تقاريرسلايدر

جولة ترامب والانزعاج الآسيوي من شعار “أمريكا أولا”

تمثل جولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرصة جيدة لكل من الولايات المتحدة والدول الخمس المقرر زيارتها وهي اليابان والصين وفيتنام والفلبين وكوريا الجنوبية للشروع في معالجة ما قد يتحول إلى أكبر تحد دولي يواجه إدارة ترامب، وهو امتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية.

وتكشف الجولة حقيقة التوجه الأمريكي وما تخطط له تجاه أمن آسيا والدول الحليفة لها، خاصة وأن هذه القارة ستكون محور التنمية والاستقرار في العالم خلال القرن الحادي والعشرين.

كما ستسعى الزيارة لإحياء “باكس امريكانا” Pax Americana (سيادة السلام والاستقرار في ظل إمبراطورية أمريكية تتسم ببناء إمبراطورية من أجل غايات نبيلة لا من أجل تلك الدوافع الأساسية مثل تحقيق المنافع والنفوذ)، وهكذا كتب رونالد ستيل، في كتابه “باكس أمريكانا” والذي صدرت طبعته الأولى سنة 1967، ومع نهاية حرب فيتنام وسقوط القناع عن وجه الإمبراطورية الأمريكية، وفي سنة 1970 نشر ستيل طبعة منقحة من كتابه، حيث كتب “بعد فيتنام، وجمهورية الدومينيكان، ومجلس الحكم في اليونان، ليس من السهل كثيراً على أي رئيس أمريكي أن يتحدث دون أن يخجل، عن السياسة الخارجية للدولة، وعن أنها قائمة على تحرير الإنسان أو بقاء الحرية لقد انفضح الباكس امريكانا وتبين أنه امبريالية محضة”.

ومن ميناء بيرل هاربور في هاواي انطلقت الجولة الآسيوية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي تعد الأطول لرئيس أمريكي منذ 25 عاما.

حيث تستغرق جولته 12 يوما ما يجعلها أطول زيارة لرئيس أمريكي إلى القارة الآسيوية منذ زيارة الرئيس الأسبق جورج بوش الأب عام 1991، وتشمل خمس دول آسيوية هي اليابان والصين وفيتنام والفلبين وكوريا الجنوبية.

وسيكون الملف الكوري الشمالي المحور الرئيسي لهذه الجولة زيادة على الملفات الاقتصادية، حيث سيشارك دونالد ترامب في فيتنام بقمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا-والمحيط الهادئ في داوننغ ويلقي خطابا. ومن المرجّح ان يلتقي هناك بنظيره الروسي فلاديمير بوتين.

أما المحطة الأخيرة من جولته  ستكون مانيلا إذ سيشارك في قمة أبيك لقادة دول جنوب شرق آسيا، ويعقد لقاء ثنائيا مع الرئيس الفلبيني. وتقوده إلى حضور قمتين دوليتين مهمتين لمنتدى أيبك ورابطة آسيان.

وتحمل هذه الزيارة عدة تناقضات، حيث يزور ترامب الحليف والمنافس والمختلفين معًا، فهل قرر ترامب سحب أمريكا من الشرق الأوسط لينعطف تجاه آسيا؟!

وهل سيتبع ترامب طريقة الرئيس نيكسون أم ستفضي الجولة، التي ستنتهي بحضور قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا في مانيلا، بزعزعة مبدأ “باكس أمريكانا” الذي ضمن السلم والأمن في القارة لسنوات؟

وما هي الرسالة التي يريد أن يوصلها ترامب وهل سينجح في إيصالها؟

لقاء الحلفاء

“مرحلة الصبر الاستراتيجي قد انتهت”، هذا أهم ماجاء في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته إلى اليابان الأحد الماضي. طبعا، هذا الكلام موجه أساسا إلى زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون الذي وصفه ترامب بـ”رجل الصواريخ الصغير”.

وأشار ترامب إلى أن لغة الخطاب الضعيفة، على مدى العشريتين الأخيرتين لم تأت بنتيجة. وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الياباني سينزو آبي في طوكيو “إن الولايات المتحدة واليابان لن تقبلا بعد اليوم  بأن يواصل النظام في كوريا الشمالية برنامجه غير القانوني للأسلحة، بما ذلك التجارب النووية، وإطلاق الصواريخ”.

ومن جانبه تعهد رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أثناء المؤتمر الصحفي مع ترامب “أن اليابان ستُسقط الصواريخ الكورية الشمالية  في الجو، لكن بعدما تُنهي صفقات شراء معدات عسكرية أمريكية”.

كما حصل ترامب على دعم تام من اليابان التي تؤيد سياسته القاضية بإبقاء جميع الخيارات متاحة، بما فيها الخيار العسكري من أجل التصدي لبيونغ يانغ.

وفي خطاب أمام البرلمان الكوري الجنوبي الأربعاء، وجه ترامب إنذارا شديد اللهجة إلى كوريا الشمالية، محذرا إياها من “التقليل من شأن” الولايات المتحدة وحلفائها.

وقال ترامب مخاطبا القادة الكوريين الشماليين “لا تقللوا من شأننا، لا تمتحنونا”، مضيفا “سندافع عن أمننا المشترك وعن ازدهارنا المشترك وعن حريتنا المقدسة”.

وأكد ترامب أن النظام الكوري الشمالي هو “أبعد ما يكون عن تقدير أبناء شعبه كمواطنين متساوين”، مشددا على أن “هذه الديكتاتورية القاسية تقيسهم وتصنفهم وترتبهم على أساس ولائهم للدولة بناء على أكثر المؤشرات تعسفا”. كما شدد ترامب على أنه لن يسمح “بأن تكون المدن الأمريكية مهددة بالدمار” بالأسلحة النووية لكوريا الشمالية.

لقاء المنافس

نشأت بين ترامب وشي جين بينغ، علاقات شخصية قوية إلى حد ما، إذ لا يتوانى الرئيس الأمريكي عن تأكيد ذلك في كل فرصة، خاصة عندما يحتاج إلى مساعدة الصين في القضية الكورية التي تقض مضاجعه. ومما لا شك فيه أن “العامل الشخصي” سيلعب دورا هاما في المفاوضات المقبلة.

وأعرب مستشار الأمن القومي الأمريكي، هربرت ماكماستر، عن اعتقاده بأن ترامب سيركز على تطوير علاقاته الشخصية القوية جدا بالفعل مع الرئيس الصيني، والتي بوشر بإنشائها في مانور في ولاية فلوريدا، حيث التقى الزعيمان لأول مرة في الربيع الماضي”.

وأشار إلى أن هذه العلاقات بين الرئيسين تطورت خلال الاجتماعات اللاحقة، وخاصة “في إطار قمة مجموعة الـ 20 والعديد من المحادثات الهاتفية”.

وفي الصين تغيرت لهجة ترامب تجاه كوريا الشمالية حيث حث الرئيس الأمريكي، كوريا الشمالية على “الجلوس إلى طاولة التفاوض” ومناقشة موضوع التخلي عن الأسلحة النووية.

وقال ترامب، مخالفا تصريحاته الشديدة السابقة، “أدعو الله” ألا أضطر إلى استخدام قوات الولايات المتحدة العسكرية ضد بيونغ يانغ.

أمريكا أولا والانزعاج الآسيوي

أمريكا أولا هو الشعار الذي رفعه ترامب أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية ولم تزل قرارات الرئيس الأمريكي تؤكد استمراره في تنفيذ كل ما من شأنه الصب في مصلحة بلاده.

صانعو القرار في آسيا يشعرون بأن ترامب ليست لديه رؤية واضحة ويعتمد على النهج التكتيكي لانتزاع أقصى منافع ممكنة للولايات المتحدة، ما جعل الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وعدد من دول جنوب شرق آسيا، تشعر بانزعاج وقلق شديدين من الرسالة الانعزالية الصريحة لترامب، وانسحابه السريع من اتفاقية باريس لمواجهة التغير المناخي ومن اتفاقية الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الهادئ.

هذه السلوكيات جعلت الكثير من صانعي القرار في العواصم الآسيوية يفترضون أن سياسة ترامب الخارجية ستقلب العديد من الافتراضات الراسخة حول الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في العالم على الصعيدين التجاري والأمني، وكلها أمور تربك حلفاء واشنطن وشركاءها الاستراتيجيين في آسيا وغيرها.

وتذكّر هذه السياسة باستراتيجية أمريكية معروفة يطلق عليها مصطلح لعبة توازن القوى. واعتمد هذه الاستراتيجية الرئيس ريتشادر نيكسون حين نصحه مستشاره لشؤون الأمن القومي هنري كيسنجر باستغلال التناقضات القائمة بين موسكو وبكين في الحرب ضدّ السوفييت.

لكن، تبدو سياسة ترامب التي تعتمد على الصين لكبح جماح كوريا الشمالية فاشلة لأن العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ ليست قوية، كما كانت عليه في الماضي في ضوء عدّة مؤشرات مهمة، منها عدم عقد قمة صينية كورية شمالية خلال الست سنوات الأخيرة، وموافقة بكين مؤخرا على فرض عقوبات صارمة من جانب مجلس الأمن على بيونغ يانغ.

وما يؤجج القلق والهواجس لدى كثير من حلفاء واشنطن الآسيويين إعجاب ترامب المتزايد بنظيره الصيني، ودعوته لبكين كي تكون صديقة وشريكة لإدارته.

وفي لقائهما الأول استضاف ترامب الرئيس الصيني شي جين بينغ في منتجعه في ولاية فلوريدا دون أن يطلب من الصين تغيير أيّ من الممارسات التجارية والاستثمارية غير العادلة التي دافع عنها خلال الحملة الانتخابية.

التوقع لا زال مبكرًا

سيكون من المبكر الجزم بما سوف تحمله جولة ترامب الآسيوية على وجه اليقين لأن نطاق الاحتمالات عريض، وربما تسفر الجولة عن حدوث تحوّل جذري في استراتيجية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والمعروفة باسم “الانعطافة نحو آسيا”.

وربما ينجم عنها تأكيد واضح من القيادة الأمريكية على استمرار تركيزها على آسيا، من خلال نهج أكثر عسكرة في مواجهة كوريا الشمالية، وربما تكشف عزم ترامب الانضمام للصين والتعاون معها في إنشاء “مجموعة الاثنين” التي تضم القوتين الأكبر في العالم، ومن شأن هذا التقارب خلق تنافر شديد بين أمريكا من ناحية وكوريا الجنوبية واليابان من ناحية أخرى، ومن شأن هذا أن يحدث تغيرات كبيرة في بحر الصين الجنوبي والتأثير على حركة الملاحة في هذه المنطقة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى