الأمة الثقافية

خالد الطبلاوي يكتب: “حديث النفس”.. قراءة في ديوان يوسف أبو القاسم الشريف

حديث النفس والرسم بالقصائد

قراءة لديوان “حديث النفس” للشاعر الكبير/ يوسف أبو القاسم الشريف

 

 

وإن تعجب فعجبٌ أن تجد من يتفوق على الريشة بالكلمة، وإن كان الرسم بالكلمات تعبير ابتكره الشاعر الراحل نزار قباني حين قال:

 

كلُ الدروبِ أمامنا مسدودةٌ
وخلاصنا .. في الرسم بالكلمات

 

فشاعر هذا الديوان تجاوز الرسم بالكلمات إلى الرسم بالقصائد، حيث رسم بفرائد ديوانه “حديث النفس” لوحةً خياليةً لم ترسمها ريشة فنان، بل رسمها شاعر ريشته شعره وألوانه قصائده، تقف أمامها مشدوهًا وتكاد تقسم أنه تعمد ترتيب قصائد ديوانه بهذا الشكل الذي رسم هذه اللوحة المتكاملة فتعال معي وانظر إليها.

 

فعلى ربوةٍ عظيمة وقف يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتقرب إلى الله بسلوك سبيله والسير على دربه، بعد أن عبر إلى الضفة التي تضم أتباعه وأحبابه، وذلك في قصيدة “طرقت باب السنا” التي يذوب من خلالها حبًّا في أحب الخلق وأكرمهم على الله فيقول فيها:

يا أشرف الخلقِ هامت فيك أشعاري = وراقص الحرفُ بالألحانِ أوتاري

وأنشدت بحنان الشوق أوردتي = وأينع الفرحُ مزهوًّا بأغواري

 

وعلى هذه الربوة يناجي بعد مناجاة القائد القدوة والأسوة طائفةً يراها قائمةً بأمر الله، ظاهرةً على الناس رغم ريح الخبث والتآمر، فيهتف: “يا بقايا الطيبين” وهو يهديها إلى أبطال غزة الذين يدافعون عن شرف وعزة وكرامة الأمة، وهم معه على ضفة المنتمين للقائد الأول صلى الله عليه وسلم، يقفون على شاطئ المعبر المائي المشتعل نارًا بأيدي الأعداء والمنافقين، يأخذون بأيدي من يعبر إليهم فيقول لهم:

 

يا شعاعًا من ضياء الفاتحين

يا عزاء المتعبين الصابرين

يا رياض الطاهرين

يا نشيد الحالمين

أنتم العزة قامت يوم نام الكل في درك الخؤون

 

 

هل رأيت؟ هذا جانب من اللوحة الرائعة، فماذا بعد؟

يأخذ الشاعر بشعره لونًا آخر ليرسم جانبًا من اللوحة، فيخاطب الواقفين في الضفة الأخرى الذين طاردوه وآلموه ورموه بالتهم، هؤلاء الذين قاسمهم اللقمة، وقطعوا معه أشواطًا من العمر، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، أضاء لهم الدرب فأرادوا أن يسملوا عينيه وقد كان يراهم لعينيه الضياء، يذكرهم بما كان بينهم فيقول:

 

أنا كنت فيكم شعاعًا وفكرًا = وكنتم بقلبي السنا المنتشر

أنا كنت فيكم صباحًا أصيلًا = وكنتم لعيني ضياء البصر

 

ثم يعاتبهم:

 

ولما أتت نائباتُ الزمانِ = وصرت الغريب العديم الأثر

ودارت رحى الغدرِ فينا وطالت = وزاد السعيرُ ولا من مفر

وكنتم ذراع الرحى يا صحابي = وكنتم هتاف الكذوب الأشر

 

يوجه إليهم حديثه وهم على الشاطئ الآخر مازالوا يرمونه بما استطاعوا من سهام التهم ورصاصات الافتراء.

 

وإذا كان صغار أتباع الظالم على الشاطئ، فإنَّ الكبار منهم على برجين من أبراج الحرب يوجهونهم في محاربة الصالحين الفارين بدينهم، وما هذان الصنفان إلا من يدعونهم المفكرين والمبدعين والمثقفين والإعلاميين، فيخاطب صنفًا منهم في قصيدته “صديقي الليبرالي” ساخرًا من محاولاته اليائسة في طمس الحق فيقول واصفًا أفكار هذا الليبرالي على لسانه حين حاوره:

 

فطلبت منه بيان ما قد قال لي = فأجاب: هل يخفى عليك مقالي؟

نأتي بغانيةٍ وشيخٍ عابدٍ = فيصليان بنظرةٍ وخيالِ

الشيخُ يبكي حاله بصلاته = وأمامه رقصٌ بكل دلالِ

وإلى الشباب نسوقها حريةً = ونزيل ما قد ران من أقفالِ

 

ثم تراه يرسم لنا مَن على البرج الآخر وهو المبدع المثقف –كما يدعونه زورًا- فيرسم ملامحه المعنوية بقصيدة “اكتب ولا تخجل” ويكشف سر عدائه للحق بقوله:

 

اُكتب وأسياف المعز هناك

تحرس من تبرقع من دنانير الخليفة

اُكتب وخذ من سطرك المحشوِّ بالبدع الأكاذيب انتصارًا زائفًا

تعلو به درج الوظيفة

 

ثم هو بعد ذلك يرسم جمعًا هم من بني جلدته، لسانهم لسانه، منهم من عبر إلى ضفة الحق والحقيقة، ومنهم من ينتظر، يناديهم بالحب فهو حاديهم ليجدُّوا في السير ويجتمعوا معه تحت رايةٍ واحدة على طريقٍ واحدٍ واضحٍ وذلك بقصيدته “عربيةٌ كل المواجع في دمي”  صاغها مرةً بشعر التفعيلة:

 

أنا يا أخي أبكيك في كلِ البلاد

أنا يا أخي صوتٌ يذكّرك النهار

أنا في دمشق ووسط بيروت الحزينة في الجنوب

أنا إن ذهبت إلى فلسطين الأبيةِ سوف تلقاني هناك

 

وأخرى بالشعر العمودي:

وجع العروبة قد ثوى بحلوقنا = مما نكابد من سعيرٍ مضرمِ

في كل شبرٍ للعروبة جرحه = وبكل دارٍ فيك رنة مأتمِ

دانت لنا الدنيا زمانًا عندما = كنا على نهج النبي الأكرمِ

 

 كأنما ينادي كُلًا بما يفهم ويهوى ويحب

 

ولا ينسى فنان الرسم بالقصائد أن يرسم لنا شهداء الحق، الذين قدموا أرواحهم وهم يعبرون إلى ضفة النور فنكاد نرى أرواحهم ترقى إلى السماء فيودعهم بهذه القصيدة “ليتني كنت الفداء”:

 

يا شهيدًا

أي بوحٍ أصطفيه!

أي شاراتٍ بكل عوالم الأحرار أرفعها

لكي أبقى معك؟

هل تراني صرتُ أهلًا كي أراك وأسمعك؟

 

ثم نرى في اللوحة طفلًا يمثل امتداده، فلابد لصاحب المبدأ من التوريث فيرسم لنا هذا الامتداد في قصيدة “حين تراءى طيفك لي” يناجي فيها ولده معاذ:

 

أرقب فيك الأمل الشارد منذ سنين

أنظر فيك بزوغ الفجر

أقرأ في عينيك حنان البوح

أبصر فوق جبينك كل معاني الطهر.

 

وهو لا يفوته أن يرسم لنا في أفق اللوحة صورةً مائيةً لقائده الميداني ورمزه المغدور، الذي أراد الخير لبلاده فخانه وتآمر عليه من كان يرسم لهم طريق الفلاح والنجاح، خانه من رفعهم وكان سببًا في رقيهم، فرسمه لنا بقصيدة “إننا كنا معك” هاتفًا:

 

لا لست وحدك سيدي

إننا كنا معك

كنت تزأرُ معلنًا

لا تتركوا من يذبح النور

ويأتي بالحلك

لا تتبعوا عبدًا شقيًّا

بالرزايا قد هلك

لكنهم قد أسلموك وقد تناسوا كل ما قد كان لك

 

ثم تأتي القصيدة الديوان “حديث النفس” أو مفتاح اللوحة أو ملخصها أو الوصية التي تبدو بحنينها إلى الآخرة وإلى الخالق عز وجل وكأنها وثيقة يمسك بها ليضعها في يد من جاء بعده على طريقه:

 

أسلمت كلي للكريم مخافةً = ودعوته ورجوته في شدتي

إني أنا الإنسان أعرف أنني =  خلق ضعيف هين في نطفتي

رباه قد سويتني ورفعتني = كرمتني وفطرتني بالرحمةِ

 

وتأتي القصائد “وحين تثاءب العمرُ” و” أنا راحل” و”بوح السنابل” التي تدعم بألوانها هذا الطابع الختامي الذي رسمته قصيدة “حديث النفس” وكأنها الرتوش أو خلفيات الصورة.

 

وهكذا يتفوق الرسم بالكلمات والقصائد على الريشة والألوان الحسية، وذلك مرجعه إلى الخيال الذي لا يحده حد، والذي تجود به الكلمات، حيث تترك لكل متلقٍ رسم لوحته الخيالية كما يريدها هو متأثرًا بما صاغه الشاعر من وجدانه، فتأتي الصورة غنيةً بالمشاعر والخيالات والتصورات، كلٌ يقرأها ويراها من زاوية نفسه.

 

أتمنى للشاعر القدير يوسف الشريف المزيد والمزيد من اللوحات الرائعة، يرسمها لنا بقصائده كأنها فرائد في عقدٍ فريد.

—————

خالد الطبلاوي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى