الأمة الثقافية

تعليم العربية الوظيفي

محمد البوزيدي

(الوظيفيَّةُ) اتجاهٌ تداوليٌّ، من الاتجاهات اللسانية الحديثة، وهو اتجاهٌ ترجع أصولُه إلى جملة من الأعمال اللسانيَّة الحديثةِ، أهمُّها: أعمال مدرسة براغ، وأعمال اللسانيين التشيكيين المعروفة بالوجهة الوظيفيَّة للجملة، والمدرسة النسقيَّة (لندن)[1].

ويتحدَّد مفهوم العلميَّة في الوظيفيَّة من خلال الاعتقاد بأن البنى الصياتية والقواعديَّة والدلاليَّة – محكومةٌ بالوظائف التي تؤدِّيها في المجتمعات التي تعمل فيها[2].

وبذلك تؤسِّس لأسئلة جديدة، منها:

• مَن يتكلَّم؟

• إلى من نتكلَّم؟

• ماذا نصنع حين نتكلَّم؟

• ماذا نقول بالضبط؟

• لأجل مَن نتكلَّم؟

• ماذا علينا أن نفعلَ حتى يرتفع الإبهامُ والغموض في كلامنا؟

• كيف يمكننا قول شيء آخَرَ غير ما كنا نريده؟

• هل يمكن أن نركنَ إلى المعنى الحرفيِّ لقصدٍ ما؟

• ما استعمالات اللغة؟[3]

تروم (الوظيفيَّةُ) تفسيرَ الخصائص الصوريَّة للغة الطبيعيَّة؛ بربط هذه الخصائص بوظيفةِ اللسان الطبيعيِّ التواصليَّةِ، فاللغةُ حسب الوظيفيَّة نسق رمزيٌّ، يؤدِّي وظائفَ أهمُّها وظيفةُ التواصل[4]، فموضوع النظريَّة الوظيفيَّة قدرة تواصليَّة لدى المتكلِّم السامع، وهي معرفتُه بالقواعد التي تمكِّنه من تحقيق أغراضه التواصليَّة التبليغيَّة بواسطة اللغة[5]، كما تروم تأسيس كليات لغويَّة، تشترك فيها الألسنُ الإنسانية، انطلاقًا من أن وظائفَ اللغة تحدِّدُ بنيتها.

فإذا كانت الوظيفيَّة نظريةً لسانيَّةً، تهتم بالقدرة التواصليَّةِ لدى المتكلم السامع، فغايةُ تعليم اللغة هي جعل المتكلم يمتلك قدرةً تواصليَّة لأداء نوايا تواصليَّة معينة؛ مما يعني أن هناك خطوطَ تماسٍّ بين ما هو لسانيٌّ، وما هو لسانيٌّ تطبيقيٌّ، وما هو ديداكتيكي، فالحاجة إلى الديداكتيك أو ميتودولوجيا تعليم اللغات أو التعليميَّة كحاجة اللسانيات التطبيقيَّة إلى التفكير اللساني، علمًا بأن بعض الفرضيات ومواضيع الاشتغال تستمدُّها اللسانيات التربويَّة من الإستراتيجيَّة الديداكتيكية، فالظاهرة اللغويَّةُ يتجاذبها البحثُ والتعليم منذ الزمن الغابر، وعلى امتداد تاريخ الإنسانيَّةِ.

والتعليميَّة هي “دراسة علميَّة لمحتويات التدريس وطرقه وتقنياته، ولأشكال تنظيم مواقفِ التعلم التي يخضع لها التلميذُ، دراسة تستهدف صياغة مواقف التعلم التي يخضع لها التلميذ، دراسة تستهدف صياغة نماذجَ ونظرياتٍ تطبيقيَّة معياريَّة بقصد بلوغ الأهداف المرجوَّة، سواء على المستوى العقليِّ أم الانفعاليِّ أم الحس حركي”[6]، كما وأنها “علم تطبيقيٌّ يتمثل موضوعه أساسًا في بناء وتجريب إستراتيجيات بيداغوجية متنوعة؛ وذلك قصد تسهيل عملية تحقيق وتطبيق مشاريع تربوية ملائمة”[7].

وصرحُ إنتاج تعليميَّة اللغة العربية في الثانوي ما زال في طَوْرِ البناء، رغم الإنتاجِ الذي يشكِّل ما يُصطلح عليه تعليمياتُ اللغات الأجنبية، التي وعى صنَّاعُ قرار بلدانها “أهمية التربية والتعليم، وخطورة دورها في الوقت الراهن على مستقبل الرأسمال البشري، الذي يمكن أن يقود إلى التغيير، ويحقِّق آمال الأُمَّة وطموحاتِها”[8]، وفيما يخصُّ منهاج اللغة العربية بالثانوي، الذي تنطلق منه تعليميَّة اللغة العربية بهذا المستوى في الاكتساب اللغوي، فهذا المنهاجُ منفتحٌ على المعرفة اللسانية؛ مما ساهم في تطوير وإغناء اللغة العربية عبر صياغةِ العديد من المبادئ والقواعد وتقريبها للتلميذ، خاصة أنه ينحو منحًى يجمع بين التلقين والتطبيق.

ومن حسنات هذا الانفتاح:

• تعزيزُ التكامل بين القراءة الوظيفيَّة والدرس اللغويِّ.

• دراسة الظواهر اللغويَّة بدلًا من الأبواب اللغويَّة.

• الاستناد نظريًّا إلى الاستعمال الوظيفيِّ للغة، باعتماد عدد من المفاهيم في الدرس اللغويِّ كالفعل الكلاميِّ، تجاوزًا للمقاربة المؤسسة على القواعد المعياريَّة، واهتمامًا بعدد من الكفايات، لا سيما الكفاية التواصليَّة.

• تقويم المعارف والمهارات اللغويَّةِ محفِّزٌ لمدرِّس اللغة العربية على عدم الاقتصار على الدراسات اللسانيَّة الصرفة، والاطلاع على اللسانيات التطبيقيَّة مثل السيكو لسانيات، والسوسيو لسانيات، وعلم ديداكتيكا اللغات والثقافات، وسيكولوجية التعلم، ودراسة وتصنيف الأغلاط وتحليلها، مضافة إلى علوم اللغة العربية.

ووفقًا للمنظور الوظيفي – الذي يتبنى الطريقةَ الوظيفيَّة التواصليَّة في تعليم اللغة، التي تختلف عن الطريقة التقليديَّة – فالمتعلم إنسانٌ له قدرات، كما أن اللغة التي يكتسبها لها علاقة بالمجتمع، والحديث عن جهاز الاكتساب اللغوي بوصفه نسقًا من المبادئ العامة التي تمكِّن المتعلمَ من تعلُّم اللغة، وهي مبادئ تتعلق بالوظيفة والبنية؛ ولهذا فعندما يكتسب المتعلمُ المعرفةَ اللغويةَ، فهو يكتسب نسقَ اللغة والقوانين والأعراف المتحكمة في الاستعمال المناسب للنسق اللغويِّ في مواقفَ تواصليَّةٍ معينةٍ؛ من أجل تحقيق أغراضٍ معينة في مواقفَ اجتماعيَّة معينة.

والإقناع الوظيفي في تعليميَّة اللغة العربية بالثانوي يقتضي الوعيَ بأن طريقة تعلم واكتساب اللغات تتباينُ جوهريًّا عن طرق تعلم واكتساب معارف نشاطات أخرى، فتعلمُ اللغة يُوسَم بالشموليَّة، ويجري في نطاق أرحَبَ، بخلاف تعلم الرياضيات أو الكيمياء أو غيرها؛ إذ يتم في نطاق ضيق، ويتصل أساسًا بالنشاط الأصل، كما أن هناك معلوماتٍ تداولية فاعلة في التواصل بين المعلم والمتعلم، وهي معلومات عامة مرتبطة بالعالم أو بأي عالم ممكن، ومعلومات موقفية مرتبطة بما يتضمَّنه الموقف الذي يتم فيه التواصل، ومعلومات سياقية مستقاة من الخطاب المتبادَلِ سلفًا بين الشخصين المتواصلين.

وبناءً على ذلك، يستدعي تطويرُ المنظومة التربويَّةِ المغربيَّةِ والارتقاء بتعليم اللغة العربيَّةِ بالمستوى المذكور – توفيرَ قاعدة بيانات رسمية، تستوعب المؤثراتِ التي توجِّهُ سيرَ هذه التعليميَّة إلى ما هو أفضل؛ من أجل تفعيلها مستقبلًا، ودعم تعليميَّة اللغة العربية بالثانوي، بوصفها فرعًا من علوم التربية، لا سيما أن تعليميَّة اللغات إجمالًا بما فيها اللغة العربية – تجد نفسَها في تنافسٍ وصراعٍ دائمين مع آليات طبيعية لتعلُّم واكتساب اللغة أو اللغات، يقتضي الإسهام في استيعاب وشرح ما تنبني عليه عمليتا التعليم والتعلم من آليات مركبة، والعمل على ملاءمتِها مع بيئات التعلم المختلفة حسب السياقات، وتكييفها مع ظروف المعلم والمتعلم، علمًا بأن هناك معطياتٍ اجتماعيةً ونفسيةً كثيرةً فاعلة في عمليتَي التعليم والتعلم ينبغي إيلاؤها النصيبَ الوافر من العناية في تناول تعليميَّة اللغة العربية بالثانوي، كدور التمثُّلات في عمليات التعليم والتعلم، وما يتصل بها من تعدُّد الأنماط السوسيو ثقافية والسيكولوجية السائدة.

واستمرار المنظومة التربوية على وضعيتها الحالية، بما فيها تعليميَّة اللغة العربية بالثانوي، دون إحداث تغيير جِذريٍّ في أنساقها وممارساتها وسياساتها ومضامينها وبدائلها، على ضوء ثقافتنا وحضارتنا المغربية الإسلامية العريقة، وعلى هَديِ التجربة العالمية الناجحة – قد لا يُفضي إلى تحقيق طموحات المجتمع المغربيِّ، الذي يتوقع إحداث تطوُّرٍ حقيقيٍّ، يلمس بشكل واضح تصوراته وقدراته وإنجازاته وقيمه وإبداعاته، فالإصلاح المنشودُ يستلزم تكثيف الجهود، وتضافُرَ النيات الحسنة، والإرادات القوية، وحشد القدرات، وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية والموارد الاقتصادية؛ لتحقيق الآمال والطموحات[9].

خاتمة:

تعليميَّة اللغة العربية وفق منظور وظيفيٍّ بالمستوى الثانوي تستدعي منهجًا متكاملًا يراعي خصوصية تعليميَّة اللغة العربية المتباينة تمامًا عن تعليميات مواضيع أخرى؛ لتوفير قاعدة بيانات شاملة وفعالة تستند إلى علوم شتى، وهو عمل يلامس جانبًا من جوانب المنظومة التربويَّة، ولا يقوم به فردٌ واحدٌ، فهو مشروع تربويٌّ مجتمعيٌّ ينبغي أن يقوده أهلُ العلم والاختصاص، ويدعمه أهلُ الحل والعقد.

المصدر: الألوكة

———-

[1] ينظر: حافظ إسماعيلي علوي (2 أكتوبر، ديسمبر 2004)، “قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية”، مجلة عالم الفكر، المجلد 33، ص199.

[2] ينظر: محمد يونس علي (يوليو، سبتمبر 2003)، “أصول اتجاهات المدارس اللسانية الحديثة”، مجلة عالم الفكر، المجلد 32، ص146.

[3] ينظر: علي آيت أوشان (2000)، “السياق والنص الشعري من البنية إلى القراءة”، دار الثقافة، ط1، ص 56 – 57.

[4] ينظر: أحمد المتوكل (1989)، “اللسانيات الوظيفية: مدخل نظري”، منشورات عكاظ، الرباط، ص12.

[5] ينظر: علي آيت أوشان (1998)، “اللسانيات والبيداغوجيا: نموذج النحو الوظيفي، الأسس المعرفية والديداكتيكية”، دار الثقافة، ص39.

[6] محمد الدريج (1991)، “التدريس الهادف: مساهمة في التأسيس العلمي لنموذج التدريس بالأهداف التربوية”، الطبعة الأولى، المغرب، ص 28.

[7] عبدالرحيم آيت دوصو، “مصطلحات علوم التربية: عربي – فرنسي – إنجليزي”، مطبعة الرسالة، ص 33.

[8] أحمد أوزي (يونيو 2015)، “مجلة علوم التربية”، تقديم العدد الثاني والستين، ص 6.

[9] ينظر: أحمد أوزي (يونيو 2015)، “مجلة علوم التربية”، تقديم العدد الثاني والستين، مطبعة النجاح الجديدة، ص6.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى