مقالات

خسوف مؤقت

Latest posts by رانيا مصطفى (see all)

بقلم: رانيا مصطفي

يوم الاثنين الماضي حدثت ظاهرة كونية نادرا ما تحدث، فقد تعامد شعاع شمس نصر العاشر من رمضان على وجه نكسة الخامس من يونيو 1967 ووقع قمر الدوحة معهما على نفس امتداد الخط فحدث الخسوف، لنشهد نكسة للعرب في الخامس من يونيو 2017 .

أراد عبد الناصر ذات سنة بعد أن مُنى بخسائر في الأنفس والأموال والعدة والعتاد باليمن إثر تحد قام بينه وبين الملك فيصل ليقتنص كل منهما منصب رئيس فصل بمدرسة المشاغبين أن يغطي على تلك الخسارات فتعلل بإشاعات أثيرت حول نية الكيان الصهيوني الهجوم على مواقع بمصر وسوريا، وهنا أعاد جمال جيشه إلى مصر حيث لم يكن يستطيع أحد أن يسائله، فقد رفع الرجل راية الحرب المقدسة ضد العدو الغاشم وهو مهلهل الجيوش، مرقع الجيوب، مهتك العقيدة فكانت النهاية الطبيعية أن هزمت ثلاث جيوش عربية أمام قزم لو بصق العرب عليه لأغرقوه . ضاعت سيناء وفلسطين والجولان ولا أبالغ ان قلت وضاع معهم العرب، ومع ذلك تعالت الهتافات “يا جمال إحنا معاك إحنا الشعب واخترناك” !!

مات جمال وجاء السادات وما كان أمامه ليصنع من نفسه رئيسا سوى أن يخوض حرب استنزاف ومن بعدها حرب استرداد استجابة لهتافات جديدة “يا سادات يا سادات سينا عايزة الدبابات ” ، أخرج الإخوان من السجون فصار رئيسا مؤمنا، وصنع الله في عهده نصرا فأتبعه هو بمعاهدة نكسة فصار بطلا للحرب والسلام .

يقول الكيان اليوم في ذكري نكسة 67 أنهم كانوا على وشك تفجير قنبلة ذرية في سيناء إذا ما انتصرت مصر، ولكن عندما حدثت الهزيمة لم يحتاجوا لذلك. وأتعجب لِمَ إذًا لم يسقطوها على المصريين في حرب أكتوبر؟! فأمر كهذا له احتمالين لا ثالث لهما، إما أنه لم تكن هناك قنبلة، أو أن هناك من يسر له ما لا يجعله في حاجة لإسقاطها!

كانت حرب أكتوبر 1975حلما صدقه رجال أطهار، ضحوا بالدم الغالي، كما فعل رجال ثورة يناير 2011. آمن الشعب في المناسبتين بالحلم ودعمه وحبس من أجله الأنفاس، وطار بنصره سعادة وطربا ونشوة، جوعا لكرامة مسلوبة ورأس مرفوعة وكلمة مسموعة، ولكن.. بعد حين تحول الحلم إلى كابوس في نكستين أسوأ من نكسة 67 على يد قيادات نفس الجيش الذي أحرز نصر أكتوبر ودعم ثورة يناير. رأينا الشاذلى ينصح القيادات ألا يتوغلوا في سيناء وأن لا مبرر للمجازفة بتحريرها بالكامل فلا طاقة للجيش بذلك، وأن خطة المآذن العالية هي خطوة أولى للتحرير سيليها خطوات أكثر أمنا، فيتجاهلون مقترحه لتأتى الأوامر بالتوغل لتحرير سيناء بالكامل دون سبب مقنع، فيتسببوا في ثغرة الدفرسوار وتتوالى الأخطاء لتكتمل معالم الكارثة في صورة معاهدة كامب ديفيد 1978 التي تمنح المصريين حق التهليل والرقص على أنغام “سينا رجعت كاملة لينا”، وتمنح الكيان حق التحرك الكامل فيها في وجود قوات دولية تحميها وتؤسس لتطبيع خفي ومعلن على كافة الأصعدة مع “الكيان العدو”.

وبالمثل يأتي انقلاب قيادات الجيش بعد انتصار ثورة يناير ويمحق أول تجربة ديمقراطية وليدة كانت خطوة أولى على طريق الكرامة سيترتب عليها تطورات أكثر حرية وأكثر حداثة ، ولكنهم أيضا يأبون إلا أن يحدثوا ثغرة في صفوف الثوار ليكون انقلاب 2013، ولكن هذه المرة كان الانهيار هو الأسوأ على الإطلاق، فلأن يهزمك عدو فتداوى جراحك وتهب منتصبا لتستعيد كيانك لهو أمر هين، أما أن تسحق داخل بيتك بأيدي أهلك ومن لم يدر بخاطرك يوما أنهم لن يمانعوا في سحق عظامك ونثرها ليمهدوا بها طريق ملكهم في حفل سادى عظيم يتراقصون فيه كأسوأ كابوس تحاول أن تستيقظ منه فلا تستطيع، فإن استخدام كلمة نكسة حينها يعد لطيفا جدا، فذلك أقل ما يوصف به أنه طامة كبرى.

وبرغم كل ذلك كان سطوع شمس أكتوبر ويناير من أجمل ما قد ترى العين ، فلكأنك تطير في الفضاء بين نجوم تلمع بالضياء وكواكب تزهو بأجمل الألوان. إن هذا السطوع الكبير حين يسقط على أرض فساد يظهر حجم الخيانات والهزائم والنكسات، وحين يسقط على أقمار فإنها تعكس أجمل ما فيها ومن فيها، فإذا ما وقفت تلك الأرض في مسار أشعة هذه الشمس، يحدث خسوف مؤقت لذاك القمر وهذا ما جرى.

قطر، تلك الدولة الصغيرة على شاطئ الخليج العربي التي أعلنت الإمارات والسعودية والبحرين ومعهم مصر قطع علاقتهم بها برا وبحرا وجوا، بحجة اتصال قطر بإيران والكيان الصهيوني، اللذان تربط هذه الدول نفسها بهما علاقات اقتصادية وسياسية قوية مشتركة. رموها بالإرهاب وأنها تؤوى إرهابيين؛ إشارة إلى إخوان مصر، وقد أثبتت تسريبات يوسف العتيبة السفير الإماراتي لدى واشنطن أنهم يحاولون إقناع أمريكا بأنها دولة داعمة للإرهاب وربما يجب أن تغير على إثر ذلك أمريكا مكان قاعدتها الجوية في  قطر. والعجب حقا أن تتهم السعودية بالذات قطر بهذا الاتهام، ألم تكن السعودية منذ شهور على شفا أن تسحب أصول أموالها من أمريكا على خلفية قانون 11/9؟!  ويبدو أن اتهامهم لها بأنها تسعي لزعزعة الاستقرار وإثارة البلبلة في المنطقة عبر قناتها “الجزيرة”، كان بسبب تلك التسريبات وما حملته من حديث حول إنجاح محمد بن سلمان!

وعلى ذكر تلك التسريبات فقد دعا السفير، أمريكا إلى عدم اعتبار ما حدث في مصر انقلابا. أتعلمون! لم أتوقع قبل ثورة يناير أن تكون السعودية والإمارات بالذات بهذه القسوة، بالضبط كما لم يتخيل الشويش خميس أن المعلم بيومي هو رئيس العصابة في فيلم “رصيف نمرة خمسة”، وأكاد أقول “أمال سبحتك فين يا معلم.. أصلي لميتهالك”!

كل ما أطلقه المقاطعون من شائعات لا علاقة له بما أضمروه من عداء لقطر، فالسبب الحقيقي هو أن قطر دعمت ثورات الربيع العربي منذ أول لحظة طامحة أن تحجز مقعدا لها في محور قوى يضم أنظمة ديمقراطية وليدة في المنطقة، وذلك أمر عادل بالنسبة لها، فالوقوف في صف شعوب مقهورة ترزح تحت وطأة تجويع وإفقار وإمراض متعمد لأمر مشروع، ولكنه لم يكن كذلك من وجهة نظر رؤساء وأمراء وملوك، لا يرون أنفسهم إلا من منظور فرعون “أنا ربكم الأعلى ” و”ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”، وعليه صارت شعوبهم صغيرة على الديمقراطية، وصار الثوار خونة إرهابيين وبالتالي يكون كل من يدعمهم في العالم يغنى خارج سربهم.

لا يخفى على طفل صغير أن هناك أضواءً خضراء منحتها الأسرة المقدسة الأمريكية التي شاركت في قمة إسلامية تذكرك بخطاب بابا الكنيسة الذي أّذيع في مصر على موجات إذاعة القرآن الكريم! فالرئيس الأمريكي، رجل الأعمال، منح بعض الإيماءات في مقابل صفقة احتفل بنتائجها في تغريدة له على حسابه في “تويتر”، حين قال أنه عاد إلى شعبه محملا ببلايين الدولارات وهو ما يعني وظائف.. وظائف.. وظائف. ما لا يدركه المقاطعون أن ما يحتفلون به اليوم من انتصار بفضل رجل البيت الأبيض، قد يجعل منهم جزءَا من صفقته القادمة مع من ظنوا أنهم قد تخلصوا منه. ما لا يريدون فهمه أنهم طبق رئيسي على طاولة الشرق الأوسط الجديد وليسوا ضيوفا. ولا أدرى كيف يكون طعم احتفال يكون حبة كرز كعكته تغريدة لسفير الكيان الصهيوني السابق لدى الولايات المتحدة يقول فيها “هناك خط جديد يرسم في رمال الشرق الأوسط، لم يعد هناك عداء بين إسرائيل والعرب، ولكن العداء أصبح بين إسرائيل والعرب ضد قطر التي تمول الإرهاب “!

عندما تتطابق أقوالك وتتسق أهدافك وتشترك خطواتك مع عدوك، اعلم أن هناك خطب جلل، فإما أن تنتبه وترجع ، وإما فلتعلم أن ذلك العدو الذي طالما شجبته وجلجل صوتك أن لا تراجع ولا استسلام أمامه، وأن تخطيه حدودك دونه الرقاب، ما هو في الحقيقة إلا أنت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى