب التحرر بداية واستئناف التحرير غاية.

فالعقد كان المسافة الزمانية التي تطلبتها الثورة خلال تصديها للثورة المضادة،

لتفهم أن هذه ليست أهلية إلا في الظاهر وهي دولية في الباطن:

 

1- فالثورة التي سرعان ما صارت إقليمية بمجرد انتقالها إلى مصر صارت رأسها مطلوبة فيها بالذات،

وذلك بتجهيز دولي لفرعي الثورة المضادة التابعة للصهيونية التي جندت فرع الخليج،

وأطرت التمويل المادي والتابعة للصفوية التي جندت فرع الهلال وأطرت التمويل الإيديولوجي.

 

2- ونخب الثورة بقيت قطرية بمعنى أن من ادعوا قيادة الثورة ظل حلمهم مقصورا على الوصول إلى الحكم ولو بمشاركة من يعلمون أنهم لا علاقة لهم بمطالبها حقا،

لأنهم طلاب كراسي وليس سعاة للتغيير الذي من دونه تصبح مطالب الثورة مستحيلة التحقيق محليا وإقليميا وتغييرا لميزان القوى دوليا.

 

وما كان للثورة أن تصل إلى الذروة أي إدراك الطابع الإقليمي والدولي لمجرى أحداثها إلا بعد بلوغ الموجة الأولى من الثورة ومن الثورة المضادة إلى طريق مسدودة؛

ليس فيها غالب ومغلوب بل بقيت الحرب سجالا وأدرك الشباب خاصة أن ما يعوق مطالب التحرر المباشرة هو عدم اكتمال التحرير من الاستعمار.

 

شباب تونس هو الرائد

 

لذلك ومرة أخرى كان شباب تونس هو الرائد. وكانت الريادة لأكثر مناطقها حرمانا من «ثمرات» الاستقلال المنقوص أعني تطاوين بعد سيدي بوزيد.

فمن نقل المعركة من هدفها الأول إلى شرطه الذي هو هدفها الثاني حاليا هو المطالبة بما يشبه تأميم ثروات الوطن.

 

كانت المعركة ضد الحيف الداخلي واقتصرت المطالب على الحصول  على سهم عادل من دولة تونس. تعذر ذلك كان علة الوعي بالأسباب وراءه:

تونس لا تملك قرارها ولا تملك ثرواتها ولا تملك تراثها وهي فاقدة لذاتها ولسيادتها لأن من يحكمها منذ الاستقلال لا يمثل إرادة شعبها.

 

تلك هي الذروة وهي سلبية ولم تكن واعية بهذا المقدار من الإدراك لعلة ما تعاني منه تونس إلا بشكل جزئي وغير صريح:

المطالبة بالسهم من الثروات الطبيعية في جنوب تونس وبالذات في أكبر ولاية من حيث المساحة وأفقرها رغم أنها حائزة على أكبر ثروة تملكها تونس.

 

الوعي الفعلي

 

لكن ذلك لم يرتق إلى الوعي الفعلي في ترجمة سياسية ما تزال جنينية يمكن اعتبارها متعينة في ائتلاف الكرامة..

الذي اعتبره ناتجا عن فشل النهضة في تجديد رسالتها بعد الثورة لأنها ظلت مقصورة على نفس الرسالة المتقدمة عليها ولم تصل ثورة التحرر باستكمال ثورة التحرير.

 

فلو أقدمت النهضة على مثل هذه الطفرة الكيفية لكانت هي التي تمثل حالة الوعي التي يمثلها الائتلاف كما يتجلى حاليا من العجز الذي صار أزمة في النهضة اعني العجز في التداول بين الأجيال فيها ما يعني أنها إن واصلت على هذا النهج فستنقرض ويعوضها الائتلاف.

 

وهو ما يعني أن ريادة تونس ستكون بالجوهر نفس هذه الظاهرة في كل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في كل الإقليم،

بمعنى أن الإخوان في مصر سيتلون ما نراه في تونس كما تلوا اللحظة الأولى لأن بداية الثورة المصرية ما كانت لتحصل لولا سبق تونس.

 

الانتخابات القادمة ستقلب التوازن

 

أتوقع إذن أن الانتخابات القادمة ستقلب التوازن بحيث إن جل شباب النهضة سيصبح مع الائتلاف ومثل ذلك سيحصل في كل بلاد الربيع..

ويمكن اعتبار النموذج شبيها بما حصل في تركيا التي انتقلت من أحياء إسلامي تقليدي قبل أردوغان إلى الاردوغانية مع فارق الحجم.

 

ولن تتوطد الحركة الثورية في إقليمنا المغربي من دون مثل هذه النقلة لأن ما حدث للحركة الإسلامية في الجزائر وتفتتها لن تخرج منه إلا إذا تكونت حركة تلم شملها لتكون في نسبة الاردوغانية إلى المحاولات السابقة في تركيا التي صارت حزبا سياسيا حديثا يفهم معنى تحقيق الثورة:

 

1- التربوية التي تجمع بين شروط الاستعمار في الأرض رعاية في الداخل وحماية في الخارج.

 

2- السياسية التي تجمع بين شروط الاستخلاف فيها رئاسة للإنسان ومرجعية قيمية متعالية.

 

ثورة إقليمية.. تصبح مؤثرة

 

فإذا تم ذلك وتحقق مثيله في الجزائر وتونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن فستلحق العراق والخليج وبقية أهل الإقليم..

وحينها يمكن الكلام على ثورة إقليمية هي التي تصبح مؤثرة في العالم لأنها ستكون بحجم يحقق التوازن مع عدوي الاستئناف الإسلامي:

 

1- العدو الصهيوني وحاميه وتوابعه من العملاء من حكام العرب ونخبهم بجنسيهم أي كاريكاتير التحديث وكاريكاتير التأصيل.

 

2- العدو الصفوي وحاميه وتوابعه من العملاء من حكام العرب ونخبهم بنفس الجنسين من أدعياء التحديث والتأصيل.

 

وهذه المعادلة لا تحتاج للتوقع لأنها حاصلة بعد ويكفي أن ندرس كل القضايا المتعلقة بالإقليم التي تمر أمام مجلس الأمن والمواقف منها وخاصة ما يحسم بالفيتوات فيه:

 

1- فالكل يعلم أن إسرائيل وعملاءها العرب لا وزن لهم لو لم تكن وراءهم بقايا الاستعمار الأوربي والغرب الأقصى (أمريكا).

 

2- والكل يعلم أن إيران وعملاءها العرب لا وزن لهم لو لم يكن وراءهم بقايا الاستعمار السوفيتي والشرق الأقصى (الصين).

 

والبداية نراها الآن في ما يجري في ليبيا وفي شرق المتوسط وما شرع فيه الشعب الجزائري من محاولة استرداد سيادته من عملاء فرنسا اقتداءً بما جرى قبل ذلك في تركيا،

التي استردت سيادتها رغم أنها محاطة أكثر من الجزائر بالأعداء وبنار الحرب الجارية في الهلال منذ عقود.

 

تحية أوجهها للثورة

 

تلك هي التحية التي أوجهها للثورة:

فتنزيلها في الأحداث التاريخية الكبرى التي تجعلها جزءا لا يتجزأ من المسعى العالمي لتأسيس نظام العالم الجديد ومنزلة الإقليم فيه..

ودور الأمة التي لا هي شرقية ولا هي غربية بل هي مشروع قطب يمكن أن يعيد إلى العالم توازنه الأسلم.

 

فحتى شباب أوروبا بدأ يشعر بأن ما يجري في الإقليم ليس إقليميا فحسب بل هو دولي وعالمي.

ولعل مشكل فرنسا واليمين الأوروبي عامة هو بداية الوعي بهذا الأمر الجلل:

شباب فرنسا الفرنسي وليس المسلم منه فحسب بدأ يشعر أنه هو بدوره بحاجة إلى التحرر والتحرير من المافيات العالمية التي ليست الصفوية والصهيونية إلا ذراعيها في إقليمنا.

 

أهمية الذروة

 

لكنها لها اذرع أخرى في كل بلاد العالم وهي التي أفسدت الزرع وجففت الضرع فجعلت..

ولوثت العالم الطبيعي والعالم الثقافي فعممت العبودية باسم كذبة الرفاة والاستهلاك لسادة يمتصون دم العبيد:

 

فالعالم الثالث ليس خارج الغرب بل هو في العالم كله بما في ذلك الغرب نفسه.

 

ففي فرنسا وفي أمريكا وفي كل بلاد الغرب من الفقراء ما لا يقلون حرمانا من فقرائنا حتى وإن غطت الشجرة الغابة.

 

تلك هي أهمية الذروة التي تمثلها المرحلة الحالية من ثورة تونس بعد أن وصل شباب جنوب تونس ثورته بثورة شباب وسطها..

فصارت ريادتهما متجاوزة لتونس وللإقليم وأصبحت عالمية فمكنت من الإعلان عن فجر الاستئناف الفعلي لدور الأمة.

 

وعندئذ فسيكون الشباب الثائر فخورا باسترداد ذاته ماديا وروحيا ولا يخجل من التأكيد على أن ثورة ذات مرجعية إسلامية.

 

والملاعبة تتعلق بالقيم التي تحكم الرعاية الاجتماعية والحماية الأمنية داخليا وخارجيا وذانك هما دورا السياسة الخالصين حصرا.

 

والمعاملات ولا علاقة لها بالعبادات التي لا تمت بصلة لوظائف الدولة والسياسية والأحزاب بل هي  من وظائف المجتمع المدني.

 

فالإسلام بالجوهر وصل بين عالمين عالم الشهادة يعمره الإنسان ويستخلف فيه بمثل عليا تنتسب إلى عالم الغيب..

الذي يحدد معاني وجود الإنسان فلا يكون إلا كما يعرفه ابن خلدون «رئيسا بطبعيه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى