بحوث ودراسات

د. أبويعرب المرزوقي يكتب: الدهاء الإيراني.. كذبة يصدقها غباء العرب

كنت متخوفا من أن تقع تركيا في الفخ الذي اضطرت إليه إيران بعد أن تأكدت أن روسيا لم تعد تنفعها كثيرا بل وصارت صراحة حليفة «إسرائيل» عليها طمعا منها في أن تلين لها أمريكا خاصة والغرب عامة.

ولا ينبغي أن نقيس باكستان على إيران:

فباكستان كما هو معلوم لم تخرج من الحلف مع أمريكا في علاقتها مع الصين بسبب خطر الهند عليها مع فارق الحجم والثروة والعداء التاريخي.

سؤالي هو:

ما الذي اضطر إيران لهذا الحلف الملزم لربع قرن والذي يجعلها تفقد المناورة بين العملاقين المتصارعين-أمريكا والصين- على قيادة نظام العالم في القرن الحالي والمقبل، بخلاف روسيا وتركيا مثلا؟

نصف الجواب نجده عند فرنسا،

والنصف الثاني عند تركيا.

ففرنسا متخوفة من الاستئناف الإسلامي بقيادة تركيا وباكستان وقطر وماليزيا وإلى حد اندونيسيا واضطرار أمريكا للحد من حربها على الإسلام: وإيران مثل فرنسا.

أما النصف الثاني فهو عند تركيا.

فما حدث في اذريبجان وتحرك الآذريين في إيران خلال حرب كاراباخ يحيلان إلى بداية الشعور بأنها  خلال نشوتها بحصار العرب بسبب غباء قياداتهم، لم تشعر بأنها صارت محاصرة من الاستئناف.

وإذا كانت قيادات العرب قد وفرت لها فرصة حصار الأنظمة، فإن الثورة جعلتها حتى في الأرض العربية محاصرة بثورة الشعب العربي حتى في ما ظنت أنها قد سيطرت عليه بمليشياتها مثل الهلال وجل الخليج واليمن.

بل إن شعوبها -وهي متعددة القوميات-بدأت تثور عليها بحيث إنها قد تنفجر في أي لحظة إذا لم تجد متنفسا يفك عنها الحصار الأشد الذي جعل اقتصادها ينهار ولم يبق لها إلى الصين ملجأ وحيدا.

وهي إذن في وضعية لا تختلف كثيرا عن اضطرار الدولة الباطنية في مصر إلى الحلف مع الصليبيين واضطرار الدولة الصفوية في إيران نفسها إلى الحلف مع البرتغاليين،

وكانت نتيجة الأولى نهاية الدولة ونتيجة الثانية تبعيتها لروسيا في النهاية.

ففي الحالتين كانت تتصور حلفها مع أعداء السنة قد يجعلها تستفيد من قوة حليفها ليكون في خدمتها، وبالتدريج، هي التي صارت في خدمة من ظنت أنها قادرة على استخدامه

لأن من أتت به للعراق (أمريكا) ولسوريا (الروس) كلاهما سيخرجها، بل إن من مكنت لهم هم من سيطلبون طردها والمحافظة على أمريكا وروسيا.

وهذا هو القصد بالنصف الثاني من التفسير.

فلا يمكن لمن أتت بهم إيران واعتمدت على أمريكا للتمكين لهم في العراق وعلى روسيا للتمكين لهم في سوريا ألا يخيروا هذين عليها وحتى في اليمن فإنهم سيخيرون أمريكا لأن هذه يمكن أن تساعدهم حتى ماديا في حين أن إيران تنهب ثرواتهم.

ولما كانت الثورة بصدد الانتشار في العراق وفي اليمن وفي كل بلاد الخليج،

وحتى في إيران نفسها لأن الغضب الشعبي متناسب مع اشتداد الأزمة الاقتصادية ونسبة الفقر المتزايدة،

فإن الشعوب سيزداد حرصها على حقوقها وفرضها القسمة العادلة للثروة.

الانحياز السريع لأحد طرفي الصراع العالمي على زعامة العالم يفقد إيران كل إمكانية للمناورة..

وحتى فرنسا فإنها ستكون مضطرة للتخلي عن مناكفة أمريكا في مسألة العلاقة بالإسلام، وحتى روسيا فإنها ستنتهي إلى تفضيل أمريكا على الصين.

فإذا حسبنا الآن توزيع القوى في العالم، فإننا سنجد الصين نفسها محاصرة من الغرب خاصة إذا تصالح مع المسلمين.

فأمريكا سيكون معها اليابان وكوريا الجنوبية وحتى الهند ثم المسلمون وأوروبا.

ومن ثم فاقتصاديا وحتى عسكريا لا وجه للمقارنة بين الصفين.

فاقتصاديا يمكن اعتبار أربعة أخماس ثروة  العالم بيد هذا القطب الذي يحاصر الصين ولم يبق للصين والقلة التي معها إلا ما دون الخمس.

أما عسكرا وتسلحا، فيمكن القول إن النسب هي دون ذلك بمعنى أن الصف الغربي بهذا المعنى له أكثر من أربعة أخماس فضل في القوة العسكرية والعلمية والتقنية والسياسية بمعنى حقوق المواطن وحرصه على حرياته.

حل اليأس وليس دليل قوة

فاقتصاديا وسياسيا وحتى حضاريا يمكن القول إن إيران بهذا القرار الاستراتيجي تعبر عن يأس حقيقي وخوف على بقاء النظام بحيث إنها تفضل الاحتماء بالصين الصديق الوحيد الذي قبل بأن يسندها وستكون كلفة السند أكثر من فائدته.

هو إذن حل اليأس وليس دليل قوة.

لكن الكثير من العرب كانوا يعتقدون أن مستقبل الإسلام يكون بالحلف مع الصين وهو أمر كنت ولا زلت ضده وليس من اليوم بل منذ أن كتبت الاجتماع النظري الخلدوني (1976).

صحيح أن الغرب فيه الكثير ممن يعادي الإسلام وخاصة في الأجيال التي ما تزال تعاني من عدم نسيان الماضي والخائفة على المستقبل من حيوية الشعوب الإسلامية الديموغراقية ومن الحيوية الروحية للدين الإسلامي.

لكن مصالحها الإستراتيجية الراهنة تحول دونها ومواصلة الحرب على الإسلام  سدى لان ذلك لن يعطل الإسلام وستخير مع ذلك الصراع مع الصين الذي صار ضرورة لازبة.

ولهذا العلة، فإني اعتبر ما يحدث أشبه بالقضاء والقدر المحتوم مكرا من خير الماكرين لأن عودة الإسلام ليست ضرورة إستراتيجية للغرب في معركته مع الصين فحسب بل هي ضرورة وجودية لبقاء العالم والإنسان لتخليصهما من التلويثيين المادي والروحي.

المشترك بين المسلمين والغرب حضاريا

وأخيرا، فإن المشترك بين المسلمين والغرب حضاريا سواء اعتمدنا الحضارة ذات الأصل الديني (الأديان السماوية كلها مشتركة)

أو ذات الأصل الفلسفي (الفلسفات الإنسانية كلها مشتركة) ومن ثم فالثقافة العامة فيهما واحدة.

والإسلام لا شرقي لا غربي بل أمته يصفها القرآن بكونها أمة الوسط وعليها أن تكون بوصفها شاهدة على العالمين معدلة للصراع بين الشرق الأقصى (الصين خاصة) والغرب الأقصى (أمريكا خاصة)

فلا تنحاز لأي منهما بل هي التي تهتدي بالصراط المستقيم لتوحيد البشرية بقيم القرآن.

لم يتورط المخمس الذي جدد نظرية أربكان بفضل مبادرة أردوغان وكاد العرب أن يخرجوا منه لولا الحضور الرمزي لقطر بثروتها وليس بوزنها الاستراتيجي والثقل العسكري في الانحياز الواضع وأبقوا على مناورة أشبهن بعدم الانحياز.

لكن كل شيء يجعلهم أقرب غلى الصف الأقوى لأن الصين رغم قوتها التي لا أنكرها والتي هي دون قوة أمريكا حتى لو استثنينا من مع كليهما فإن أعداء الصين في الشرق الأقصى لا يمكن تصورهم يغفلون عن كونها لم تنس علاقتهم بها: وأقصد اليابان وحتى كوريا الجنوبية.

وحتى لو اعتبرنا أوروبا محايدة وكذلك المسلمين فإن أمريكا واليابان وحدهما يمثلان قوة كافية لهزيمة الصين في كل مجالات التنافس بين الأمم وخاصة في الإبداعين العلمي والتقني وتطبيقاتهما الاقتصادية والعسكرية أي في أداتي الحرب الأساسيتين.

ولما كان الصينيون لا يريدون الحرب بالمعنى التقليدي بل يريدون تطبيق نظرية تسو،

فإن المشكل يصبح من يستطيع الصبر أكثر ومن يستطيع مقاومة التخريب الحديث بالقوى السيبرنية،

فإنها لا يمكن أن تطمع في شيء مع أمريكا وليابان وخاصة إذا أضفنا إليهما الألمان.

وبهذا المعنى وبصرف النظر عن الخيارات العقدية والإيديولوجية كل من يختار صف الصين لا يمكن في حدود ما يمكن للعقل أن يعلمه ألا يكون أحمق:

طبعا يمكن لم ينتظر المعجزات أن يرى غير ذلك.

لكن عندئذ لا يمكن الكلام على فكر استراتيجي بل هو تنجيم.

وبهذا المعنى فالملالي -وهم ليسوا أغبياء رغم كذبة الدهاء-اضطروا يائسين لهذا المخرج الذي هو انتحاري،

أو هو الإكراه المطلق الناتج عن الحصار الأمريكي والذي سيتلوه الأوروبي إذا ما احتدم الصراع.

فرض الحل الحاسم

إن الأمرين اللذين يبدوان دالين على تردد أمريكا وشبه هزيمة أمام عنتريات إيران أحدهما دبلوماسي والثاني عسكري وكلاهما علامة على خيار استراتيجي شديد الوضوح عند من يصله بالمعركة المصيرية لأمريكا وإسرائيل:

1- محاولة اتباع سياسة أوروبا معها بالعودة إلى الاتفاق

2- المسارعة في الخروج من الإقليم وسحب قواتها.

دلالتهما كما أفهمها هي على نقيض ذلك تماما بمعنى أن أمريكا ليست مترددة بل هي بهما تفيد الحزم على الذهاب إلى الحل الحاسم سلما أو حربا:

ومعنى ذلك أنها تسعى لفرض الحل الحاسم  والعلامة الدالة هي العودة إلى مهادنة أهل الإقليم والكلام على حل الدولتين في إسرائيل:

فإذا لم تقبل إيران تعديل الاتفاق بالشروط الثلاثة مضمون الاتفاق النهائي بمنع السلاح النووي بإطلاق وضم شرطين آخرين مع مشاركة أهل الإقليم غطاء لهذه الشروط فإنها ذاهبة إلى الحرب الحاسمة:

1-الشرط الأول تحويل الاتفاقية المؤقتة السابقة إلى اتفاقية نهائية تمنع التسلح النووي على إيران نهائي

2-الصواريخ التي ستضبط لها حدود معينة فتكون دفاعية وليست هجومية وبمدى معين.

3-سياسة  الإقليم أي الخروج من العراق وسوريا ولبنان واليمن وأزالية المليشيات المنتشرة فيه

وقد يضاف إليها ما ترتب على اتفاقية إيران مع الصين وهي غلطة العمر وقد بينت ذلك في بحث سابق

أمريكا بالجلاء عن الإقليم ليست تهرب بل تستعد للحل الأخير إذا لم تفرض ذلك دبلوماسيا بتوحيد الغرب كله معها..

وهي حاصلة على موافقة اليابان وكوريا الجنوبية وستنهي تردد أوروبا بعد أن تثبت عنتت إيران.

والعلة هي أنها لم يعد لها إمكانية للحلول الوسطى لأن ما حققته إيران قد يكون وصل إلى الحد اللارجعة،

بمعنى أنه إذا لم توقفه سلما فعليها أن توقفه حربا لأنه الفاصلة مع الحصول على السلاح النووي لم تعد بعيدة

ولأن عودة الاتفاقية بشكلها السابق فيه خسارة مطلقة لأمريكا وربح مطلق لإيران لأن ما تحقق من خبرة ييقى في رصيد إيران

حتى لو تظاهرات بالتنازل لعقد آخر إذا حافظت على القاعدة الأساسية لتحقيق القفزة متى سنحن الفرصة.

إفساد معركة أمريكا مع الصين

وأخيرا لأن ذلك سيفسد على أمريكا المعركة الأساسية مع الصين إذا خسرت الإقليم كله بسبب السلاح النووي الإيراني وبسبب ما لن يقبله يهود العالم

لأن من أسقط هتلر وستالين واليابان وحتى الخلافة العثمانية لن يسمح لإيران بأن تلغي كل ما حصله في تلك المناورات كلها.

فستكون الحرب التي تنخي القضية جذريا دون أن يكون جيشها المشتت في الإقليم عرضة للخطر من المليشيات المنتشرة فيه.

ذلك أن الأمريكان والإسرائيليون ليسوا أغبياء فيعتبروا العودة إلى الاتفاق من دون

ولا يمكن أن تنجلي أمريكا عن الخليج إذا لم تكن تفكر في ما سيحميه حتى تتفرغ لما هو أهم.ذ

ولما كانت «إسرائيل» عاجزة دون دلك ومصر لا يعتمد على جيشها لأن الفساد ينخره ولم يربح حربا منذ أن صار هو الدولة

فهي حتما ستلجأ لقوتين إسلاميتين سنيتين هما تركيا وباكستان وليس لها خيار آخر كما أن أنظمة الخليج ليس لها حل آخر..

لذلك فعندي أن ما دفع إيران للتفكير في تعاقدها مع الصين هو دون شك أنهم أولوا سلوك أمريكا هذا التأويل

وهم يتصورون أن الصين يمكن أن تحميهم وتلك علة تشكيكي في دهائهم المزعوم: هذا قرار يأس وليس قرار دهاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى