أقلام حرة

حشاني زغيدي يكتب: الإسلام ورسالة السلام العالمي

Latest posts by حشاني زغيدي (see all)

يحتفي العالم، كل سنة بتاريخ 16 ماي، باليوم العالمي للعيش معا في سلام،

ونحسب أن المناسبة كقيمة إنسانية جد ملحة، لأن العالم اليوم لا يعرف أي معنى للقيم الإنسانية، فالحروب والمجاعات والأوبئة،

والتفرقة العنصرية، وغياب قيم التضامن الإنساني،

يجعلنا نقف وقفة حياد نستوحي الذكرى بالعودة لتاريخنا المشرق،

والذي كان مدرسة نموذجية في ترسيخ قيم السلم والمصالحة والتسامح في كل مجتمع وبين الأمم. أعيد نشر مقالتي المنشورة تذكيرا بالمناسبة.

أن يرتبط اسم السلام بأسماء الله الحسنى المتعبد بها وإن يقترن ذلك الاسم بالسلامة والأمن والأمان، فربنا موصوف بكل صفات الكمال قال تعالى:

{هوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمتَكَبِّرُ ۚ سبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يشْرِكُونَ (23)

هوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)} [الحشر]

الإقامة في جنة بلا أحقاد وأضغان

وأن يقترن هذا اللفظ المعجز بأسماء الجنة لتلك الدار الطيبة، التي تهنأ فيها النفس من متاعب الحياة وصراعاتها وتقلباتها،

فتكون الإقامة في جنة بلا أحقاد وأضغان، أو نزاعات وحروب، يدخلها المسلم بسلام وأمن، يقول الله في ذلك:

(وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

ثم يرتقي معنى السلام أن يكون عنوانا لهذا الدين، فيكون الإسلام دين سلم و سلام،و أمن و أمان في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.

وليس عجبا أن يرتبط السلام والسلم في رسالة الإسلام فيكون شعار المسلم المعتدل الوسطي،

حين تربط تحية الإسلام بهذا اللفظ الموحى لكل المعاني والمقاصد بكلمة السلام،

لفظ دال لا يحتاج صاحبه لطول شرح، فكل من تبادله التحية محاط بالسلامة والأمن،

فلا يلحقه منك أذى أو غدر، أو خيانة فهو مؤمن بعقد أمان، فيشعر معه صاحبه بالمطمئنة والراحة والسكينة، راحة ليس معها خوف.

هذه هي رسالة الإسلام للدنيا، فهي رسالة تحمل دعوة للإنسانية، تحمل خيرا للبرية،

رسالة تحمل آمانا للإنسانية، رسالة لا خوف معها، رسالة تحمل التباشير والهداية، رسالة بشرت بها الأحاديث النبوية الشريفة الراقية في قيمها.

يروي ذلك البراء بن عازب يقول :

(أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ،

وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَام)

[صحيح البخاري عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ]

هذه هي رسالة الإسلام السمحة النقية، المتبرئة من الغلو والتطرف والانحراف والشطط، رسالة مبرأة من زيف المنتحلين؛ من العملات المزيفة،

رسالة نقية بلغها صاحبها محمد رسول الله في كمال دون تحريف أو تشويه.

إن رسالة الإسلام عمّ نفعها للجميع، فكانت رسالة رحمة للحيوانات فقد دخلت امرأة النار من أجل حبس هرة بمنعها الطعام و الماء، وهو درس بليغ للعقلاء المنصفون.

رسالة الإسلام سبقت مواثيق جمعيات الرفق بالحيوان

فرسالة الإسلام في هدبها سبقت مواثيق جمعيات الرفق بالحيوان والمؤسف أننا لا نتصفح صفحات تاريخنا المشرق المليء صفحاته بالروائع  حواها  سجل حافل.

جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-

أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:

(بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث،

يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل:

لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء،

ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجراً؟

فقال: في كل كبد رطبة أجر)..

إن رسالة الإسلام رسمت في مقاصدها الشرعية حماية حياة الإنسان بكل أبعادها،رسالة، فحرمت كل أمر يمس بسلامة المعتقد؛

لأن الإنسان لا يستطيع العيش بلا دين أو معتقد فكان الإسلام رسالة تدعو للإيمان بالله تعالى ورسالة تدعو لمحاربة الشرك بجميع صوره،

فحمت شعائر التعبد،و حضت الأتباع إلى الفضائل،و محاربة الرذائل.

ومن رسائل الإسلام لتحقيق السلام الحفاظ على حرمة أدمية الإنسان،

فحرمت دمه وماله وعرضه فأحقت له حق الوجود، فلا يحق لأحد أن يمس سلامة حياته، إلا في الإطار الشرعي القانوني حماية للمصالح،

وقد تميزت رسالة الإسلام عن غيرها فحافظت على حماية العقل الإنساني،

فكانت كل الأحكام والتشريعات تنص على حرمة ما يضر هذا العقل، من المسكرات بكل أنواعها، والمخدرات وسمومها،

فرفعت قدر العلم وشأنه و شجعت البحث والنظر والتفكير، فكان الإسلام رسالة يقظة ونهضة، فرفضت الجمود والتخلف والتبعية العمياء،

وأعلت حق الاجتهاد والنظر فلا حجر على العقول، ورفضت مخلفات العصور الوسطى التي أذاقت أوروبا  مرارتها.

أبعاد رسالة الإسلام

فالإسلام عبر عصوره لم يقم محاكم التفتيش للعلماء ولم يصلبهم، ولم يشهد الإبادات العرقية التي عرفتها الإنسانية

ومازالت تمارس في شكل حروب عرقية أو دينية أو طائفية،

فرسالة الإسلام في أبعادها تركت بصمات واضحة في تاريخ الإنسانية وفي حضارات الأمم.

إن رسالة الإسلام حملت الروائع فالإسلام دين سلام وحرية وعدل، دين محبة ووئام، وليس دين عنف وإرهاب كما يصوره البعض،

أو كما يسوقه الجهلة، إن الإسلام أقام صرح الحياة بنظام فريد خالد في كتاب محكم قوامه كرامة الإنسان .

يقول الله تعالى

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ

فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}

( سورة المائدة 32).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى