آراءمقالات

تركيا.. جغرافيا وطاقة

Latest posts by صابر علام (see all)

حينما قامت تركيا بإسقاط طائرة عسكرية روسية، نشبت أزمة عنيفة بين الدولتين.. موازين القوة تميل بشدة لصالح روســيا ولا مجال للمقارنة.. حتى وأن كانت تركيا عضو في حلف الناتو.. الاعتداء تم على طائرة روسية وليس على طائرة لدولة حليفة لروسيا.. الشاهد.. أن لغة أردوغان أثناء الأزمة لم تكن تتناسب مع فارق القوة الصارخ.. اردوغان كان يتكلم وكأنه بوتين.. وكأنه لديه الكلمة الأخيرة.. وهو فعلا كان يملك الكلمة الأخيرة.. الكلمة الأخيرة هي مضيق البسفور

ربما توصف قناة السويس على أنها أهم ممر مائي في العالم.. وذلك مرجعه إلى أن ما نسبته 12% من التجارة العالمية يمر من هذه القناة.. ولكن في حالة إغلاق الممر المائي.. هناك بديل جهاز.. وهو الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

ولكن مضيق البسفور يحجز وراءه خمسة دول هي روسيا، أوكرانيا، جورجيا، بلغاريا، رومانيا.. كلها تطل على البحر الأسود.. ويتصل البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط عبر مضيق البسفور.. فقط.. أي أن مضيق البسفور هو شريان حياة حقيقي لهذه الدول الخمس.. مضيق البسفور يقع كله في الأرضي التركية وفى منطقة منه يبلغ عرض المضيق 500 متر فقط.. أي أن سده أو تعطيله ممكن أن يتم بسهولة.. لذلك اخذ هذه الشهرة وأخذت تركيا تلك الأهمية الجغرافية.

وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ثم قيام الولايات المتحدة تباعا بسحب 25 مليار دولا من السوق التركية وتسليح الأكراد بسلاح نوعى.. تأكد لدى اردوغان أن هناك قرار أمريكي أوروبي قد اتخذ لإسقاطه وإسقاط تركيا.. وكسياسي محترف.. انعطف الرجل بحدة نحو روسيا.. وكان بوتين في انتظاره.. تلقفه بلهفة.. روسيا وتركيا معها غيرها وهى تسعى للانضمام للسوق الأوروبية.. هو بلا شك انتصار لروسيا بوتين.. انتصار أن ينتزع أهم دولة بالنسبة له.. من بين دول حلف الناتو.. أو يجرد الناتو من أهم دولة، الدولة التي تستطيع خنق الروس بإغلاق البسفور.. توافقت الدولتان بسرعة… الغرب ليس بغائب عن هذا التقارب.. كانت هناك محاولة لتسميم هذا التقارب بقتل السفير الروسي في أنقرة.. ولكنهما (روسيا وتركيا) قرءوا اللعبة.

للأتراك أهداف ومطامع بالطبع في سوريا، لكن أهداف الروس في سوريا هي التي تفسر كل ما يحدث في الشرق الأوسط الآن وتفسر لماذا جاءوا إلينا بكل هذا العنف.

الغاز، من المتوقع أن يزداد استخدامه بأكثر من خمس مرات من استخدامه الآن في ظل قرارات بإغلاق العديد من المفاعلات النووية المولدة للطاقة.. آخر الإحصائيات تفيد أن احتياطي الغاز العربي مجتمع يفوق احتياطي الغاز الروسى (اكبر منتج للغاز في العالم) بل ويفوق احتياطي إيران (ثاني احتياطي) مرتين، وعليه فالغاز العربي مرشح أن ينافس بقوة الغاز الروسي والإيراني، والغاز العربي بالطبع سوقه الرئيسة هي السوق الأوروبية.. وإذا تقرر تصدير الغاز من الخليج أو من مصر أو حتى إسرائيل، لابد أن تمر خطوطه عبر سوريا ثم تركيا ثم إلى أوروبا، لذا كان التواجد الروسي في سوريا والذي يتمترس كل يوم عن ذي قبله بقصد منع الغاز العربي من عبور سوريا بأي حال، أو تعويق وتصعيب وصوله لأوروبا، أو رفع أثمانه أذا وجد وسيلة للوصول إلى الشواطئ الأوروبية، إيران لديها نفس الهدف وأهداف أخرى في سوريا.

تركيا، أن صح الوصف، سوف تصبح عن حق، بوابة الغاز إلى غرب أوروبا، سواء الغاز الإيراني أو الروسي أو من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق أو العربي، إن أفلح العرب من الفكاك من أنياب الروس في سوريا، وهكذا تكتسب تركيا ميزة جغرافية إضافية في موقعها إضافة إلى المضايق (البسفور والدردنيل)

 نتمنى كل الخير لتركيا، وهناك مقولة: الحظ للمجتهدين، حكاية مرور الغاز من تركيا جاءت لهم على طبق من ذهب، بسبب موقعهم الذي يشبه ترباس الباب، أن شاءوا فتحوه وان غضبوا، اغضبوا الدنيا، ليس الغاز فقط هو ما يتحكمون فيه، الغاز والمضايق، أصبح الكل يخشى غضبة أردوغان، بل ويسترضونه وهم في نفس الوقت يتمنون رحيله بل ويعملون عليه.

أنظر إلى ذلك ثم أعيد النظر إلى مصر وإلى قناة السويس التي نتغنى بها، وأنظر إلى النيل الذي ملأنا الدنيا والتاريخ أشعارًا، مديحا ومناجاة معه وله، أنظر إلى السد العالي (من أموالنا بأيدي عمالنا)، الذي قال عنه وزير الكهرباء إنه خرج من الحسبة، لقد ذهبوا هناك، ذهبوا جميعا إلى إسرائيل وبدون ثمن وبغير رجعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى