آراءمقالات

السابقون.. أسد الله حمزة

حمدي شفيق
Latest posts by حمدي شفيق (see all)

في غمرة المحنة التي مرّ بها المسلمون المُستضعفون في مكة، بدأت بشائر التمكين فى الظهور..

فقد كان الأذى الشديد سبباً مُباشرًا في إسلام حمزة بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم وأخيه من الرضاعة..

إذ خرج النبي ذات يوم إلى الكعبة، فتعرّض له اللعين «أبو جهل» فشتمه وسَبّه سبابًا قبيحًا، ولم يردّ عليه صلى الله عليه وسلم.

وكان حمزة عائداً من الصيد، فأخبرته جارية لعبد الله بن جدعان بما أصاب ابن أخيه على يد أبى جهل.

وأراد الله تعالى بحمزة الخير كل الخير،فاندفع غاضبًا إلى مجلس أبى جهل، وسط زعماء قريش، وصاح به: أتشتم ابن أخي؟! فأنا على دينه، فرُدّ علىّ هذا إن استطعت، وضربه بالقوس ضربة أسالت الدماء من رأسه.

وثار بنو مخزوم،يريدون الانتقام لكبيرهم، لكن الله تعالى أخزى أبا جهل، فمنعهم قائلاً:

دعوا أبا عمارة «حمزة» فإني سببت ابن أخيه سبّاً قبيحًا.

وهكذا بدأ حمزة رضي الله عنه إسلامه حمية وانتصاراً لإبن أخيه أولًا، ثم شرح الله صدره للتوحيد بعدها..

وقد أعزّ الله الإسلام منذ ذلك اليوم، خاصة بعد إسلام الفاروق عمر رضي الله عنه في ذات الأسبوع، فخرج النبي ﷺ وأصحابه في صفين كان في أحدهما حمزة والآخر عمر، ليطوفوا بالكعبة، جهارًا نهارًا -لأول مَرّة- و لم تجرؤ قريش على التعرّض لأحد منهم ولو بشطر كلمة..

ويُعلّق ابن إسحاق على ما جرى بعد إسلام حمزة قائلًا: «لمّا أسلم حمزة، علمت قريش أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد امتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكَفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه».. واستمر حمزة رضي الله عنه في حماية المسلمين، إلى أن هاجروا إلى المدينة، وتأسّست هناك دولة الإسلام..

وفي غزوة بدر كان حمزة وعلى وربيعة بن الحارث هم أول من بارز، وكان خصم حمزة في المبارزة هو عتبة بن ربيعة أحد سادات الجاهلية، وفي دقائق معدودات أجهز عليه الأسد الهاشمي، كما قضى على شيبة بن ربيعة، وأصاب أبو عبيدة وخصمه الوليد بن عتبة كل منهما الآخر، فاستشهد أبو عبيدة -لاحقًا- متآثرًا بجراحه، بينما هلك الوليد في ساعته، وكان هذا التفوّق الكاسح في المبارازات هو بشارة وبداية الانتصار الساحق في غزوة بدر..

وفي غزوة أحد كان حمزة هو طليعة الأسود واستطاع مع باقي أبطال التوحيد إلحاق الهزيمة بجحافل الكافرين، و لكن الرماة خالفوا أمر النبي ﷺ بعدم ترك موقعهم على الجبل مهما حدث، وانتهز المشركون الفرصة، فهاجموا المسلمين من الخلف، واستشهد سبعون صحابيًا، على رأسهم الأسد حمزة بن عبد المطلب، رضي الله عن الجميع..

وقد أحزن استشهاد العم البطل قلب الحبيب وأبكى عينيه الشريفتين.. ويروى ابن إسحاق الموقف بقوله: «وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد بُقِرَ بطنه عن كبده، ومُثّل به فجُدِع أنفه وأذناه، فحزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم».

فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.

ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: «لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت موقفا أغيظ إلي من هذا»

وكُفّن حمزة في بردة،إذا غطي رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه خرج رأسه، فغطي رأسه و جعل على رجليه إذخر.

 ووضع النبي صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه، ثم جيء برجل فوضع فصلى عليهما جميعا، ثم رفع الرجل وجيء بآخر، فما زال يفعل ذلك حتى صلى يومئذ على حمزة سبعين صلاة..

وأقبلت صفية بنت عبد المطلب شقيقة حمزة لتنظر إلى حمزة قبل دفنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: (القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها)، فقال لها: «يا أمت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي، وذلك في الله،ما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله».

فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته ونظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له.

ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم منظرا أوجع لقلبه من منظر حمزة مقتولا ممثلا به، فقال: «رحمك الله أي عم- فلقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخيرات، فوالله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلن بسبعين منهم» فما برح حتى نزل قول الله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)}.. سورة النحل..

فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم و صبر، ونهى عن المثلة..

ويكفى حمزة رضي الله عنه أنه قد نال الشرف العظيم فى الدنيا والآخرة بشهادة الحبيبﷺ له: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى