آراءمقالات

حقيقة الأيديولوجيات

Latest posts by د. مصطفى حلمي (see all)

ظهر في العصر الحديث ما يسمى بالأيديولوجيات

وهي في حقيقتها وجوهرها كما يذكر أرنولد توينبي: – أديان بغير اسم الأديان –

( وهي النُظُم التي يؤمن بها الناس كدين ورسالة،

السياسة والنظريات الاقتصادية مثل:

الوطنية والديمقراطية، والاشتراكية والدكتاتورية، والشيوعية، وهي أقل مسامحةً لمن لا يدين بها، وأشد قسوةً على منافسيها )

وآيةُ ذلك أن أصحابَ الأيديولوجيات يضعون نظرياتِهم في قوالب تضاهي العقيدة الدينية تمامًا،

 

فإنها تتسم بطابع الاعتقاد الإيماني إلى حد اعتبار المعتنق للأيديولوجية بمُثُلها المقاتل والمدافع عن حقيقتها المطلقة،

وبكلمة واحدة أنها عقيدة تأخذ طابع الإيمان بها، والدفاع عنها، وربما التضحية في سبيلها أيضًا،

خذ مثلًا (الوطنية)

التي يربط المؤرخ توينبي بينها وبين العبادة بقوله:

(فإن أخطر ظاهرة يواجهها العالم اليوم في البلاد المُسَلَم بديمقراطيتها وباعتناقها المسيحية، أن أربعة أخماس عقيدة جمهرة السكان،

هي فعلًا العبادة الوثنية البدائية للجماعة، التي أصبحت موضع تأليه جمهرة الناس،

وهي عبادة تستتر وراء كلمة لطيفة هي (الوطنية).

إن أتباع الأيديولوجيات يصفونها بصفات الرسالات السماوية، ويضعون لها ركائز تتمثل في إرادة التغيير والتوجه للبشر بالخطاب، ومن ثم تتطلب الاتباع.

 

كما يَدَّعون تقديم التفسير الشامل للعالم،

ويطالبون أتباعها بالعمل في سبيل حمايتها،

ورفع راية الكفاح ضد مخالفيها.

 

تغيير العالَم

 

فالأيديولوجية تريد تغيير العالَم عن طريق الناس الذين يعتقدون بها،

وتحتاج إلى مادة بشرية قابلة لمخاطبتها لتوقظَ في نفوسهم تلك الطاقات الإيمانية والإرادية التي تحتاجها لبلوغ أهدافها،

أي اجتماع العقيدة والعمل والهدف معًا.

 

ويدعي أصحاب الأيديولوجية أنهم أصحاب النظرة الشاملة للعالَم التي تقدم تفسيرًا شاملًا وجامعًا للعالَم،

فهي في نظرهم موقف تقييمي من العالَم، ثم تتحول في نظرهم إلى مقياس الحياة الإنسانية،

وتطالب في الوقت نفسه بسريان مفعولها على جميع الناس وكل مجالات حياتهم، والتدخل حتى في التفسيرات العلمية !!.

 

كذلك لا تفلت الفلسفة كمنافس للأيديولوجية من الاتهام، شأنها في ذلك شأن العلم أيضًا؛

لأنها لا تشارك – أي الفلسفة – في الإيمان بقابلية العالَم الكلية للمعرفة،

وأنها تُبدي موقفًا أساسيًا يختلف عن موقف كل من الأيديولوجية والنظرة الشاملة للعالم.

وهذه النظرة الشاملة كما تتطلب الاتباع،

فإنها تنطوي على مطلب ثانٍ بالنسبة لها،

وهو الكفاح ضد أعدائها؛ لأنهم يحولون ضد انتشار الحقيقة وانتصارها بين الناس أجمعين

 

(ألم يصبح المعتنقون للأيديولوجيات الدنيوية الجديدة -الفاشية والشيوعية والنازية وما في حكمها-

من القوة بحيث نجحوا في تسلم زمام الحكم في بلادهم وفرض مذاهبهم ورسومهم باستخدام أساليب القمع والاضطهاد؟)

 

إلى هنا يتبين لنا أن الأيديولوجية تضع نفسها في قوالبَ دينية، ولكن لأنها تصدر عن باطل،

فهي تفضح نفسها عندما ترسمُ طريقَ دعوتها،

فلا بأس من تشويه الحقيقة أو تلفيقها متى كان الأمرُ متعلقًا بوصم نظرة العدو ودفع تصرفاته العملية.

 

كما أنها تغذي خيالَ أتباعِها بالتصورات الوهمية عندما يقومون بوصف عالَمِهم الخاص،

لكنهم يقدمون التضحيات ويتحملون الآلام بغية الوصول إلى الهدف المنشود.

 

ولكن لما كان (الدين) هو الأصل، و(الأيديولوجية) هي المعدن الزائف المقلد للأصل،

فقد أخذت في الانحسار بعد التطبيق، وعادت الريادة للدين من جديد في الوقت الحاضر.

 

نود القول من كل هذا:

 

إن كان أصحاب الأيديولوجيات يترسمون خطانا، فإننا أولى بإظهار الإسلام كعقيدة، ونظام حياة وتفسير للكون والحياة والإنسان بطريقة تجعلنا في موقف التحدي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى