الأمة الثقافية

بين لغة القرآن الكريم والحديث النبوي

 

 

تخبرنا بعض كتب التصحيح اللغوي أنه لا يجوز الجمع بين ( بين ) و( بين ) مع الاسمين الظاهرين ؛ فلا يجوز القول عندهم : ( أصلحت ما بين الرجل وبين زوجته ) والصواب (أصلحت ما بين الرجل وزوجته) ، فلا يجوز تكرار ( بين ) بحال ، اعتمادا على لغة القرآن وحدها كما في قوله تعالى : : ” فَيَتَعَلَّمونَ مِنهُما ما يُفَرِّقونَ بِهِ بَينَ المَرءِ وَزوجه” [البقرة: ١٠٢]
فلم يقل القرآن ( بين المرء وبين زوجه ) … ومن ثم لا يجوز تكرار ( بين )
لكن السؤال الذي يطرح نفسه


: كيف تعاملت لغة الحديث مع الأمر ؟


الحق أننا من النصوص المتتالية نفهم أن الحديث يؤيد هذا المتجه وهو جواز تكرار ( بين ) بين الاسمين الظاهرين ، ونحن مكثورون في إيراد الأدلة ، لكنا نكتفي فقط بعدد منها ( مع العلم أن كل الأحاديث في الصحاح)


* عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” إِنَّ (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْك) ِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ “.


* عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ” إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا (بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ “ِ ؟ ٍ “. وإن كان المعطوف اسما موصولا لكن كررت ( بين )


* حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُتُ (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ) إِسْكَاتَةً، قَالَ : أَحْسِبُهُ قَالَ : هُنَيَّةً ، فَقُلْتُ : بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ ؟ “.


* عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ (بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاء)ِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ “


فليس الأمر شاذا كما قالت كتب التصحيح اللغوي …
ومن ثم فلغة الحديث ( وإن تذرعوا بأنها منقولة بالمعنى ) تصلح ملجأ لتثبيت القاعدة النحوية ، فلا يكتفى بالقرآن وحده في إثبات القاعدة النحوية …


ومما يستأنس به هنا في جواز تكرار ( بين) بعض استعمالات سيبويه في الكتاب ، وهذي بعض جمله :
* قال سيبويه : “ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﺗﻘﻮﻝ: ﺯﻳﺪا ﻫﻞ ﺭﺃﻳﺖ، ﻷﻧﻚ ﻗﺪ ﻓﺼﻠﺖ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺒﺘﺪأ ﻭﺑﻴﻦ الفعل”
تأمل تكرار ( بين ) بين الاسمين الظاهرين ( المبتدأ / الفعل)


* قال سيبويه : ﻭﻛﻠﻤﺎ ﻃﺎﻝ اﻟﻜﻼﻡ ﻛﺎﻥ ﺃﻗﻮﻯ؛ ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻧﻚ ﻻ ﺗﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ اﻟﺠﺎﺭ ﻭﺑﻴﻦ ﻣﺎ ﻳﻌﻤﻞ ﻓﻴﻪ ”
تأمل تكرار ( بين ) بين ( الجار / ما) أي العامل فيه …


* قال سيبويه : ” ﻭﺇﻥ ﺷﺌﺖ ﻧﺼﺒﺖ ﻓﻘﻠﺖ: ﻟﻪ ﻋﻠﻢ ﻋﻠﻢ اﻟﻔﻘﻬﺎء … ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻓﺮﻕ (ﺑﻴﻦ ﻫﺬا ) ﻭ(ﺑﻴﻦ اﻟﺼﻮﺕ) ﻷﻥ اﻟﺼﻮﺕ ﻋﻼﺝ”
تأمل التكرار


وبعد ، فالتعبيران جائزان ، وإن رأى بعض علمائنا أن عدم التكرار هو الأفصح ، والتكرار فصيح … ولا مشكلة في ذلك ، لأن الغرض هنا النص على عدم تخطئة من يكرر ( بين ) بين الاسمين الظاهرين …

 

 

مجمع اللغة العربية (مكة) – د. أحمد درويش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى