آراءبحوث ودراسات

خالد القاضي يكتب: أدب الخلاف وفقه الإنصاف

Latest posts by خالد القاضي (see all)

أصيبت الساحة الإسلامية في نكاباتها الأخيرة بشيء من المراشقة والمعاتبة والملاومة والمصارحة بين بعضها البعض، واختلفت وجهات الناصحين والمعاتبين بين وصفين متلازمين: النقد البناء وسوء الأدب.

ولم يسلم أي ناقد أو ناصح أو داعي من الجرح، سواء كان مقصده سليم وتقريره قويم أو أساء التعبير ولم يصب الهدف.

ولابد من الوقوف على حقيقة أدب الخلاف وفقه الإنصاف قبل الدخول في الخلاف ذاته، ولابد لنا من التزود بأدب الخلاف لعدة أسباب:

1- إن الفجور في الخلاف من أسباب النفاق (إذا خاصم فجر) وهذا أمر خطير.

2- إن الله أمرنا بهذا في كتابه الكريم بالعدل والإنصاف مع المخالفين فقَالَ تَعَالَى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المائدة: 5/ 8] .

فَانْظُرْ إلى مَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالْأَمْرُ بِأَنْ تُعَامِلَ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِأَنْ تُطِيعَهُ فِيه ولا يحملنكم بُغْضُ قوم على ألا تعدلوا، اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء، فذلك العدل أقرب لخشية الله، واحذروا أن تجوروا. إن الله خبير بما تعملون، وسيجازيكم به فانظر الى عظم الأمر وقيمة الجزاء.

3- لابد أن يكون القصد من الخلاف الإظهار للحق، ولا يجوز أن يكون مثاراً للبغضاء والتفرق، بل يجب على الإنسان إذا أرشد ونبه على معنى من معاني النصوص أن يشكر من نبهه وأرشده على هذا، وأن يكون هذا داعياً للتقارب والصلة والمحبة، ولا يكون داعياً للتنافر.

ومن الأسف أن بعض طلبة العلم إذا نبه على شيء وقيل له: إن معنى هذا كذا وكذا، أو أنك في قولك كذا وعمل كذا قد أخطأت معنى النص، أو أخطأت كذا وكذا؛ أصبحت المسألة عداوة، وأصبح يعاديك ويبغضك؛ لأنك نبهته! فهو يريد أن يكون أعلم منك وفوقك، وكأنه يتصور في نفسه أنه هو الكامل، وليس هذا خلق طلبة العلم، هذا مسلك الجهلة الظلمة الذين يريدون العلو في الأرض.

4- على طالب العلم التيقن التام أن نصوص الكتاب والسنة لا تدع إلى الخلاف بل هي مؤتلفه والخطأ في فهمنا والمقصود أن دواعي الخلاف ليست هي نصوص الكتاب والسنة، بل نصوص الكتاب والسنة تدعو إلى الاتفاق، وإلى التواد والتراحم (والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، أما إذا لم يسلم المسلمون من لسانه أو من يده فإسلامه غير مستقيم، ومستقل من ذلك ومستكثر.

5- ادفع بالتي هي أحسن فالحق هو مرادك والهداية هي طريقك ورضا الله هو غايتك وأما كون الإنسان يريد بيان الحق وإيصاله إلى الناس، فبيان الحق له أسلوب وله طريق قد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبينه الله جل وعلا في كتابه.

ومعلوم أنك إذا أردت دعوة إنسان وأتيته بالعنف والازدراء والسخرية وما أشبه ذلك فإنه يزداد بعداً منك، ونفوراً عن قولك، ويحاول أن يرد كلامك عليك.

فيجب أن يكون هدف الإنسان من كلامه أداء الحق الواجب عليه، فإن الله جل وعلا أخذ على العلماء أن يبينوا لمن لا يعرف، وأخبر أن الذي يكتم العلم ملعون، وأن الله يلعنه، والملائكة تلعنه، والدواب تلعنه، وكل لاعن يلعنه.

6- ولتجعل هداية الناس نصب عينك فرحمة الناس وطلب هدايتهم امر مطلوب شرعا وعقلا ؛ لأن المسلم أخو المسلم، يجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا يكون له مقصد آخر فيهلك، فهذا الذي يكون له نصيب من قول الله جل وعلا: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108].

والرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يأتي إلى الكافر ويقول له: يا أبا فلان! ألا تسمع مني، هكذا يقول، يكنيه بكنيته ويقول: ألا تسمع مني؟ ما يقول له: قف أكلمك! وأنت كذا وكذا، وليس معنى ذلك أنه يوده، إن هذه هي الطريقة للسماع، ولإيصال الحق للناس، فالنفوس جبلت على أنها لا تقبل ممن ينتقصها ويزدريها، بل تزدريه وتنتقصه، وربما زاد الأمر فوق ما يتصوره هو، وهذا شيء يقع فيه كثير ممن يتصدى للدعوة والبيان؛ إما لأنه لم يصل في العلم إلى الدرجة التي يجب عليه أن يصل إليها، وإما لسوء نية وطوية عنده، وإما لغير ذلك من الآفات التي تعترض الإنسان.

7- لا تختلف الأمة في أن تأليف القلوب على الحق واجب شرعي، وعلى العالم أن يتقي ربه، وألا يكون سبباً في خلاف الأمة، سواء كانت الأمة التي تختلف بسببه كثيرة أو قليلة.

8- لابد من مراعاة نفسية المحالف فلا تعنف المخالف بقدر الإمكان ولا تسفهه فلعله يكون على الحق وأنت على الباطل ووصلكما إلى الحق هو الهدف الحقيقي.

هذه النقاط التي ذكرتها هي من الأهمية بمكان يجعلها أساس لانطلاق أي نقاش يحمل النقد أو النصيحة أو الحوار الجاد،

وللسلف نماذج عملية، هذا بيانها:

إن هدي السلف هو أكمل الهدي وأسلمه فهما وتقريرا واقتداءً، وهذا الأمر كان واضحا جليا في سيرتهم العطرة وهديهم المنصوص عليه.

ودارت إفاداتهم بأنه لا يجوز لأصحاب الأقوال المختلفة -اعتبارا- أن يعنف أحدهم الآخر، ولا أن يسفه رأيه، ولا أن يطرح قوله، بل (يعتبره) إلى أن يصفي القضية، أنت قلت كذا، وأنا بلغني كذا، وهذا بلغه كذا، على ما تستندون؟ فإذا بحث كل منهم عن الحق، وكان الغرض من ذلك البحث الوصول إلى الحق، وليست نصرة الرأي، وليست شهوة الانتصار والغلبة، بل الغرض هو إصابة الحق، فالجميع يتعاونون ليصلوا معاً إلى معرفة الحق.

ومن أمثلة ذلك: عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه جلس مع بعض أصحابه، فتذاكروا الغسل من الجنابة، فقال قائل: إذا أولج ولم ينزل فلا غسل.

وقال آخر: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل أنزل أو لم ينزل.

فوقع الخلاف، هناك من يقول: لا غسل إلا إذا أنزل، والثاني يقول: مجرد الإيلاج يوجب الغسل، وليس بشرط أن يُنزل.

إذاً: الخلاف من شقين، وكل من الحاضرين يبدي ما عنده، فدخل عليهم علي رضي الله تعالى عنه، فسأله عمر : القوم اختلفوا، ماذا عندك؟ فقال علي رضي الله تعالى عنه لـ عمر : ولم تسألني وتسأل غيري من هؤلاء وبجوارك أمهات المؤمنين وهن أعلم بذلك؟! أرسل إليهن وسلهن.

فقال: أحسنت، وأرسل إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: (كان صلى الله عليه وسلم يفعله ويغتسل -يعني: يولج ولم ينزل ويغتسل- وقالت: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل -وهذا متفق عليه، ويزيد مسلم في روايته:- أنزل أو لم ينزل)، فـ عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع قول عائشة أن هذا فعل رسول الله.

ثم يسمع بعد ذلك ما يخالف هذا قال: والله! لن أوتى بأحد يقول: لا غسل إلا من إنزال، إلا جعلته مُثلة لغيره -أدبت به غيره- فقال أبي بن كعب : على رسلك يا أمير المؤمنين! أنا أخبرك -أي: لماذا كان هذا الخلاف، أنا أخبرك لماذا اختلفوا وما هو السبب- كنا في بادئ الأمر لا غسل إلا من إنزال، ثم بعد ذلك عُزم علينا، وأصبح إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، فكنا في بادئ الأمر: (إنما الماء من الماء)، فإذا ما جامع ولم ينزل المني فلا ماء للغسل (الماء من الماء) الماء الذي هو ماء الغسل من الماء الذي هو ماء المني، ثم عزم علينا أن نغتسل.

فهذا مجلس بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في مسألة تعم بها البلوى في كل البيوت، فالمباشرة أمر طبيعي، ويختلفون في حكم من جامع ولم ينزل: أيغتسل أو لا يغتسل؟ إذاً: كانت هناك مسائل ربما تخفى على بعض الناس، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه طرفاً في هذه المسألة.

إذاً: لا غرو أن تخفى بعض المسائل على كبار أصحاب رسول الله، أو على صغار أصحاب رسول الله، أو على كبار التابعين، ثم بعد ذلك مع البحث والتنقيب يطلع على الراجح، ومن هنا كان السلف من التابعين وهديهم فى الخلاف ومن يأتي بعدهم أجمع لجزئيات المسائل، وانتهى الخلاف فيما يتعلق بهذه القضية، وأصبحت مطردة (إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل).

ولكي تستقيم لك الأمور لابد من مراعاة عدة نقاط:

1- عليك أن تحسن الظن بالمخالف إذا تأكد لديك يقيناً نهائياً أن هذا الأمر المخالف أو الخاطئ صدر من أخيك المسلم فلان ، فإن من أولويات ردود الفعل لديك أن تحسن الظن بأخيك المخطئ.

وأن تتهم نفسك أولاً حتى تسمع رأيه، ولقد أمرنا الله -تعالى- بهذا في كتابه الكريم بقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} الحجرات 12 .

وقوله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} النور (12) فالواجب كما ظننت -أيها المؤمن- بنفسك الخير أن تظن بأخيك المؤمن خيراً، لأنه ربما يصلك الخبر صحيحاً من طرقه، ولكن يكون المعنى على غير الذي فهمت تماماً، فالواجب هو إحسان الظن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الظن فقال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) .

وكذلك ما رواه البخاري عن شكوى أهل الكوفة في عمار رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عمارا لا يحسن الصلاة بهم , وهم لم يصيبوا في ذلك فإن عمارا رضي الله عنه صحابي صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فردَّ على شبهتهم بأنه كان يصلي بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر رضي الله عنه: (وهذا هو الشاهد) “ذاك ظننا بك يا أبا إسحاق” .

2- وإياك والمنظار الأسود تنظر لجميع الناس بالمنظار الأسود، فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم خاطئة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع من إنسان خيرا كذبه، أو أوَّله، وكلما ذُكر أحد بفضل طعنه وجرحه، اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، فضلا عن الأعمال والظواهر، والمصادرة للآخر قبل معرفة رأيه، أو سماع حجته.

ثم هو لا يتوقف عند هذا الحد، بل لسانه طليق في أعراض إخوانه، بسبهم، واتهامهم، وتجريحهم، وتتبع عثراتهم، فإن تورع عن الكلام في أعراض غيره من الفضلاء، سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة، بما يكون أخبث وأكثر إقذاعا، مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر. “وأنت ترى هؤلاء الجراح القصاب، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحا) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان!

ولم أر أشد سوء من فرقة المداخلة في مخالفة هدي السلف في الخلاف في هذه الجزئية بالذات, فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وأهم أولويات أدب الخلاف حسن الظن بالمسلمين وخاصة العاملين لدين الله؛ لأن المسلم الأصل فيه السلامة ما لم يأتٍ قادح يقدح فيه، أما غير المسلم فإن هذا الأمر لا يشترط توفره؛ لأن الأصل فيه عكس ذلك، ولكن يأخذ الأمر ويقدر بقدره مع كامل الحيطة والحذر والصدق والعلم والعدل وسلامة النقل.

3- لا تغتر بنفسك حتى لو علت حجتك على المخالف فالغرور بالنفس يولد الإعجاب بالرأي، والكبر على الخلق، فيصر الإنسان على رأيه، ولو كان خطأ، ويستخف بأقوال الآخرين، ولو كانت صوابا، فالصواب ما قاله، والخطأ ما قاله غيره، ولو ارعوى قليلا واتهم نفسه، وعلم أنها أمارة بالسوء، لدفع كثيرا من الخلاف والشقاق، ولكان له أسوة بنبينا – صلى الله عليه وسلم – الذي قال الله -تعالى- له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ، (1) وإذا كانت صفة التواضع ولين الجانب من أوائل صفات المؤمنين، فإنها في حق من انتصب للعلم والدعوة والفتوى والتعليم أوجب وأكثر ضرورة وإلحاحا.

4-لا يغلبك هواك وحب الظهور بالجدل والمماراة ويكون دافع ذلك في الغالب هوى مطاعًا، وقد يكون قلة الفقه أو الفراغ وترك الاشتغال بما ينفع.

وقد روى الإمام أحمد وغيره عن أبي أمامة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم قرأ: ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).

قال الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله: “الخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة. لو كانت فضلًا لسبق إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم، فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر. وقال الله تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آل عمران:20]، ولم يأمره بالجدل، ولو شاء لأنزل حججًا، وقال له: قل كذا وكذا”.

وقال ابن قتيبة رحمه الله يصف الحال في أيام السلف عليه الرحمة والرضوان: “كان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع وفيما قد انقرض.. وصار الغرض فيه إخراج لطيفة، وغوصًا على غريبة، وردًا على متقدم.

وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق، قادهم الهوى بزمام الردى..”.

فلما وقع الناس في الجدل تفرقت بهم الأهواء، قال عمرو بن قيس : قلت للحكم بن عتبة : ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات.

وقد روي عن أبي قلابة -وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون»

السنة لعبد الله بن الإمام أحمد 1 / 137.

قال معن بن عيسى: “انصرف مالك بن أنس رضي الله عنه يومًا من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الحورية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا عبد الله! اسمع مني شيئا أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأيي.

قال: فإن غلبتني؟

قال: إن غلبتك اتبعني.

قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟

قال: نتبعه!

فقال مالك رحمه الله: يا عبد الله بعث الله عز وجل محمدًا، صلى الله عليه وسلم، بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين”.

وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل.

وجاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه!

راجع في النقول الثلاثة السابقة الشريعة للآجري صـ 56-57.

وإذا كان الجدل والمراء والخصومة في الدين مذمومة على كل حال فإنها تتأكد في حق المقلدة والجهال.

ويتأكد ترك المراء والجدل في كل ما لا طائل من ورائه كملح العلوم والنوادر، وما لا يثمر عملًا غير السفسطة والتلاسن.

5- معرفة ما يسوغ الخلاف فيه وما لا يسوغ فمن الذي يحاسب الناس على أديانهم؟ الله سبحانه وتعالى، فإذا أتى حديث واختلف الناس في تصحيحه ورأى بعضهم أنه حديث صحيح فعليه أن يأخذ بما دل عليه هذا الحديث من عمل أو عقيدة؛ لأنه سوف يحاسب: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65] سيحاسب على ما عنده من العلم، وكذلك على ما عنده من الفهم، قد يكون الحديث صحيحاً ويختلف الناس في فهمه أيضاً فمنهم من يفهمه على وجه ومنهم من يفهمه على وجه آخر، فإذا فهمه إنسان على وجه وآخر على وجه آخر فإن الواجب على كل واحد منهما أن يأخذ بما فهمه من الحديث، لكن لا مانع من أن يناقش أحدهما الآخر حتى يتوصلا إلى رأي موحد.

وأما وصف الإنسان الذي يخالف رأيه في تصحيح حديث أو في دلالته وصفه بالضلال والبدعة فهذا لا يجوز، هذا من عمل أهل الأهواء، ولهذا نجد المسلمين من عهد الصحابة إلى يومنا هذا يعذر بعضهم بعضاً فيما فهم من النص -فمثلاً- قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة حين رجع من الأحزاب، وأمره جبريل أن يخرج إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد، قال لأصحابه: (لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) فخرجوا فأدركتهم الصلاة، فمنهم من قال: لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غابت الشمس، وأخروا الصلاة، ومنهم من قال: نصلي في الوقت، والذين قالوا: إننا لا نصلي إلا في بني قريظة ، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فنقول: سمعنا وأطعنا.

والذين قالوا: نصلي في الوقت، قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقصد أن نؤخر الصلاة بل قصد أن نعجل الخروج، فنحن لما حل وقت الصلاة نصلي في الطريق، ونستمر في السير. ففعل هؤلاء كذا وفعل هؤلاء كذا، وعلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحداً منهم، مع أن الخلاف في أمر عظيم، في صلاة تؤخر عن وقتها أو تصلى في وقتها. وكذلك أيضاً اختلفوا في مسائل كثيرة، منها: امرأة حامل توفي عنها زوجها، فوضعت قبل أربعة أشهر، السنة جاءت بأنها إذا وضعت بعد موت زوجها ولو بدقائق انتهت عدتها، وانتهى إحدادها كما في حديث سبيعة الأسلمية أنها توفي عنها زوجها فوضعت بعده بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج.

ومنهم من يقول: لا. إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتظر حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن تمت أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع فإنها تنتظر حتى تضع، فيقال: نعم. إذا مضى عليها أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تضع فإنها تنتظر حتى تضع لا شك في هذا، لكن إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتهي عدتها، والذي خالف في هذا: علي بن أبي طالب و عبد الله بن عباس، وكلاهما فقيه عالم، ومع ذلك نرجع إلى السنة، وندع قول علي وقول ابن عباس ، السنة أنها إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتهي عدتها، وتحل للأزواج، حتى لو فرض أنها وضعت وزوجها يغسل ولم يصل عليه، فإن عدتها تنتهي، يعني: تنتهي عدتها قبل أن يُخرج بجنازة زوجها إلى المقبرة.

فأقول: يا إخواني! لا يجوز لنا أن نحمل الناس على ما نفهم نحن من الأدلة، ولا يجوز أن نجبر الناس على أن يصححوا ما لم يصح عندهم، والناس يحاسبهم الله عز وجل ويسألهم يوم القيامة: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (لقصص:65).

أيها الأحبة: إن هذه الصور المضيئة من تاريخنا لتذكرنا بصفحات أخرى من صفحات سلفنا الكرام في أدب الخلاف فإليكُمُوها فَعُوها واسمعوها، يتناظر ذات يوم [يونس بن عبد الأعلى] [والشافعي] -عليهما رحمة الله- فاختلفا في مسألة، وانفضت المناظرة، ولم يتفقا. يقول يونس: فوالله -الذي لا إله إلا هو- ما رأيت أعقل من الشافعي، جاءني في بيتي، وطرق بابي ودخل وسلَّم عليَّ، ثم أمسك بيدي بحنان وتحنان، وقال: يا [أبا محمد] ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟ ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟ لا ريب أن يقول ذلك الشافعي -رحمه الله- وهو القائل: ما جادلت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق بجانبه. هذا الكلام المضيء نهديه إلى الذين تضج بهم الساحة الإسلامية هذه الأيام، ممن يخيل لأحدهم أنه أعلم العلماء وأحكم الحكماء، فلا يعرف توقيرًا لكبير، ولا يجلُّ عالمًا، ولا ينظر إلى أحد أنه يستحق الاحترام إلا نفسه، فيقع في عِرْض هذا، ويُعَجِّلُ هذا، ويَجْرَح هذا.

وليس جراحهم في الجسم لكن ::: جراح النفس تفتك بالرجالِ

زيادة على أنْصِبَاء العلم ::: كواو عمرو أو كنون الملحق

تجد الواحد منهم يفكر بعقل غيره، ويسمع بأذن غيره، ويرى بعين غيره، ما قاله فلان هو الحق وما عداه فهو الباطل.

فلو لبس الحمارُ ثياب خَزٍ ::: لقال العمى يالك من حمارِ

ونقول لهم وللكل: ألا نكون إخوة إلا إذا اتفقنا تمامًا في كل مسألة؟ منذ متى اتفق الناس في كل شيء؟

هاهم صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قادة الناس، ومعادن العلم، وأولى الناس بكل فضيلة، يختلفون لكن انظر إلي اختلافهم وهم الأسوة والقدوة؛ تجده رفيعًا لا يفسد ودًا، ولا يكسر قلبًا، ولا يخدش عرضًا، إنما يحق حقًا ويبطل باطلا، يا طالب العلم، يا أخي الكريم: أتفرقني عنك مسألة؟ فترفع عقيرتك عليَّ، ولا تجمعني بك ألف مسألة اتفقنا عليها! هل هذا من العدل؟ هل هذا من الإحسان؟ (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ).

هلا جمعتنا أخوة الإيمان؟ كل شيءٍ بعد ذلك يأتي، ستكون الأخوة أقوى فتطغى، وكلنا ينشد الحق والحق أحق أن يتبع، والتجرد عن الهوى مطلب، لكنه عزيز المنال صعب المدرك، وما يلقَّاه إلا الصابرون.

هاهو الإمام [مالك بن أنس]- عليه رحمة الله- دخل المسجد ذات يوم وجلس، فغضب عليه أحد الغلمان قائلا له: قُم فَصَلِّ ركعتين، فقام وصلى ركعتين، فأنكر عليه بعض شياطين الإنس قائلا: أتسمع لغلام وأنت الإمام؟ فقال الإمام مالك: خشيت أن أكون ممن قال الله فيهم: (وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ) الله أكبر، أين نحن -طلبة العلم -من هذا الفقه، وأولئك الفقهاء الذين بطريقتهم تلك استصغروا أنفسهم في الحق فاستعظمهم الناس، وتحركت بأعمالهم عوالم بأسرها وما زالت تتحرك؟ إن من طلبة العلم اليوم من يتسرب إلى نفسه الكمال الزائف، فيرى في نفسه العلم كله والحكمة كلها، ويحصد فيها الهداية الكاملة، ويستفقد كل ذلك في الآخرين.

أوردها سعد وسعد مشتمل *** ما هكذا تورد يا سعد الإبل

إن دعاة الأمة وعلماءها المخلصين الصادقين هم الذين يلتزمون منهج القرآن في كل شيء، يلتزمونه في الحوار، وفي الرد، ولا ينساقون وراء حب الظهور والانتصار للنفس والتشفي، ولا يفرون من مرارة الصبر على الاعتراف بالخطأ الذي يمثل عاملا مُهِمًّا في تأهيل أئمة يهدون بأمر الله. (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).

ولابد لنا أن نلتزم هدي هؤلاء المخلصين ونتلمس وحدة المسلمين على حب ملأ القلوب، وحسن ظن تحكم في أفعالنا، فنقيم بعضنا البعض، وننصح بعضنا البعض، وننصف بعضنا البعض.

أهم المراجع

1- أخلاق العلماء، للآجري

2- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لابن عبد البر.

3- تذكرة السامع والمتكلم، لابن جماعة.

4- الفقيه والمتفقه للخطيب، البغدادي.

5- صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان الحنبلي.

6- أدب الطلب، للشوكاني

7- أدب الخلاف، للقرنى.

8- الخلاف أسبابه وآدابه.

9- فتاوى العثيمين.

10- مجلة البحوث الإسلامية.

11- شرح فتح المجيد، لعبد الله بن محمد الغنيمان

12- الوجيز في عقيدة السلف الصالح (أهل السنة والجماعة) عبد الله بن عبد الحميد الأثري.

13- الاختلاف في العمل الإسلامي الأسباب والآثار، ناصر بن سليمان العمرو.

14- شرح بلوغ المرام، عطية بن محمد سالم (المتوفى: 1420هـ).

15- مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة.

16- دروس للشيخ عبد الرحمن السديس.

17- أدب الاختلاف في الإسلام: طه جابر فياض العلواني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى