آراءمقالات

حصاد الثورة المضادة بعد 8 سنوات

Latest posts by ياسر الزعاترة (see all)

تحتاج قوى الثورة المضادة في الوضع العربي أن تراجع حساباتها بعد ثماني سنوات من الجهد والنزيف المالي منقطع النظير؛ كي ترى أي نتائج حققتها على الأرض.

 

إذا لم يقرر قادة تلك “الثورة” أن يراجعوا حساباتهم، وأصروا على المضي في السبيل ذاته، فهم أحرار، وربما لن يشعر كثير من الناس في العالم العربي بالتعاطف معهم، لكن المصيبة أن حصادهم سيصيب الأمة جمعاء، ولن يتوقف عندهم، حتى لو بقيت تلك الأنظمة قائمة ولم تتغير، فالمشهد سيكون بين كارثتين؛ إما نجاح الصهاينة في فرض شروطهم وتصفية قضية الأمة، وإما نجاح إيران في مشروع التمدد، بما يفتحه من نزيف أكبر سيطول ويطول.

 

لم يحدث، ربما في تاريخ الأمة، أن استخدم فائض المال لدى بعض أبنائها، أو أنظمتها بتعبير أدق، في محاربة أشواقها في الحرية والتحرر والاستقلال ونبذ التبعية والفساد، كما حدث خلال الأعوام الثمانية الماضية.

 

لم يقل أحد إن ربيع العرب كان انقلابا جذريا على كل الأنظمة، وكان بوسع الكثير منها أن تجري بعض الإصلاحات التي تمنحها سندا شعبيا، من دون أن تضطر الجماهير إلى المطالبة بالتغيير الشامل، لكن هوس السيطرة الكاملة على السلطة والثروة، والتعامل مع الأوطان بوصفها مزارع هو الذي دفع البعض إلى ذلك التعاطي الهستيري مع الربيع العربي، ولا شك أن ذلك قد وجد إسنادا من قوى كبرى ليس في مصلحتها أبدا أن تغدو تلك الأنظمة معبّرة عن أشواق شعوبها آنفة الذكر، سواء جاء ذلك انحيازا لمصالحها الذاتية كقوى إمبريالية، أم بسبب الحرص على مصالح الكيان الصهيوني الذي ليس له في وعي جماهير الأمة غير الرفض المطلق.

 

أيا يكن الأمر، فقد تحدثنا في ذلك مرارا وتكرارا، ولا حاجة لاستعادته من جديد، وما يعنينا هنا هو الحصاد الذي لن نكون متجاوزين للحقيقة إذا قلنا إن كان حصادا مرّا بامتياز.

 

لعل الأبعد الأكثر أهمية في الحصاد المر هو ذلك الكره الذي حظيت به تلك الأنظمة في الوعي الجمعي للأمة، وهو ما لا ينافسه فيها أحد، ربما باستثناء نظام بشار الأسد، بما ارتكبه من مجازر بحق الشعب السوري، ومعه ومن ورائه التحالف الإيراني الذي استخف بالغالبية في المنطقة، وساهم في مجزرة القرن في سوريا، فضلا عن العراق واليمن.

 

ربما كان الإنجاز الأكبر الذي حققته أنظمة الثورة المضادة هو ضربها للثورة المصرية، ولكن السؤال التالي الذي يطرح نفسه هو: هل يبدو نظام بعد الثورة مستقرا بالكامل، بحيث يضمنون أن شيئا لن يحدث في السنوات المقبلة (الاحتجاجات الأخيرة طرحت هذا السؤال)؟

 

أما الأهم، فهو حساب الموقف من زاوية مصالحها الذاتية، وهنا ينبغي أن نتذكر أن عدوها الأهم إذا تجاوزنا المسألة المبدئية في اعتبار المشروع الصهيوني هو العدو الأكبر للأمة، هي إيران ومشروع تمددها، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا قدم النظام الحالي في مصر لها في مواجهة التمدد الإيراني؟ ألا تراه يقف متفرجا ولا يفعل شيئا، مع علم الجميع أنه لو حسم موقفه ضد ذلك التمدد لتغير ميزان القوى برمته؟!

 

وإذا كان المراقبون يجمعون على أن التحدي الإيراني هو الأهم بالنسبة لتلك الأنظمة، فإن سؤال الموقف الراهن يبدو بالغ الأهمية، لا سيما بعد هجمات “أرامكو” وما سبقها من هجمات في الإمارات، والتي كشفت هشاشة تلك الأنظمة أمام إيران، بخاصة أن ترامب لا يريد حربا بحال، وهو يكتفي بالابتزاز عبر مساعدات لا تردّ عدوانا ولا تغني من خوف.

 

لقد كانت هواجس مطاردة ما يسمى “الإسلام السياسي” هي كلمة السر وراء ذلك كله، والأسوأ أن تلك الهواجس بقيت أولوية حتى حين حلت أولويات أخرى أكثر أهمية.

 

ولنتذكر أن الغالبية في المنطقة قد احتفلت بـ”عاصفة الحزم” رغم قناعاتها بأن من يقفون وراءها هم الذي بدأوا لعبة المطاردة للثورة اليمنية، لكن هاجس “الإسلام السياسي” عاد ليحضر هنا أيضا، عبر مطاردة تجمع الإصلاح أو التعامل معه كحليف مشكوك فيه، ما أطال نزيف اليمن، وصولا إلى مشهد النزيف الراهن.

 

بعد ذلك، نتذكر خطاب التطبيع البائس مع الكيان الصهيوني، والمعركة الخاطئة والفاشلة مع قطر، ثم الفشل في ليبيا وتونس، وقبل ذلك وبعده في سوريا التي تعدّ أساس مشروع التمدد الإيراني (الحريري صار شبه تابع لحزب الله!!)، فأي حصار مرّ جناه هؤلاء، ولماذا لا يعيدون النظر في مسارهم، بخاصة أنهم يضيفون إلى ذلك كله اشتباكا داخليا مع شعوبهم ينتج سخطا يغلي تحت السطح، وإن اختفى قليلا تحت وابل من القمع الرهيب؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى