آراءمقالات

بِضَاعَةُ الطَّاغِيَّةُ

عنتر فرحات
Latest posts by عنتر فرحات (see all)

في قراءةٍ سَريعةِ للتاريخِ الإنساني عمومًا، والإسلامي خاصةً، وَجدنا أنَّ كل فترة يَزداد فيها ضَعف الأمة يسبقه تَشْدِيد من الحاكم، وتضيق عليها في كثير من سُبُلِ الحياة، ومُحاربةٍ شديدة للإبداع الإنساني، وحَربٍ شَعْوَاءِ وبلا هَوَادَةٍ عَلَى عُقُولِ هَذِه الأُمَّة (النخبة).

وفي استقراء لهذه الفترات نجد أن كل هؤلاء الحكام الذين اشتد في زمنهم ضعف الأمة، كانت لهم صِفات ملازمة لِذَوَاتِهِم لُزُومَ الحِقْدِ لِلْجَمَلِ، والْلَسْعِ لِلْعَقْرَبِ.

أولها: الطغيان والظلم.

ثانيها: نشر الجهل.

والأمة الإسلامية ليست في منأى عن ذلك، وهذا تفسير لماذا يَنشُرُ المحتل  الجهل والأمية في البلاد التي تقع تحت سيطرته، ولماذا ينتشر الجهل اليوم في كثير من البلاد التي كانت قابعة تحت سيطرة الاحتلال قبل عقود ليست بالطويلة، وتفسير لماذا الأنظمة العربية لا تُسَاهم في رفع المستوى الحضاري والعلمي لشعوبها.

وهنا إجابةٌ فَصْلٌ فِي الفَارِق الواضح بين الفتح الإسلامي، والغزو الصليبي، ماذا فعل الفتح الإسلامي في البلاد التي أصبحت جزءا من الخلافة، ويتهمونهم أنهم فتحوها بالسيف، وَمَا فَعَلَه الصليبيون على مدى التاريخ، وما يفعلونه اليوم في نشر حَريتهم كما يزعمون، والتي رأيناها في العراق والأفغان، وما الصومال عَنَّا ببعيد.

شاءت إرادة الله عز وجل أنه كلما تسلط على الأمة رجل ظالم، أول ما يُسارع له هو نشر الجهل بين الأمة حتى يضمن ألا مُنَازِعَ يُنَازِعُه الملك لذلك؛ ينتشر الجهل والفقر وتقديس الأشخاص، ويترتب على هذا، أنه كلما انتشر الجهل في أمة كلما انتشرت الخُرافة وحُورِبَ العلم، وكانت الكلمة لأصحاب النفوذ مِمَّن هم في السلطة أو مَن رضي أن يكون جزءا من فسادها وطغيانها، وصنف ثالث مُرْتَزَق رضي أن يكون عبدا ضد أبناء شعبه وأمته.

وهذا مُشَاهَد عِيَانًا في تاريخ الأمة الإسلامية، فكان كثير من الناس يهربون من مجابهة الظالم، ويتسترون بالتصوف وأنه (الحاكم الظالم) سُلِّطَ عليهم بسبب معاصيهم، إلى غير ذلك من الحُجَجِ التي يَتَسَرْبَلُونَ بها، وكم يَسْعَدُ الطاغية بهذه الحُجَجٍ؛ بأنه عذاب الله سُلط عليهم بسبب ذنبوهم، وأنه ينفذ قدر الله فيهم، ويسعد أكثر وهو ينشر الجهل بين أمته.

لذلك عبر التاريخ أو اليوم كلما نزلت قُطرا من أقطار الأمة الإسلامية، ووجدت الخُرافَةَ ثَقَافَةَ مُجتَمَعٍ، والجهل هو السائد بين الناس؛ فلا تسأل أبدا لماذا هذا، وتأكد يقينا أن في هذا البلد حاكم طاغية، ومثال لذلك لما احتلت فرنسا الجزائر، وكانت الجزائر منارة علم جُوبِهت فرنسا اللعينة بمقاومة وجهاد شديد ضدها،وكان مَن يقود هذه الحرب ضد المحتل هم شيوخ الزوايا، لم تدرك فرنسا القوة الحقيقية التي تدفع هؤلاء في التفاني من أجل الشهادة، حتى استعانت بجارتها وأُختها في الإجرام ضد الشعوب الإسلامية (إنجلترا)، حيث وصفت لها السم الناقع  ضد هذه القوة التي تقف في وجه فرنسا، وَمَنعِهَا مِن بسط نفوذها على كافة التراب الجزائري، وإن كان نشر الجهل من خصائص المحتلين، فإنه في المحتل الفرنسي رُكن أصيل، زِدْ على ذلك نشر الخرافة.

بالجهل والخرافة استطاعت فرنسا أن تبسط نفوذها على كافة التراب الجزائري، لذلك لما جاء الإمام ابن باديس والعلامة الإبراهيمي (رحمهما الله)، وقبل محاربة المحتل الفرنسي عملوا على:

أولا: تعليم النَّشْء (الجيل الجديد).

ثانيا: وهو الأصعب، محاربة الخرافة، التي يدعمها المحتل.

لذلك بعد ثلاثين عاما خرج جِيلٌ قام بثورة لم يشهد لها التاريخ مَثَلًا، مليون ونصف مليون شهيد، وفي سبع سنوات استطاع المجاهدون طرد المحتل الفرنسي.

مرة أخرى نؤكد هنا، لماذا ينتشر الجهل في كثير من البلاد العربية، ولماذا تنتشر الخرافة، وتجد من يدعمها وبقوة.

أصبح  الجواب واضحا وصريحا، لا تسأل لماذا الخرافة، ولكن اسأل وابحث عمن وراء الخرافة.

وإذا وجدت مَن وراء الخرافة، فلا تسأل من يقف وراء جهل الأمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى