الأمة الثقافية

تضمين الفعل في القرآن الكريم ومقاصده

يطلق مصطلح (التضمين) عند النحاة على إشراب الشيء معنى شيء آخر، فيكون مثله لكنه لا ينقاس عليه دائما، و يحدث التضمين في الاسم – مثلا – ليضاف لمعناه في سياقه معنى اسم آخر، ونظير ذلك قول الله – تعالى- : “حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق” فقد وردت (حقيق) هنا بمعنى حريص فأخذت معناها وما يترتب عليها، وتنداح الدائرة لتشمل الأفعال، فيأخذ الفعل معنى فعل آخر، ويتعدى بحرفه كما يتعدى الفعل المقيس عليه و المنتقل إليه سواء بسواء، و منه قول الله – تعالى-: “عينا يشربُ بها عباد الله” فيشرب هنا بمعنى يروى، يقول ابن جني: “اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدَّى بحرف والآخر بآخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه. وذلك كقول الله -عز اسمه: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (البقرة 187)، وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها أو معها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء، وكنت تعدي أفضيت بــ”إلى” كقولك: أفضيت إلى المرأة، جئت بـ”إلى” مع الرفث إيذانًا وإشعارًا أنه بمعناه” (1)

ويورد صاحب نتائج الفِكر في تعليقه على قوله – تعالى-: “فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) (الصافات 143): (المسبحين)، أي: المصلين. فإذا ثبت ذلك وأردت التسبيح المجرد فلا معنى للباء، لأنه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: “سبحت بالله”. وإذا أردت التضمين لمعنى الصلاة دخلت “الباء” تنبيهًا على ذلك المعنى، فنقول: “سبح باسم ربك”.كما تقول: “صل باسم ربك”، أي: مفتتحًا باسمه، وكذلك أيضًا دخلت اللام في قوله تعالى: “سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ”؛ لأنه أراد التسبيح الذي هو السجود والطاعة، كما قال الله تعالى: “وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” (2)، وفي الجنى الداني، بصدد قوله تعالى: “وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) (البقرة 195) ذكر أن تلقوا هنا بمعنى تفضوا (3)، وعلى هذا فالفعل في العربية لازم ومتعد، واللازم ما لا ينصب مفعولا وما لا يتعدى بنفسه، والمتعدي ما تعدى للمفعول به بنفسه، وقد نجد أفعالا لازمة لها مفاعيل، فيفسرها النحاة على أنها منصوبة على نزع الخافض، بناء على معنى الفعل ؛كما في قوله تعالى: (“لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ” الأعراف 16)، إذ الأصل عندهم: على صراطك المستقيم(4)، ويقرر بعض النحاة أن الفعل إذا استُعْمل “متعدياً بنفسه تارةً، وبحرف جرٍّ تارةً أخرى، ولم يكن أحد الاستعمالين مشهوراً، قيل فيه: متعدٍّ بوجهين، ولم يُحْكم بتقدير الحرف عند سقوطه، ولا بزيادته عند ثبوته، نحو: شَكَـرْتُـهُ، وشَكَرْتُ لَـهُ”(5)، ومن هنا فإن الفعل ينتقل من لزوميته أحيانا إلى تعديه كونه تضمن معنى فعل آخر ، وهذا واضح في قوله – تعالى- : ” فَلَنْ يَكْفُرُكُمُوهُ رَبُّكُمْ (6)” يرى الزمخشري أن يكفروه هنا بمعنى يُحرموه؛ لذا تعدى الفعل واتصل به هاء الغائب الواقعة مفعولا به وقبلها واو الجماعة الواقعة نائب فاعل في محل رفع ، و فسرها الطبري ب “فَلَنْ يَكْفُرُكُمُوهُ رَبُّكُمْ (7) وابن أبي حاتم : (فَلَنْ يُظْلَمُوهُ(8)، : والماتريدي ، قال بأنه لن يرد ذلك عليكم؛ بل يقبل؛ بل تجزون به في الآخرة(9)، ويطول بنا الأمر إن تقصينا أقوال كل المفسرين، وهي قريبة من قريب متحدة الهدف، مترافقة الغاية في محاولتها تضمين الفعل (يكفر) معنى فعل آخر و إشرابه فعلا متعديا لمفعولين حتى لو اختلفت مشاربهم وتنوعت في الاختيار، فإنها توافقت هدفا واتحدت فكرة، على أنَّ أبا حيان تسرّح ففصّل، وانظر إليه تلفه يقول : ” وَكَفَرَ: يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ، يُقَالُ: كَفَرَ النِّعْمَةَ، وَهُنَا ضَمَّنَ مَعْنَى حَرَمَ، أَيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا ثَوَابَهُ، وَلَمَّا جَاءَ وَصْفُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ شَكُورٌ فِي مَعْنَى تَوْفِيَةِ الثَّوَابِ، نَفَى عَنْهُ تَعَالَى نَقِيضَ الشُّكْرِ وَهُوَ كُفْرُ الثَّوَابِ، أَيْ حِرْمَانُهُ” (10)، وتبعه في ذلك صاحب البحر المديد (11).

إن فقهاء اللغة حين لجؤوا إلى التضمين، تضمين الفعل معنى فعل آخر، كانوا على علم و دراية واسعين بدقة تلك التراكيب و دقائق أسرارها، ودعوة لسبر أغوارها، و قدح العقل في إمعان النظر والتأمل والتبصر، وبنظرة المتبصر –على سبيل المثال – قوله تعالى ” عينا يشرب بها عباد الله ” سالفة الذكر ( تحذف وتوضع ثلاث نقاط) ، فإن الفعل يشرب هنا ضمن معنى يروي ليتعدى بالباء، فيكون في ذلك دليل على الفعلين، أحدهما بالتصريح، والآخر بالتضمين، و قريب من ذلك ما ساقه ابن القيم فيمن قال في السحاب: «شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ حَتَّى رَوِينَ، ثُمَّ تَرَفَّعْنَ وَصَعِدْنَ»، وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها، فإنه لا دلالة فيه على الريِّ، وأن يقال: يروى بها لأنه لا يدلُّ على الشرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال: يشرب بها دلَّ على الشرب بصريحه وعلى الريِّ بخلاف الباء؛ فتأمَّلْه! ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ )الحج: 25) وفعلُ الإرادة لا يتعدَّى بالباء، ولكن ضُمِّن معنى يهمُّ فيه بكذا وهو أبلغ من الإرادة، فكان في ذكر الباء إشارةٌ إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمةً (12)، وبالنظر للفعل يكفروه ، بما ضمن معنى فعل آخر راحت قرائح المفسرين تذهب فيه كل مذهب، فتعدد المعنى بالفعل الصريح وصنوه الذي ضمّنه، فاكتنز المعنى من ناحية ( تحذف؛ لأنك لم تذكر الناحية الأخرى) بلفظ واحد، كما شاكل اللفظ ذلك ذكر الفعل (يهدون) قبله، فبات اللفظ مشاكلا ، ومعناه متعدد، فسبحان من هذا كلامه!

د. حمادة عبد الإله حامد

______

(1) الخصائص، لابن جني 2/310
(2) نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي، 1/36 .
(3) الجنى الداني في حروف المعاني، للمرادي 1/52 .
(4) انظر: شرح التسهيل لابن مالك 2/148-149 ..
(5) انظر: شرح التسهيل لابن مالك 2/148-149 ..
(6) تفسير الطبري، 5/700 ..
(7) تفسير الطبري، 5/700 ..
(8) تفير أبي حاتم،3/740 ..
(9) تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة)، 2/459
(10)البحر المحيط 3/313 …
(11) البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، للفاسي الصوفي 1/396 .
(12) السابق نفسه .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى