آراءمقالات

حزب العدالة والبناء.. من هنا

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

من عادتي حينما أريد أن أردّ على مقال أو نحوه، أني أنسخ هذا المقال ثم أقوم بتظليل الفقرات التي أعزم الردّ عليها باللون الأحمر، قمت اليوم بنسخ بيان “العدالة والبناء المتعلق بالردّ على” فوالله ما وجدتُ فيه كلمة من أوله إلى آخره إلا وتحتاج إلى تظليل باللون الأحمر، وهذا يستدعي كتابة سلسلة من المقالات، ولكنني سأقتصر على نقاط محددة في هذا المقال، ولعل الله إذا مدّ في العمر نعود إلى هذا الحزب والمنطلقات التي ينطلق منها:

أولا: تصوّر أخي الكريم لو أنّ أحد الآباء له ابنا في الشهادة الثانوية، فسخّر هذا الأب لابنه كل ما يملك، من مال، ودروس خصوصية، ونقل ومواصلات، ونحو ذلك حتى يكون الابن من المتفوقين، فلمّا ظهرت النتائج فإذا بالابن قد رسب في كل المواد باستثناء مادة واحدة، فهذا الابن قد خيّب ظنّ أبيه وضيّع أحلامه أليس كذلك؟ هل يُتصوّر من هذا الأب أن يطوف بين الناس ليحدثهم عن انجازات ابنه قائلا ” ورغم ذلك لا ينبغي إنكار ما حققه ابني من نجاحات، فقد حضر الامتحانات وكتب الواجبات ولا يتغيب ونحو ذلك!”. هل تعدّون هذا الأب من العقلاء؟. إنّ ما فعله “حزب العدالة والبناء” في بيانه من تعداده لبعض الانجازات التي حققها “الاتفاق السياسي” هو والله أبشع بكثير من صنيع ذلك الأب، هذا إذا سلّمنا أنّ ما عدّده صحيحا، فإنّ الناظر المنصف لـ “الاتفاق السياسي” فلن يراه إلا كارثة بكل الموازين، وليس فيه نقطة بيضاء واحدة، ولو أردنا أن نقيّم الأشياء كما فعل “العدالة والبناء” لكان وجود “اليهود” في فلسطين فيه نقاط بيضاء أكثر من “الاتفاق السياسي”. ووجود “القذافي” بل وجود “الطليان” في ليبيا فيه من النقاط البيضاء ما لا يخفى.

ثانيا: يتصور كثير من الناس بأنّ “العملاء” و “بائعي الوطن” هم فقط أولئك الذين يقومون بهذا العمل مقابل بعض المال أو الامتيازات أو الوشاية ونحو ذلك، وهذا تصور خاطئ وقاصر بلا شك، فإن كثيرا من العملاء والخونة وبائعي الأوطان كانوا ـ ولازالوا ـ من أصحاب المرجعيات الإسلامية، وحفظة القرآن وأئمة مساجد وخطباء ونحوهم، وهذا لا يحتاج المرء إلى كثير تأمل ولا تفكير حتى يدركه!.

ثالثا: وها أنتم هؤلاء قد أقمتم الدنيا ولم تقعدوها على “حزب النور” في مصر حينما انحازوا إلى “العسكر”، وقد رميتموهم بكل نقيصة، من العمالة والنذالة والخسة ونحو ذلك، فأقول أليسوا حزبا إسلاميا مثلكم؟ فما يجري عليهم يجري عليكم أليس كذلك؟ فإن قلتم بأنكم “مجتهدون” وأنّ حزب “العدالة والبناء” حينما “وقَّع على الاتفاق السياسي ودعمه، حرصا منه على القيام بمسؤولياته الوطنية، وسعيا مع شركاء الوطن لإنهاء الصراع المسلح وحقن الدماء وإحلال الأمن والاستقرار والبدء في التحول الديمقراطي نحو تأسيس دولة القانون والمؤسسات” كما جاء في بيانكم، قلنا لكم بأنّ حزب النور لهم مبررات أشبه بمبرراتكم وربما أقوى، فهم أيضا قالوا بأننا أردنا أن لا ينفرد العسكر بحكم البلد، وأردنا أيضا أن لا يُقضى على الاسلاميين جميعا، وقالوا أيضا بأن “المجتمع الدولي” قد حزم أمره واتخذ قراره بدعم “السيسي” والاعتراف به بديلا عن “مرسي” فالسير مع الأمواج خير من مواجهتها، وغير ذلك من المسوغات التي انطلق منها “حزب النور” وأنتم وهم اشتركتم في نفس المنطلقات والمسوغات، وهي مسوّغات من المعيب جدا أن يُقال عنها أنها “اجتهاد” ومن المنكر العظيم أن يُنسب مثلها إلى الشريعة ومرجعيتها.

رابعا: يقول البيان ” وبين الحزب أن الاتفاق السياسي عبارة عن نصوص حال المعرقلون من الطرفين دون تطبيقها على الواقع..”. وهل العلة غير ما ذكرتم؟ فهؤلاء المعرقلون الذين تشيرون إليهم قد أعطيتموهم كل ما يريدون، ومع ذلك لم يُعطوكم إلا الإهانة ولم يُجرعوكم إلا المذلة. وإلا لو وُجد أناس صادقون وغير معرقلين لما احتجنا إلى “اتفاق سياسي” وما احتجنا حتى الى دستور أصلا، فهناك العديد من الدول لا يوجد لديها دساتير مكتوبة، إنما هي دساتير متعارف عليها. فقل لي بربك، ما فائدة اللوائح والقوانين في جامعة ليبية إذا كان مدير الجامعة لصّا من اللصوص؟ حتى لو كانت اللوائح والقوانين في الجودة مثل كامبردج واكسفورد؟. بل لو أتينا بكتاب الله دستورا وكانت هناك أطراف معرقلة لما استطعنا تطبيق آياته في الناس، فالقضية تكمن في الأطراف التي ستطبق تلك القوانين أو ذلكم الاتفاق، فذهبت بكم الأحلام وراء “جرة القلم” والمادة الثامنة، بينما المعرقلون كانوا يقفون على أرض صلبة وليس على الأحلام. (لكن هكذا يفعل الاجتهاد السياسي بأهله!).

خامسا: يقول الحزب ” ووصف الحزب تصريحات الشيخ الصادق الغرياني بغير المسؤولة، معتبرا إياها تحريض صريح واستباحة لدماء من انتهج الوفاق الوطني ودعم الاتفاق السياسي، موضحا أن هذه التصريحات تؤدي إلى الاعتداء عليهم وانتهاك حقوقهم تحت مبرر فتوى المفتي، خاصة في ظل انتشار السلاح”.

ـ فأنا لا ألوم “الملحد” غدا حينما يفتي علماء الإسلام بكفره وردته فيقول “هذا تحريض صريح واستباحة لدمي!”.

ـ و أنا لا ألوم “قاطع الطريق” غدا حينما يفتي علماء الإسلام بأنه مفسد في الأرض فيقول ” هذا تحريض صريح واستباحة لدمي!”.

ـ وأنا لا ألوم “الداعشي” غدا حينما يفتي علماء الإسلام بضلاله وزيغه فيقول ” هذا تحريض صريح واستباحة لدمي!”.

وهكذا كل السّرّاق والمفسدين وشربة الخمور والقتلة والمجرمين والزناة ومروجي المخدرات يمكن أن يعترضوا بما اعترض به “الحزب ذو المرجعية الإسلامية”، كلام ممجوج لا طعم فيه ولا لون والله المستعان.

سادسا: يقول الحزب ” وأوضح الحزب أن تصريحات الشيخ تعتبر رأيا سياسيا لا علاقة له بالفتوى..”. سبحان الله “علمانية بثوب إسلامي!” و هل الرأي السياسي لعالم الشريعة يقوله مستندا إلى التوراة والأنجيل أو الكتاب الأخضر؟ وهل “الاتفاق السياسي” الذي به ستُحكم ليبيا ويُتصرف في ادراة شؤونها السياسية والمالية والعسكرية والأمنية وهلمّ جرا يُخاض فيه بالأهواء والتلاعب بعيدا عن أحكام الشريعة؟ وهل “الرأي السياسي” في هذا “الاتفاق السياسي” لا يكون مردّه إلى قواعد الشريعة وأحكامها؟ وإذا ما تكلم عالم الشريعة في مثل هذه النوازل المدلهمة وبين للناس حكمها وبيان صلاحها من فسادها ففي أي شي سيتلكم إذا؟ ثم أيجوز أن يجتهد “الخازوق” وصوان وكعوان والإعلاميين والنشطاء والناشطات في هذه النازلة العظيمة المتعلقة بالدماء والأموال، ولا يجوز لعالم الشريعة أن يبين أحكام الله فيها؟ ثم إذا تكلم جعلتم كلامه والأميين كعقيلة صالح والسراج وحفتر وكوبلر وليون سواء؟ كلهم مجتهدون سياسيا!. وكلهم لهم نفس النسبة من الخطأ والصواب والحق والباطل!، فما معنى المرجعية الإسلامية في حسّكم إذا استوى كلام (المفتى مع كوبلر) بل والله إن كلام كوبلر لمقدم عندكم، وهذا حالكم وواقعكم والله المستعان.

سابعا: يقول البيان ” وأكد الحزب أنه مازال يعمل بكل جهد وعلى كل المستويات مع شركاء الوطن لإنجاح العملية السياسية، رغم الاتهامات التي توجه له من قبل المتشددين من الطرفين”.

تعليقي على هذا الكلام، أنه نوع من الإرهاب الفكري لمخالفي “الاتفاق السياسي” ورميهم بالتشدد من البغي والظلم الذي لا يخفى، و “التشدد” مصطلح شرعي يخضع لقواعد وأحكام شرعية لضبطه قبل رمي الناس به.

أخيرا: كما قلت في صدر المقال، والله كل كلمة تحتاج إلى رد وبيان، وحسبنا ما أوردنا من ردود في هذا المقال العابر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى