آراءبحوث ودراسات

حسن الدقي يكتب: تاريخ الجماعات الإسلامية بين التخوين والتقويم

Latest posts by حسن الدقي (see all)

إن أحد معايير بناء المشروع الإسلامي أو الاجتهاد الكلِّي الذي تحتاجه الأمة هذه الأيام هو معيار الإنصاف والتوازن وعدم الوقوع في الانتقائية التاريخية عند قراءة وقائع أخطر القرون التي مرَّت بها الأمة ولا زالت، أعني به القرن الرابع عشر الهجري أو القرن العشرين الميلادي، وذلك تطبيقا لقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة:8

ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تباغَضوا، ولا تدابروا، ولا يبِعْ بعضُكُم علَى بيعِ بعضٍ، وَكونوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلِمُهُ ولا يخذلُهُ، ولا يحقِرُهُ التَّقوَى ههُنا ويشيرُ إلى صدرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ بحسبِ امرئٍ منَ الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المُسلمَ، كلُّ المسلمِ علَى المسلمِ حرامٌ، دمُهُ، ومالُهُ، وَعِرْضُهُ وفي روايةٍ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: فذَكَرَ نحوَ حديثِ داودَ، وزادَ، ونقصَ، وممَّا زادَ فيهِ إنَّ اللَّهَ لا ينظرُ إلى أجسادِكُم، ولا إلى صورِكُم ، ولَكِن ينظرُ إلى قلوبِكُم وأشارَ بأصابعِهِ إلى صدرِهِ.) رواه أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم.

ودون إهمال للتطورات والمآلات الخطيرة التي آل إليها حال الجماعات الإسلامية في نهاية عقد التسعينيات من القرن العشرين وطوال العقد الأول والثاني من القرن الواحد والعشرين الميلادي وغياب الرؤية العقائدية والاستراتيجية لأداء تلك الجماعات – والذي سوف أتوقف عنده في نهاية هذه الورقة- فإنني بصدد التحذير من خطورة اختزال تاريخ الجماعات الإسلامية طوال قرن كامل في مصطلحات ومقولات ينحى أصحابها منحى التخوين والتشكيك الكلِّي في نشأة تلك الجماعات ومؤسسيها وتاريخها.

وإذا أردنا تطبيق المعيار المُشار له آنفا وهو (عدم الوقوع في الانتقائية التاريخية) على الحركة الوهابية كـأنموذج فإن القراءة الناتجة من استخدام هذا المعيار لن تكون قراءة معزولة عن السياق التاريخي لرؤية الأمة وما انتهت إليه شهادات علماء ورجال الأمة كالشيخ محمد رشيد رضا والشيخ حسن البنا والمؤرخ شكيب أرسلان وغيرهم، فهؤلاء شهدوا بأن الإمام محمد بن عبدالوهاب هو أحد قاد الإصلاح والتجديد في أمة الإسلام بغض النظر عن التحالف السياسي والديني الذي قام بينه وبين الزعيم القبلي محمد بن سعود والخلاف السياسي الذي نشأ بين هذه الدولة والخلافة العثمانية وما ترتب على ذلك الخلاف من صراع عسكري عبَّر في أحد وجوهه عن طبيعة المرحلة والضعف الذي كانت تعاني منه الخلافة العثمانية، دون أن نبرر الشقاق والتنازع في الأمة، وبالرغم من إعادة تأسيس الدولة السعودية في مرحلتها الثالثة بيد الحملة الصليبية التي قادها الإنجليز في بداية القرن العشرين وما فعله عبدالعزيز بن سعود الذي استثمر تاريخ الدعوة الوهابية لكي يشرعن وجوده الذي تأسس على يد الإنجليز، فإن العلماء والمؤرخين فرَّقوا بين سياق الحملة الصليبية وتأسيسها لهذه الممالك وبين الدعوة الوهابية كأحد أهم المدارس الإصلاحية والفقهية في التاريخ الحديث لأمة الإسلام.

فإذا كانت الأمة عبر علمائها قد تمكنت من تطبيق معيار (عدم الانتقائية التاريخية) في تقييم تاريخ الدعوة الوهابية السلفية فما بال البعض يستغرق في استدعاء الانتقائية للحكم على بقية الحركات التي أفرزها حراك الأمة المسلمة طوال القرن العشرين بدءا من الإخوان المسلمين مرورا بالجماعة السرورية وانتهاء بجماعة القاعدة؟

ومن أهم إيجابيات مراعاة هذا المعيار (خطورة القراءة الانتقائية) في قراءة تاريخ الأمة المعاصر ومرحلة الملك الجبري أن هذه القراءة ستقودنا إلى رؤية اجتهادية مسددة ومشروع للأمة يراعي تراكم وتكامل الأداء بين أجيالها المعاصرة.

وأما المعيار الثاني الذي أدعو إلى استخدامه في النظر إلى وجود هذه الجماعات وتقييم أدوارها فهو معيار: استجابة الأمة للتحديات التي فرضتها الحملة الصليبية الأخطر في التاريخ حتى تمكنت من إسقاط بيت المقدس عسكريا عام 1917م وتمكنت قبل ذلك من إسقاط مرجعية الأمة السياسية (الخلافة) عبر الانقلاب الذي نظمته جماعة الاتحاد والترقي ضد الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909م، ويقودنا هذا المعيار إلى أن نسأل السؤال التالي: ما هي المظاهر والفعاليات التي عبرت بها الأمة المسلمة عن التطور الأخطر في تاريخها وهو سقوط الخلافة وإقدام الحملة الصليبية على احتلال بلادها والتحكم في شؤونها وكيف استجابت لتلك التحديات؟

فإن الأمة قد عبرت عن ذلك خلال مرحلتين، أم المرحلة الأولى فهي في الربع الأول من القرن العشرين حيث عمت الثورات المسلحة والاحتجاجات الشعبية معظم مناطق الأمة وفي القلب منها المنطقة العربية من خلال ثورة الريف في المغرب بقيادة عبدالكريم الخطابي وثورة عمر المختار في ليبيا وثورة البراق في فلسطين وثورة عرابي في مصر وثورة العشرين في العراق، أما المرحلة الثانية فهي التي تلت الحرب العالمية الأولى ونجاح الحملة الصليبية في تثبيت أقدامها في تركيا عبر المشروع العلماني الذي قاده أتاتورك والمشروع الملكي العروبي الذي قاده الإنجليز والفرنسيون في بلاد العرب وبدء تشكل الوطنيات والأقطار والجيوش وأجهزة الأمن وفرض السيطرة الحكومية على الشعوب وفرض التعليم العلماني وصولا إلى الانقلابات العسكرية وفرض العقائد الشيوعية واليسارية والبعثية  في العواصم الكبرى الأساسية وهي بغداد ودمشق والقاهرة والجزائر عبر الحكومات العسكرية وعبر الأحزاب الشيوعية والقومية، فوُلدت على إثر ذلك أهم الحركات والجماعات التي تمكنت من التعامل مع هذه التحديات الخطرة وغير المسبوقة وهي حركة الإخوان المسلمين حيث تمكنت هذه الحركة من مصاولة ومواجهة التغيير العقائدي والأخلاقي في الأمة، ولم يتوقف أداء تلك الجماعة على مواجهة التحديات في مصر وحدها بل انتشرت وتموضعت في غالب المناطق العربية لكي تتولى إدارة هذه المرحلة الحاسمة.

ولم تكن هذه الجماعة لتتمدد بهذا المستوى ويلتحق بها الألوف من الشباب المسلم لولا أنها مثلت استجابة واضحة من قبل الأمة وشعوبها للتحدي الذي فُرض عليها، وكان من أهم النتائج المباركة التي نتجت عن وجود وممارسة هذه الجماعة أنها مثلت الجسر الذي عبرت عليه الأمة وشعوبها عقدي الخمسينات والستينات سليمة من الآثار العقائدية والأخلاقية التي قادتها الحكومات الشيوعية والاشتراكية والقومية العلمانية في مصر والجزائر والعراق واليمن وسوريا بل وغالبية العالم العربي، وأعني بذلك وقوف وصمود هذه الجماعة أمام أخطر نماذج التغيير العقائدي المتمثل في مشروع الناصرية الاشتراكي العلماني، فما كان لهذا المشروع أن ينكشف وينهار لولا وجود تلك المدافعة التي قادها الإخوان ضده حتى انهار على إثر هزيمته وفضيحته في حرب الأيام الستة عام 1967م، وكذا فعلت بقية الجماعات التي وُلدت في مرحلة لاحقة كحزب التحرير والجماعات السلفية التي أسهمت في سد الفراغات العلمية والشرعية والفكرية وإثراء الحوار الداخلي في الأمة حول أزمتها وواقعها ومستقبلها.

وكان من أوضح تلك الأدوار هو الدور الذي لعبته الجماعة السرورية السلفية في الجزيرة العربية إبان اللعبة التي أدارتها أمريكا بدخول قوات البعث العراقية إلى الكويت عام 1990م، فقد تمثل دور الحركة السرورية وعلمائها في الرؤية العقائدية والتاريخية والسياسية التي أعلنتها فيما سُمي “بمذكرة النصيحة” التي وقع عليها رموز تلك الحركة بالإضافة إلى رموز الإخوان السعوديين والعلماء المستقلين والتي قادتهم إلى السجون عام 1994م، وإن أهم ما أثبته هذا التيار الذي عُرف بتيار الصحوة الإسلامية هو رفضه للرواية الرسمية السعودية والرواية “الشرعية” الرسمية أيضا حول أزمة الكويت والوجود العسكري الأمريكي على أرض جزيرة العرب مما يُعدُّ أول هتك للستر “الشرعي” الذي تتسربل به الحكومة السعودية وأول اعتراض شعبي وتحد حقيقي لهيمنة آل سعود في جزيرة العرب -إذا تجاوزنا حركة جهيمان العتيبي عام 1979م- فقد لعبت هذه المَلَكية الدور المساند والمتكامل مع النظام العسكري العربي طوال أربعين عاما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وصولا إلى اللحظة التي نتحدث عنها عام 1992م فقد أسهمت الحركة السرورية في إحداث نقلة كبرى في تصور الأمة والشعوب عن نظام الملك الجبري في شقه الملكي على وجه الخصوص، ويمكن ملاحظة خطورة الدور الذي لعبته الحركة السرورية بما آل له الأمر من تطورات لاحقة في علاقة ونظرة الشعوب للنظام السعودي.

وصولا إلى الجماعات التي تبنت الأداء الجهادي والذي أسهمت فيه مختلف الجماعات وعلى مراحل مختلفة في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، والذي تبلور في محطات مختلفة كان من أهمها قتال الإخوان في فلسطين عام 1948م وتبني جمعية علماء المسلمين الجهاد ضد الاحتلال الصليبي الفرنسي في الجزائر في خمسينيات القرن، وقواعد الشيوخ على الحدود الأردنية الفلسطينية في الستينيات التي قادها الإخوان المسلمون، والقفزة التاريخية العالمية وهو الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي والذي اجتمعت عليه قلوب وفتاوى وآراء كل الجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي حتى انقشع ذلك الجهاد عن سقوط أكبر الدول الملحدة التي عرفها تاريخ البشرية، وتأثير الجهاد الأفغاني على مختلف الساحات المسلمة في العالم وكان من أخطر آثاره هو الأثر على الساحة الفلسطينية التي صاغت ملحمة مباركة في اشتباكها بأخطر المشاريع التي صنعتها الحملة الصليبية وهو المشروع الصهيوني.

ومن ذلك الشرح يتبين لنا خطورة الوقوع تحت تأثير القراءة التي تميل إلى العزل المختبري للحركات والجماعات الإسلامية عن الظروف الكلية للأمة، كمن ينزع اجتهاد سيد قطبه من سياق الظرف الخطير الذي كانت تمر به الأمة ككل والشعب المصري على وجه الخصوص وخطة انتزاعه من دينه وهويته وعزله عن تاريخه وأمته من خلال تقديم العقيدة العصبية القومية والعقيدة الشيوعية المعدلة عربيا متمثلة في اشتراكية عبدالناصر وبعثية ميشيل عفلق واشتراكية جنرالات الجزائر، وضرب المكونات العقدية للشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب المصري وتعبيده للزعيم المُلهم وتطبيق أخطر منظومات القمع التي أنتجتها الشيوعية العالمية الملحدة.

ومن المعايير التي أقترح توظيفها في تقييم الجماعات الإسلامية هو معيار: النجاح في نقل الاجتهاد من ساحة التنظير إلى ساحة التطبيق وتقديم النموذج العملي أمام التحديات التي تواجهها الأمة، فقد نجحت الجماعات في فرض وجودها وتحويل الحالة السائبة في الأمة إلى حالة منظمة واعية تستجيب للمخاطر وتتعامل معها مما أدى إلى نوع من التكافؤ مع الحكومات والدول المنظمة التي أنشأتها الحملة الصليبية وهي أي الجماعات لا تملك أبسط الأدوات التي تملكها الحكومات، فكيف بالدفع بشباب الأمة في وجه المخاطر وكيف بالنجاح في تربية الشعوب وتعبئتها وتعليمها وتثقيفها، وكيف بالدفع بالشهداء والأبطال والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الذي استعذبوا صعود درجات المشانق وهم يكبرون ويهللون!

وأختم هذه المعايير المعنية بمناقشة مسألة التحذير من تخوين الجماعات الإسلامية بمعيار: الرُّشد كسمة أساسية في مجمل مرتكزات المشروع الإسلامي والاجتهاد الكلي الذي تحتاجه الأمة المسلمة، فعلى هذا المعيار تتأسس التصورات السياسية وعليه تتأسس علاقة مكونات الأمة بعضها ببعض، والرشد كأحد مرتكزات نظام الخلافة الراشدة وسننها التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باتباعها فإنها تضفي بصفتين أساسيتين على علاقة مكونات الأمة بعضها ببعض، أما الصفة الأولى فهي صفة نبذ العصبية أيا كان لونها ومصدرها عرقية كانت أم قومية أم جغرافية أم اجتهادية علمية – كما هو حال الجماعات الإسلامية – فهذه الصفة إن لم نلتزم بها وخرجت التنافسية بين مكونات الأمة عن أصولها الشرعية فمصيرنا أن نتحاسد ونتباغض ونقع فيما حذر منه صلى الله عليه وسلم بقوله: (دبَّ إليْكم داءُ الأممِ قبلَكم الحسدُ والبغضاءُ هيَ الحالقةُ لا أقولُ تحلقُ الشَّعرَ ولَكن تحلِقُ الدِّينَ والَّذي نفسي بيدِهِ لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا أفلا أنبِّئُكم بما يثبِّتُ ذلِكَ لَكم أفشوا السَّلامَ بينَكم) صحيح الترمذي.

وأما الصفة الثانية في علاقة مكونات الأمة ببعضها وخاصة في بناء النظام السياسي الراشد هي صفة التعددية بين هذه المكونات، فلن نخرج من أسر العضوضية وفقه التغلُّب الذي غلب على تاريخ الأمة ولن نقلع باتجاه النظام السياسي الراشد إلا أن نؤمن ونمارس التعددية بين مكونات الأمة وحقها في التعبير عن وجودها وحقها في بناء الاجتهاد الشامل الذي تحتاجه الأمة وحقها في التعبير عن موقفها السياسي كما فعل المهاجرون والأنصار وفعلت قبائل العرب بُعَيد وفاته صلى الله عليه وسلم فتأسست الخلافة الإسلامية المباركة وفقا لتلك الأسس.

وبذلك أكون قد وصلت إلى الجزء الثاني من هذه الورقة وهو المعني بضرورة تطبيق معايير المراجعة والدراسة المقارنة والتقويم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أداء الجماعات الإسلامية وخصوصا في العقدين الأخيرين منذ نهاية عقد التسعينيات من القرن العشرين إلى وقتنا الحالي، حيث يمكن الوقوف وبوضوح على مستوى الانهيارات التي عانت منها جميع الجماعات الإسلامية وبأشكال متعددة والتي يمكن اختصارها في غياب معيارين إثنين فنتج عن تحلفهما أغلب ما نرى من الإشكاليات والانهيارات التي عانت منها مختلف الجماعات الإسلامية، أما المعيار الأول فهو: تخلف الالتزام بالبُعد العقائدي، حيث تمثل ذلك التخلف فيما يلي:

1- تحديد علل وإشكاليات وأزمات الأمة وعلاقة مكوناتها بعضها ببعض.

2- حديد طبيعة العلاقات التي تربط هذه الأمة بغيرها من الأمم وطبيعة الصراع الذي تفرضه تلك الأمم على الأمة المسلمة.

3- طبيعة الإشكاليات التي تربط شعوب الأمة بالمنظومات الحاكمة.

فقد أصيبت الجماعات الإسلامية بانهيارات خطيرة نتيجة لتخلف المعيار المذكور وكان من ذلك الآثار الكارثية التالية:

الأثر الأول:

سقوط أغلب الجماعات في الانغلاق الوطني وفق الحدود والدول التي رتبها المحتل الصليبي قبل مائة عام، ونتيجة لالتزام أغلب الجماعات بهذا السقف في التفكير والأداء فقد تم إهمال الأبعاد العقائدية التي تُحدد طبيعة علاقة الأمة ببعضها والتزمت تلك الجماعات بسقوف الأنظمة التي زرعها المحتل الصليبي فتم إهدار مبدأ الأخوة الإسلامية وأصبحت الأخوة الوطنية هي الأساس، وتم إهدار مبدأ الاعتصام بحبل الله جميعا وتم إهدار مبدأ نصرة المسلم لأخيه المسلم، ولم يقف الأمر عند تحول تلك الجماعات إلى أدوات وظيفية لدى الحكومات العميلة في مرحلة ما قبل الثورة بل إن تلك الجماعات لعبت أسوأ الأدوار في تعويق الثورة العربية عندما اشتعلت في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، فإنها وفي ظل انغلاقها الوطني لم تتمكن من استيعاب أهمية وخطورة النقلة الكبرى التي أحدثتها الثورة فاعتبرت الثورة فوضى وإرباك وحرائق ينبغي العمل على إطفائها فلم تترك الشعوب تذهب إلى نهاية الشوط في إسقاط الأنظمة العميلة بل ذهبت تبحث عن الحلول لدى مرجعيات نظام القمع العربي كالمبادرة الخليجية في اليمن ومؤتمرات الرياض لحل الأزمة السوية ولدى النظام العالمي ومبعوثيه الدوليين، ولم تحاول كسر القواعد السائدة ولم تسع إلى كسر حواجز البلدان في النصرة باليد ولا النصرة بالمال.

الأثر الثاني:

غياب الأثر العقائدي في تصورات الجماعات الإسلامية عند نظرهم لطبيعة الصراع الذي تفرضه مشاريع تداعي الأمم على الأمة وعدم تحكيم مبدأ الولاء والبراء ومبدأ تعين الجهاد عند قيام العدو بدهم أرض للمسلمين، فنتج عن ذلك تجارب تشيب لها الولدان من التعاون مع العدو وقبول خططه بل واستخدام بعضا من تلك الجماعات لإحكام سيطرته العسكرية عبر اللعبة السياسية التي فرضها بعد الاحتلال كما حدث في العراق من مواطأة الحزب الإسلامي العراقي للغزو العسكري الأمريكي الإيراني للعراق والانخراط في “العملية السياسية” التي فرضها المحتلون فكأنهم لم يقفوا يوما على الأحكام الشرعية التي تحكم هذه النوازل.

ونتج عن ذلك الانهيار الأخطر الذي وقع في مصر عندما بدأ الإخوان المسلمون يتفاوضون مع عسكر كامب ديفيد والثورة لم تستكمل ولم تستو على سوقها، وتم تمرير كذبة نجاح الثورة عبر الأمر الذي أصدرته واشنطن بالتخلي عن حسني مبارك وإدارة اللعبة بدونه، والوقوع في غش مضاعف عبر الوثوق في “النية الصالحة” لعسكر كامب ديفيد وتسويق هذا الغش لدى الشعب المصري ثم عبر الوثوق في الوعود الدولية التي كانت تنطلق من عدة عواصم غربية، حتى استعاد العسكر سيطرتهم التامة وتهيأوا للانقضاض على الثورة بعد أن دخلت الثورة في التيه بسبب قادتها المفترضين.

ونتج عن ذلك العبث بمتطلبات الصراع العقائدي الذي أمر الله عز وجل الأمة المسلمة به ومنه أمر المدافعة وعدم الرضى بانتهاك الحُرُمات من حرمة الدين وحرمة الدماء وحرمة الأنفس وحرمة المال، فبينما تطبق مشاريع تداعي الأمم مسارات المعركة الأساسية وهي تتصارع مع أمة الإسلام سواء كان الصراع في العراق أم في سوريا أم في فلسطين أم في اليمن وهي مسارات خمس: المسار الأمني والمسار العسكري والمسار السياسي الفكري والمسار النفسي الإعلامي والمسار الاقتصادي، وجدنا الجماعات تُصر على إهمال أغلب المسارات وتلتزم المسار السياسي فقط حتى سالت دماء المسلمين أنهارا من بنغازي إلى صنعاء.

ونتج عن ذلك العبث بمتطلبات الصراع العقائدي الذي أمرنا به الله عز وجل أن فرقت تلك الجماعات بين دماء المسلمين ووقعت فيما وقع فيه بنو إسرائيل من سعيهم لفكاك أسراهم وهم يصطفون مع أعدائهم وقد فرَّقتهم التحالفات مع المشركين فيظاهرون على قتل إخوانهم، فلم يعد أحد يلقي بالا لإخوان العقيدة الأفغان وهم يخوضون أخطر الحروب البشرية ضد أخطر الأحلاف العسكرية التي عرفها البشر وهو “الناتو” ولا يرون لهذا القتال التاريخي أي علاقة بما يحدث في الشام أو في اليمن، ولم يعُد بعض الفلسطينيين يلقون بالا لإخوانهم السوريين وهم يخوضون أخطر معركة تجري في أكناف بيت المقدس ويقدمون ما يقرُب من مليون شهيد لأن الفلسطينيين ملتزمون بحدود بريطانيا

ووطنيتها التي حددتها لهم وملتزمون بالولاء للقاتل الإيراني الذي يقتل إخوانهم.

ونتج عن ذلك مشاركة بعض الجماعات الإسلامية في غِش الأمة والشعوب عبر تزيين وإعادة إنتاج أنظمة القمع العربي عندما قبلت تلك الجماعات أن تصطف بجانب أنظمة القمع العسكري والملكي، كما قامت سلفية مصر بالاصطفاف مع القاتل عبدالفتاح السيسي ومن قبل ذلك بربع قرن قبل حركة “حمس” الجزائرية أن تصطف مع جنرالات الجزائر عندما انقبلوا على خيار الشعب الجزائري وقتلوا ما يقرب من ربع مليون شهيد جزائري عام 1992م، وكما حدث مؤخرا في ظل الثورة العربية عندما قام النظام الملكي والعسكري في المغرب والجزائر باستدعاء الإسلاميين للمشاركة في العملية السياسية والتي هي عبارة عن إعادة إنتاج نفسه والاستمرار في عمليات القمع الأمني والإفساد الاقتصادي والسياسي.

أما المعيار الثاني في معايير المراجعة والتقويم لأداء الجماعات الإسلامية فهو معيار: تخلف الاجتهاد والبحث عن مشروع الأمة، والاكتفاء بالعيش على هوامش المشاريع “الوطنية” القُطرية حتى آل الأمر إلى أحوال غريبة لا تليق بالأمة المسلمة ومنها انتظار الأنظمة الملكية وأنظمة الجنرالات حتى تتغير ذاتيا فإذا مات جنرال أو ملك وجاء طاغية جديد تطلع الإسلاميون إلى العدل والإنصاف في ظله بل وأوهموا الشعوب بالقادم الجديد كما حصل من ترحيب عظيم مارسه علماء ورموز الجماعات الإسلامية في السعودية عندما استلم الملك سلمان بن عبدالعزيز بعد موت الطاغية الذي سبقه وهو عبدالله بن عبدالعزيز بحيث لم يبق رمز من السروريين والإخوان وعموم السلفيين لم يلتحق بهذه الجوقة.

ومن النماذج التطبيقية في تطبيق هذا المعيار وهو تخلف الاجتهاد والبحث عن مشروع الأمة فهي ما يلي:

النموذج الأول:

انقسام الجماعات إلى ثلاث فِرَق تولَّت كل فِرقة إدارة شأن من شؤون الأمة الخطيرة بمعزل عن بقية الفِرق، فأما الفِرقة الأولى فقد ادعت أنها معنية بالتنظير وإدارة الشأن السياسي والفكري في الأمة وحرَّمت على نفسها الجهاد وخوض الصراع العقائدي فهي حريصة على إعطاء الصورة التي تُرضي النظام العالمي وتولى ذلك الإخوان المسلمون في المقام الأول، وأما الفِرقة الثانية فقد ادعت أنها معنية بالتنظير وإدارة الشأن الشرعي والعلمي والفقه وهي غير معنية بالنوازل الكبرى في الشأن السياسي والجهادي إلا قليلا ووفق الالتزام بالحدود الوطنية ورضا “ولي الأمر” وتولى ذلك السروريون في المقام الأول ومعهم سواد الحركة السلفية، وأما الفِرقة الثالثة فقد ادعت أنها معنية بالتنظير وإدارة الشأن الجهادي في الأمة وتركوا الإدارة السياسية والتفكير في مآلات القتال والتمكين بحجة أنه لم يحِن وقته، فنتج عن ذلك بلاء عظيم فلا السياسيون لهم أدنى احترام في ساحات الصراع المختلفة، ولا الشرعيون لهم علاقة بساحات الصراع السياسي والفكري والجهادي إلا ما رحم الله، ولا الجهاديون قادرون على حسم المعارك لصالح الأمة نتيجة لإهمالهم الشأن السياسي فهم يحققون ما يريد العدو من تقديم الشهداء والجرحى ثم ينتهي بهم المطاف إلى السجون والمعتقلات، ولا الأمة انتفعت من أداء كل فرقة على حدة.

النموذج الثاني:

نتيجة للانغلاق الذي مارسته الجماعات الإسلامية في اجتهادها وأدائها العملي ونتيجة للتنافسية السلبية والعصبية فقد حَرَمت تلك الجماعات نفسها وحَرَمت الأمة من فرصة تاريخية تتمثل في توظيف الأداء التطبيقي والتجارب التي مارستها هذه الجماعات والدراسة المقارنة التي يمكن أن يُسْتَنتج منها الدروس والعِبر واستثمارها في البحث عن المشروع الكلِّي والاجتهاد الشامل الذي تحتاجه الأمة، بل إن الجماعات ذهبت مذهبا مُحيِّرا عندما أعفت نفسها من واجب البحث والاجتهاد في مشروع الأمة واقتصرت على البُعد الوطني فتموضعت في ذيل الملوك والجنرالات، وزيادة على ذلك البلاء فقد انحدر كل اجتهاد لكل جماعة إلى دَرَكٍ خطير من خلال الإصرار على الصحة المطلقة لكل اجتهاد وصيرورة القيادة في كل جماعة إلى المُقلِّدة التي لا تفعل شيئا إلا أن تضطلع بإدارة وتنسيق بسيط بينما النوازل في الأمة تزداد تعقيدا حتى يضطر بعض المجاهدين في الشام إلى الانتظار شهورا حتى يصل لهم جواب قيادة جماعة القاعدة من أفغانستان، وحتى تنغلق أخطر شؤون الفتوى في الدماء والمصالح العليا للأمة عند شيخ يخضع للنظام الأردني وسيطرته أو عند مجهول لا يُعرف منه إلا الكنية.

النموذج الثالث:

الهروب من متطلبات الاجتهاد الشامل للأمة والإجابة على النوازل الكبرى وفق القواعد الشرعية التي لا قيام للأمة إلى بها إلى الفلسفات والتقعُّرِ والعدول عن القواعد الواضحات إلى فقه المقاصد – على أهمية هذا الفقه وضرورته- ولكن ليس على حساب القواعد الشرعية التي تقرر أصل وجود هذه الأمة وطبيعة علاقتها بأعدائها وتحديد نوعية وصفات أولئك الأعداء وخصوصا أعداء الداخل من المنافقين الذي وضعهم المحتل الصليبي على رأس الأمة كحكَّام وملوك وما هم بملوك ففتنوا الأمة فتنة لم ولن تمُر مثلها إلى يوم القيامة بدليل وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهم: (دعاة على أبواب جهنم) فالحديث هنا إنما  يحدد طبيعة المراحل السياسية الكبرى التي سوف تمر بها الأمة وفق النُّظُم التي سوف تحكمها، ومن أعجب ما ترى في هذه النماذج التي تهرب من متطلبات الاجتهاد الشامل للأمة أنها إما أن تحيلك إلى النظام العالمي كمرجع لازم ولازب، وإما أن تحيلك إلى الملوك والجنرالات كضرورة لا محيص من البقاء في ظلها، حتى تقدموا بنموذج سياسي كدلالة على النجاح يعلمون هم قبل غيرهم أنه لا يحل ولا يربط وهو نموذج “الديموقراطية” التي أنعم بها ملك المغرب عليهم مع العلم بأن كل شؤون المملكة المغربية إنما تُدار من قبل المنظومة الأمنية التي يطلق عليها المغاربة “المخزن” ثم يغشون الشعوب بأنها نموذج ناجح وواعد!

ولعل من الخير فيما آلت إليه شؤون الجماعات الإسلامية من انغلاق وإرباك – دون إنقاص لما قاموا به من جهود مباركة في الأمة – بأن الذي حدث لهم يؤشر بوضوح وإلحاح أنْ قد حان أوان الاجتهاد الشامل الذي تستظل به الأمة فكان من الحكمة الإلهية أن تتراجع أدوار هذه الجماعات في ربع القرن الأخير حتى تفسح المجال للاعتصام بحبل الله جميعا.

وأوصي إخواني بالترفق بإخوانهم من الجماعات الإسلامية وبذاكرتهم الجماعية وتاريخهم وهويتهم التي أصبحت جزء أساسيا من مكونات شخصية الإنسان والجماعات الإنسانية وما بات يُعرف اليوم بالهوية الثقافية أو الذاكرة الجماعية، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة قبل أن تعترف بها البشرية بقرون فقد كان الصحابة ينشدون أشعار الجاهلية وأيامها بين يديه صلى الله عليه وسلم، فما بالك بالذاكرة الجماعية للجماعات الإسلامية التي تصدت لأخطر مراحل التراجع والسقوط في الأمة حتى صمدت النساء في صفوف هذه الجماعات المباركة في سجون عبدالناصر وحافظ اسد والقذافي وغيرهم لعنهم الله.

وهل يمكن نزع هذه الذاكرة الجماعية المباركة من أذهان الشعب المصري أو السوري أو التونسي بل والشعوب العربية والمسلمة قاطبة والتي أصبحت جزءا من تاريخها؟

ولقد وقفت بنفسي عام ٢٠٠١م على الأخوات والزوجات والأمهات المرابطات أمام سجن نواكشوط وهن يفترشن الأرصفة أمام السجن ينتظرن أخبار الأبناء والأزواج من رجال السلفية الجهادية الذين تطاولوا على الطاغوت المزدوج طواغيت العرب والطاغوت الأمريكي فلم يبال أحدهم في أي سجن أو منفى طوحت به أقداره، وقد رأيت شباب الإخوان المسلمين من الموريتانيين يسارعون لنجدتهن ورعايتهن (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الحجرات:10

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى