الأمة الثقافية

حضارات دمّرها تغيّر المناخ

شهد العام الجاري أحداثا مناخية قاسية في شتى أنحاء العالم، شملت حرائق الغابات الواسعة، وارتفاع درجات الحرارة بشدة، وهطول الأمطار الغزيرة والفيضانات الهائلة؛ مما فتح باب المقارنات التاريخية في دورات وحقب قديمة تسبب فيها تغير المناخ في انهيار حضارات وتفكيك ممالك عريقة.

وفي تقرير نشره موقع “المنتدى الاقتصادي العالمي”، قال الكاتب شون فليمنغ إن كوكب الأرض شهد 7 دورات للعصر الجليدي، تميزت بتوسع الأنهار الجليدية وتقلصها على مدى 650 ألف سنة الماضية.

وانتهى آخر عصر جليدي رئيسي منذ 11 ألف عام، ومنذ ذلك الحين كان المناخ مستقرا في الأغلب، رغم العصر الجليدي الصغير الذي شهدته الأرض بين 1200 و1850 م، لكن تغير المناخ لا يقتصر على انتشار الأنهار الجليدية، إذ دُمرت العديد من الحضارات العظيمة بسبب تأثيرات الظروف المناخية المتغيرة محليا.

المايا

ذكر الكاتب أن تاريخ حضارة المايا في أميركا الوسطى يقدر بنحو 3 آلاف عام، وامتدت هذه الإمبراطورية في جميع أنحاء شبه جزيرة يوكاتان وغواتيمالا وبليز وأجزاء من المكسيك وغرب هندوراس والسلفادور.

كانت الزراعة أساسية في حضارة المايا، وكانت المدن العظيمة تبنى مع نمو السكان، ولطالما كان الدين جزءا مهما من حياة المايا، وكانت التضحية -بما في ذلك التضحية البشرية- من الطقوس المعتادة؛ بهدف استرضاء وتغذية الآلهة والحفاظ على خصوبة الأرض.

لكن في وقت ما حوالي 900 م، بدأت الأمور تسوء بالنسبة لهذه الحضارة، حيث شكل الاكتظاظ ضغطا كبيرا على الموارد، وأدت المنافسة المتزايدة عليها إلى دخول المايا في صراع عنيف مع الدول المجاورة، كما أنذرت فترة الجفاف الطويلة بالموت؛ مما أدى إلى تدمير المحاصيل وقطع إمدادات مياه الشرب، لكنهم ليسوا الحضارة القديمة الوحيدة التي حلت بها كارثة بسبب تغير المناخ.

الإمبراطورية الأكدية والخمير

منذ أكثر من 4 آلاف عام في بلاد ما بين النهرين حكمت الإمبراطورية الأكدية مناطق واسعة، لكن الجفاف الذي استمر 300 عام دمّر جميع خططها.

وعندما طالت الآثار المترتبة على الجفاف السكان اضطروا إلى مغادرة المناطق المنكوبة والهجرة إلى مناطق تنتشر فيها الغابات، إلا أن أحداث الهجرة الجماعية زادت الضغط على الموارد المتبقية، مما أدى إلى تفاقم المشاكل.

انهارت الإمبراطورية بشكل مفاجئ، ودخلت في حالة من الصراع الشديد والهجرات الجماعية. تقول بعض الكتابات القديمة إن السبب هو غضب الآلهة على ملك البلاد الآثم، لكن فريقا من جامعة أوكايدو اليابانية توصل لسبب آخر؛ إنه الشتاء البارد الطويل، حسب تقرير سابق للجزيرة نت.

وجاء في الدراسة أن بلاد ما بين النهرين عانت من شتاء طويل وجاف في تلك الفترة، وانخفضت خلاله كميات الأمطار بشكل غير مسبوق، وارتفعت في المقابل معدلات هبوب رياح الشمال الباردة مع عواصف ترابية، وهو سلوك مناخي يتوقع أن يؤثر بشكل كبير على النشاط الزراعي في أي مكان.

ويمثل معبد “أنغكور وات” الشهير في كمبوديا تذكيرا جيدا ببراعة حضارة أخرى من الحضارات المفقودة في التاريخ، وهي إمبراطورية الخمير في جنوب شرق آسيا، التي كانت مملكة مزدهرة في بلاد الهند الصينية بين 802 و1431 م، لكنها دمرت نتيجة الجفاف الذي تخللته أمطار موسمية عنيفة على خلفية تغير المناخ.

الفايكنغ

ويعتقد أيضا أن مستوطني الفايكنغ في غرينلاند في أقصى شمال المحيط الأطلسي تأثروا بتغير المناخ، حيث عاش 5 آلاف مستوطن في الجزيرة لنحو 500 عام، لكن حياتهم تغيرت بسبب تغير المناخ؛ فقد انخفضت درجات الحرارة في الجزيرة، مما قلل بشكل كبير إنتاج مزارعهم وجعل تربية الماشية أكثر صعوبة.

ورغم محاولتهم تغيير عاداتهم الغذائية والتركيز على البحر كمصدر للغذاء، فإن الحياة في غرينلاند أصبحت صعبة للغاية؛ مما دفعهم في نهاية المطاف إلى مغادرة الجزيرة.

قد تكون الدورة الطبيعية لتغير المناخ جزءا مستمرا لا مفر منه في الحياة، لكن يبدو أن التاريخ يحاول إخبارنا أنه عندما استنزفت الحضارات السابقة الموارد الطبيعية، سرعان ما تفاقمت آثار تغير المناخ مخلفة عواقب وخيمة لكل من اعترض طريقها.

القلق من المستقبل

منذ ظهور الثورة الصناعية ضُخت كميات متزايدة من الغازات الملوثة في الغلاف الجوي؛ مما أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة بمعدل غير مسبوق.

ووفقا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن النشاط البشري تسبب في ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجة مئوية واحدة تقريبا.

وبين 2030 و2052، من المرجح أن ترتفع درجة الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية. وهذه الزيادة يمكن أن تتسبب في انقراض بين 20 و30% من أنواع الحيوانات، حسب تقرير موقع “المنتدى الاقتصادي العالمي”.

وأشار الكاتب إلى أنه في حال ارتفعت درجة حرارة الكوكب بمتوسط درجتين مئويتين، فإن الضرر سيكون أسوأ؛ إذ يتمثل أحد تهديدات تغير المناخ بالنسبة للبشر في ارتفاع مستويات سطح البحر، علما بأن 8 مدن من أكبر 10 مدن في العالم تتمركز على الشريط الساحلي.

ويتمثل التهديد الآخر في خطر الجفاف الناجم عن المناخ الذي قد يتسبب في هجرة جماعية مماثلة لتلك التي حدثت منذ آلاف السنين.

وحذر تحالف المناخ والهجرة من أن البلدان المنكوبة في نزاع مسلح أو حرب أهلية معرضة بشكل خاص للمجاعة في حالة الجفاف.

وتضررت منطقة القرن الأفريقي، التي تضم جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا والصومال، بشدة جراء الصراعات وتغير المناخ، حيث يواجه حوالي 13 مليون شخص هناك نقصا خطيرا في الغذاء.

وفي الأجزاء المضطربة من العالم، من الصعب للغاية مواجهة تحديات الجفاف والمجاعة لأن مهمة إيصال المساعدة إلى الناس في منطقة الصراع تكون محفوفة بالصعوبات والمخاطر.

وهذا يمكن أن يجعل الآثار أكثر عمقا وطويلة الأمد، مما سيزيد بدوره من احتمال تشرد أعداد كبيرة من الناس بحثا عن مكان يمكنهم العيش فيه.

ويختم التقرير بالقول إنه لا يجب الاستهانة بالتحدي الذي يواجه عالمنا بسبب تغير المناخ، لكن على خلاف حضارات المايا وبلاد ما بين النهرين والحضارات القديمة الأخرى، يستطيع الناس في القرن 21 إنقاذ الوضع.

—————————-

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى