آراءأقلام حرة

فاطمة حماد نواف تكتب: حوار أم صراع!

أحببت مجالسة الكِبار، أولئكَ السبعينيون الذين ينطِقون بكل حرفٍ حكمة

لطالما أحببت مجالسة الكِبار، أولئكَ السبعينيون الذين ينطِقون بكل حرفٍ حكمة.. يشد ناظري رؤية زهرة اوركيدا بيضاء بارزة في حقل زهورٍ وردية، تماماً كما كوني في مكانٍ عام ويزعجني إنجذابي لشخصٍ مُسن بين مئات الأشخاص العشوائيين، فأتمنى لو أترك ما بيدي وأجالسه أو أحادثه أو حتى أكتفي بالنظر إليه.

يا إلهي كم أحب أحاديثهم الواثقة وإعتزازهم بأقاويل أسباقهم!

كم أحب تعصبهم، عنفوانيتهم، إنشغالهم بالثرثرة في إنتقاد هذا الجيل و قسوتهم احياناً!

أحب أحاديث الجدّات وذلك النضج المتجسد بتجاعيد وجوههنّ، أرى كل طية تحمل بين ثناياها قِصة وحكاية أنجبت أجيالاً وأجيال

يكاد عقلي _لا شعورياً_ يفتح جُلّ أبوابه لإستقبال رسائلهم الذهنية (حتى السلبية منها !)

إعجابي بتلك الصامتة التي تمشي بحذر، بظهر محدودب؛ حيث لا متكأ لها سوى عكازها

والثانية التي تمضغ كلامها _بمنتهى الحكمة_ قبل أن تبصقه في وجه من حاول أذيتها.. وأخرى تملك ذاكرة من فولاذ ،  تسرد بها قصصاً ذاتَ أمجاد.

ذلك التعمق يقودني في بعض الأحيان إلى الإنغماس المفرط في دور العجوز المسنة! فأعيش دور العجوز بكل حذافيره، تلك العجوز المؤمنة بالزوال، الملحدة عاطفياً والمتغطرسة أحياناً.. لا أعلم ما الذي يجذبني لأعيش آناً ليسَ أوانه.

لكنني بنفس الوقت أحب الطفولة والصغار

تلك الوجوه المرحة البريئة التي أقرأها و أفهم لغتها بسهولة

ولا أقول لكم أشك بأنني _في بعض الأحيان_ أفهم طلباتهم أكثر من أمهاتهم ، بل أجزم لكم ذلك.

هم ليسوا زهوراً فحسب ، هم زينة الحياة الدنيا

تعجبني طهارة قلوبهم ، ضحكاتهم و خصوصاً الإناث منهم ..

احب ابتسامتها التي تنثر زهوراً وردية، نقاوة روحها، حتى أدق تفاصيلها ، كأسنانها الأربع أول ظهورها، أنفها المتسخ بالحلوى، بريق عينيها وانحناء شفتيها قبل أن تبكي، قهقهة ضحكاتها، النخلة الصغيرة التي في أعلى رأسها، فساتينها المورّدة، محاولة كلامها، لفظها للحروف، وإخراجها للكلمات بشكل مشوّه، ذلك التشوّه يصهر القلب عشقاً.

أهوى اللعب معها، المشاكسة، الجري، القفز، الطيش البرئ، بل وحتى الصراخ

تستهويني حياة تلك الطفلة الشقية التي لا يهمها أن تعلم شيئاً عن الحياة سوى أنها بين أحضانِ والديها وإمتلاكها دمية بسيطة و قلب ربيعيٍّ ضاحك.. أشعر أحياناً أنها تشبهني إلى حدٍ ما، روحي تتأرجح بين شقاوة الأطفال ونضج الشيخوخة.

لستُ إلا محضُ كتلة مشتتة ، بين ثلاث :

قلب طفولي وعقل ستيني وجسد عشريني، جسد يعيش ألوان التناقضات والصراعات الداخلية كل يوم؛ يترنح بين قلب وعقل، بين طيش وحكمة، بين عاطفة ومنطق، بين رقة طفلة شقية وقسوة عجوز صارمة.. صراعات ونزاعات دائمة بين هذين الخصمين.

وغالباً يكون الفوز حليفاً لتلكَ الحكيمة القاسية
صدقاً امسيت أتمنى..

منهما أن يتآلفا، أو يقاربا عمريهما، وإلا فليغادرا الحلبة!

اتمنى أن أتوقف عن الصراعات الداخلية التي تؤذيني، وتلحق الأذى بكل من أحب، لا ضيرَ أنها آلمت غيري بقسوتها.

وأكثر ما يكسرني هو أن أكون سبباً في ألم أحدهم..

أتمنى أن أعيش عمري كما يعيش أقراني

لا أتقدم أو أسبق عمري، ولا أتأخر

أريد قلباً و عقلاً كأقراني .. أريد صُلحاً مع ذاتي .. أريد سلاماً داخلياً ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى