آراءمقالات

جرجيرنا.. وتامول «الأعادي»

عبدالعزيز السباعي
Latest posts by عبدالعزيز السباعي (see all)

بين «الوضع الراهن» لليمون والبصل والجرجير والبرسيم، وبين الانتشار السرطاني لأشباه التامول والفياجرا واللحوم مجهولة المنشأ، والمَصدر، والنوع، وقائع كثيرة من الإغراق والإغراءات على صعيد «العَرْض»، ومحاولات دءوبة للتجهيل والتغييب والتخريب على جانب «اختلاق الطلب».

(كان) الجَزَر يُقوّي النظر، والليمون والبصل صيدلية شاملة، والسبانخ تعالج الأنيميا، وفي الكوسة -أو القرع- إفادة لعضلة القلب… أمّا عن فوائد الجرجير فما زال البعض يتذكّر عنها الكثير.

بَيْدَ أنّ صحة الفقرة السابقة، ومثيلاتها في تعديد فوائد النباتات، تبقى رهنًا بحالة التربة ومياه الري والتسميد وخلو المبيدات من التأثيرات المُضرة؛ فما كان للتامول أن ينتشر ويشتهر في بلادنا إلا إذا غابت عن الأذهان –على سبيل المَثل- فوائد الجرجير والبصل، ولأن النسيان مؤقت وعلاج الجهل يسير، كان لزامًا على تجار العقاقير إفقاد نباتاتنا طبيعتها، بإفساد عوامل زراعتها؛ ليضطر الناس لقبول بدائلها «السريعة» والانصراف عن علاج الخلل الطارئ الدخيل.

بدأت الوقائع بإغراق البلاد بكميات كبيرة من السلع البديلة بأسعار زهيدة، مع الانتشار الواسع والدعاية الكثيفة.. بالتزامن، والتوازي، مع إدخال محاصيل غريبة وإقحام طرق جديدة على التسميد وإبادة الآفات بالكيماويات لتتراجع أهمية السماد البلدي وتقل الحاجة لأمهات المواشي خصوصًا مع خفض مناسيب مياه الري في الترع والاضطرار لاستعمال ماكينات الديزل..

ظهر اللحم المجمّد رخيصًا جدًّا مقارنة بـ«البلدي»، الطازج، اللذيذ، وخسر المربون والرعاة المنافسة الجائرة، فتقلصت ثروتنا الحيوانية، فأخذت أسعار اللحم الوافد بالارتفاع.. في مثال واضح على استراتيجية «الإغراق ثم الاحتكار».. تمامًا كما ظهر شريط التامول ببضعة جنيهات ثم تقافز –تدريجيًّا- ليصبح سعره من «3 خانات».

يمكن اختصار ما جرى في: «تغيير منظومة الري والزراعة، وتشويش العقول».

وعلى هذا المنوال سارت أمور كثيرة، يطول حصرها، في الصناعة، وفي التربية، والثقافة، وكثير من الخدمات…

في هذه القضايا المصيرية، أين بيت القصيد وحجر الزاوية ومربط الفرس؟

هل استطاع «الأعادي» فعل كل ذلك لأنهم عباقرة يملكون قوى خارقة لا رادَّ لرغباتهم ولا مفرَّ من مخططاتهم ولا ملجأ من أطماعهم.. أم أنهم وجدوا معاونة أو مهادنة أو -على الأقل- تساهلاً في الانقياد لصفقاتهم دون توقف أمام النتائج ولا تثبُّت من الأهداف ولا تفكير في المآلات؟

في بلدنا مراكز بحوث في جميع المجالات، ومدارس وجامعات، ومعامل تحاليل في كل المدن وفي كثير من القرى.. لدينا صحافة وإعلام.. وخبراء ومحللون وباحثون، ونشطاء ومتفاعلون على السوشيال ميديا، ومعلقون ومُفتون في كل شيء تقريبًا.. كل هذا إلى جانب وزارات ومديريات وإدارات وهيئات ومؤسسات ومجالس عليا ولجان عليا وجهات عليا، ومؤتمرات على أعلى المستويات.. ولا يفوتنا –في هذا الصدد- ذكر «البرلمان».. فلا دورَ (مُتوقَّعًا) لكل ما سبق من كيانات وأفراد وفاعليات غير مراجعة الأمور العامة، كُلّ في ميدانه، والبحث عن حلول لمشاكل «المواطنين».. فماذا ينقصنا لاستعادة مقومات الحياة الطبيعية؟

أظن أننا بحاجة إلى «الروح» و«الوعي» و«العلم المفيد»، فلا فائدة في حفظ أسماء لاعبي برشلونة وريال مدريد وإنجازاتهما –مثلاً- إذا جاء هذا على حساب معلومة ضرورية تمس أمور حياتنا.

أيّ وعي نحصده من متابعة الأحداث العالمية إذا شغلتنا عن مراجعة سلوكياتنا وتصرفاتنا وما يدور حولنا وما تدار به شئوننا؟

لقد نجح «الأعادي» في إلهائنا بالسراب والزَّبَد والوهْم والعبث لينفردوا بالثروة والنفوذ واحتكار الضرورات.

نجح «الأعادي» في شغل أوقاتنا وتشتيت أذهاننا وتبديد جهودنا وإغراقنا بالسفاسف وأحاديث الإفك وحلبات المصارعة العبثية..

أيهما أولى وأجدى وأهم: البحث في إصلاح زراعاتنا وزيادة منتجاتنا.. أم تصيُّد عناكب الخراب لأدعياء التفقه عبارات مُبْهَمَة في مسائل ملتبسة مثل إرضاع الكبير ونكاح الوداع والزنا بالبهائم؟

ما مغزى معركة دراويش عبدالناصر وعمرو موسى، في هذا التوقيت تحديدًا، حول حكاية الجبنة السويسرية وتجاهل الطرفين «بهدلة» عساكرنا في اليمن وفي سيناء.. ثم «في سيناء»؟

إن العقول لا تتوقف عن العمل، ولكي تنصرف عن التفكير فيما يستحق فلا بد من شغلها بما لا يستحق.. وهذا تمامًا ما يفعله ويُصِرُّ عليه «الأعادي» و«ذيول الأعادي»؛ لكي تبقى كنوزُنا معدومةَ الجدوى، فلم يستفِد «علي بابا» من المغارة إلا لأنه كان يعرف –قبل دخولها- معنى ما تحويه من «ذهب وياقوت ومرجان».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى