آراءمقالات

حرمة التعذيب في الإسلام

Latest posts by د. ياسر عبد التواب (see all)

آه من التعذيب

يا له من خسة ونذالة

وكم يحمل من تشف وغرور وقذارة واستعلاء واستقواء

وكم يعكس من أمراض وشروخ وسوء طباع وضراوة نفوس ووضاعة أخلاق

 

بأنواعه كلها (النفسي والبدني ومنع الحقوق وانتقاصها وتحقيرها وإيذاء مشاعرها وكبت حريتها) محرم بالطبع … قبل الشرع

 

وبالطبع نتوقع شدة تجريم الإسلام وتحريمة لهذا السلوك الشاذ وحتى مع الحيوان التي راعى الإسلام نفسيتها وضمن حقوقها ووضع نظاما لامتلاكها والواجب نحوها

 

وحتى فيما أتلفته البهائم مثلا وكيف أن العجماء جبار أي لا تحاسب أو تعاقب على ما تلف منها وإنما على صاحبها إن أهمل

 

ورسم الإسلام حدودا يجب مراعاتها عند التعامل معها وامتلاكها للحيوانات فأمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ألا نسم الهائم ولا أن نحملها ما لا تطيق من الأحمال ولا أن نتخذها للجلوس ولا أن نجوعها ولا نعبث فنؤذي مشاعرها بإخفاء صغارها أو بالطبع قتلهم أو حتى قتل ما قد يؤذي منها استئصالا

 

حتى في القتل أو الموت أمرنا أن نحد شفرتنا ونرح ذبيحتنا وألا نذبحها أمام مثلها

 

فالكلام عن حقوق الحيوان يطول ولكنه هنا للإشارة إلى شدة جزم من يؤذي الإنسان إن كانت تلكم هي حقوق وحدود الحيوان!

ويزداد الجرم سوءا حين يكون من يؤذى ويعذب ممن يجب على الإنسان حفظهم ورعايتهم من الأبناء والأزواج أو ممن يقعون تحت ولاية عامة كالعمال والمحكومين فحقوقهم أكد وانتهاكهم أشد.

 

والإسلام الذي علمنا احترام الحياة وأنها منحة الخالق لنا فلا يجوز التفريط فيها حتى وان ضاقت بك السبل أو ادلهمت المشاق حتى إن من عذب نفسه أو قتلها يلقى عقابا أليما على ذلك فكيف إن فعل هذا بغيره.

 

كيف تتوقع أن ينهى ويحرم ويسد كل سبيل لإيذاء الإنسان وحفظ حقه في الحياة ثم لا يكن تحريمه أشد لمثل هذه الجرائم.

 

وحتى مع الأعداء وفي الحروب حين نهى عن قتل المسالمين والعاجزين عن القتال من المرضى والمسنين والنساء والأطفال وحتى من اعتزل في المعابد أو البيوت.

 

فما بالك بمن يعذب أو يؤذي أهله أو أقاربه ومن يقدر عليهم من المواطنين أو حتى الخدم.

 

وهو بذلك يعطل المواهب ويثير الفزع ويورث الضغائن ويحفز للانتقام وردود الأفعال.

 

إنها إذن لإحدى الكبر

 

هناك نصوص كثيرة في تحريم التعذيب نذكر على سبيل المثال ما ورد في “صحيح مسلم” وغيره عن أبي مسعود البدري -رضِي الله عنه- قال: “كنتُ أضرِب غلامًا لي بالسَّوط، فسمعتُ صوتًا من خلفي: ((اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود))،

 

فلم أفهم الصوت من الغضب، فلمَّا دنا مِنِّي إذا هو رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يقول: ((اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود))، فسقط السَّوْطُ من يدي من هَيْبَتِه، فقال: ((اعلم أبا مسعود أنَّ اللهَ أقدَرُ عليك منك على هذا الغلام))، فقلت: يا رسول الله، هو حُرٌّ لوجه الله، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((أمَا لو لم تفعل للفحتْك النارُ، أو لمسَّتْك النار))،

 

فقلت: والذي بعثك بالحقِّ، لا أضرب عبدًا بعده أبدًا، فما ضربت مملوكًا لي بعد ذلك اليوم”

 

وفي قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)) تحذيرٌ لكلِّ مَن تَغُرُّه قُوَّتُه فيَتَجبَّر على عِباد الله بغير حقٍّ؛ فالله – عزَّ وجلَّ – أكبر، وقدرته على العبد أعظم، وجَعْلُ العبد قدرة الله -تعالى- عليه نصْبَ عينه يَعصِمه من مرض التجبُّر والظلم المُتَأصِّل في نفس كُلِّ إنسان، وإنْ كان لا يظهر هذا المرض إلا مع مُقتَضاه من سلطة، أو قوَّة، أو غير ذلك.

 

وقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((مَن ضرَب بسوطٍ ظلمًا، اقتصَّ منه يومَ القيامة))؛ رواه البيهقيُّ وغيرُه، وصحَّحه الألباني فكيف بمن يستخدم أشياء أشد إيذاء وإيلاما.

 

ويبلغ الأمر منتهاه ويضحي وبالا كبيرا على صاحبه وثلمة لا يمكن رتقها إن مات الإنسان تحت التعذيب.

 

فهذا باب خطير وصفحة شائكة شائنة ليست كما قبلها على بشاعته.

 

فالمرء لا يزال في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما.

وقال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُؤْتَى بالمَقْتولِ يومَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بالقاتلِ تَشْخُبُ أوداجُه دَمًا – أي: تسيل – حتَّى يُنْتَهَى به إلى العَرْشِ، فيقولُ: رَبِّ، سَلْ هذا فِيمَ قَتَلَني؟))؛ رواه الحُميدي وأحمد والنَّسائي، وصحَّحه الألباني.

 

إذن ليس مبررا أن يحدث التعذيب هنا أو هناك لنبرر لأنفسنا وقوعه فهو مسؤولية شرعية واستجلاب لغضب الجبار.

نسأل الله الهداية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى