الأمة الثقافية

بين قصيدة النثر وقصيدة اللبخ

الشاعر والمترجم: حامد خضير الشمري (العراق)

قصيدة “النثر” جعلت نصف سكان العراق شعراء دمج، وستتكفل قصيدة “اللبخ” بإلحاق النصف الثاني بهم.

في كل محافظة منتجة للجمال، لا يزيد عدد فرسان النص النثري على عشرة مبدعين كحد أقصى، ولا يُصدر أي منهم مجموعة مكتنزة إلا في بضع سنين لكن حظوظ دور النشر تحض كل لاجئ غير شرعي في مملكة الشعر إلى تقيؤ مجموعته في بضعة أيام، وحين يدفعها للنشر، يكون قد أنجز نصف المجموعة التي تليها.

الشعر مهما رَك فهو شعر، والنثر مهما سما فهو نثر، والشعر في لغات العالم كلها، عبر التاريخ الموغل في القِدم، وزن وقافية وإيقاع وصور آسرة ولغة صافية بصرفها، ونحوها، وبلاغتها. وقد أنتجت هذه القيود الصارمة الجميلة شعراً يتحدى الزمان. وليس عيباُ ألا يتقن أحد ما بعض هذه الأمور، أو كلها لكن المعيب أن يستخف بها، ويسمي نفسه شاعراً، ويصر على إن هذيانه وإسهاله قصائد، ويمتعض حين تصفه بالناثر، وينشر ريش ذيله لأن بعض نقاد الغفلة كتبوا عن فتوحاته، وفيوضاته خاصة إذا كان من (شُخَراء) الأحزاب، والموظفين الكبار ، أو كانت من (المكتوب لهن) والسارقات المحترفات اللواتي ارتقين منابر الشعر المقدسة بدغدغة بارعة (تصلح للابتزار عند الحاجة) لبعض (المضحوك عليهم) من الزواحف، والطفيليين، والسُخفيين، والمتصحرين عاطفياً، وأفردت أرقى المجلات الورقية الملونة أغلفتها لصورهن المغرية التي تذكرنا بأغلفة مجلة الشبكة، والموعد، وألف ليلة وليلة وغيرها.

لم يجن الشعراء من دواوينهم شيئاً، ولم يستردوا كلفة نسخة واحدة، وكان كل منهم يتباهى، ويلتقط الصور التاريخية لأن ديوانه يجلس القرفصاء على رف هذا المعرض البائس أو ذاك دون أن يلمسه أحد.

لقد شاهدت، وسمعت، مع بعض الأساتذة، كيف بُحَّ صوت أحد الباعة في مدخل شارع المتنبي، من جهة شارع الرشيد، وهو  يقف عند كدس من الدواوين ويعرض كل ثلاثة منها بألف دينار، دون أن يلتفت إليه أحد، ولو قيل له كل عشرة بألف لوافق على الفور. ولو كانت هذه المجموعات محض أغلفة ملونة، وورق أبيض بلا كلمات، لنفدت بسرعة وبسعر أغلى للاستفادة منها في أغراض أخرى غير القراءة.

لقد سقط “الشعر الممسوخ” هذا، وأصبح قرينا للقرف، وتوأماً للبشاعة والابتذال، وانتفت الحاجة إليه تماماً، وأصبحت الدواوين توزع مجاناً في حفلات توقيع فلا يأخذها بعض الحاضرين لأنهم لا يعرفون أين يرمونها، ولا يقرأها بعضهم الآخر، ولم تعد الذائقة تستسيغه لانتسابه إلى جمعية أنكر الأصوات… وبُلبُل واحد يغرد عند الفجر في بستان الشعر خير من ثغاء قطيع طيلة اليوم.

لا أغنية في العالم كله بلا شعر موزون، ولهذا لم يغرِ أثرى نص نثري أي ملحن أو مطرب فإلصاق النثر بالشعر، والناثر بالشاعر يسقط عنهما شرعيتهما ويصِمُهما بالتبعية أو النُغُولة الإبداعية.

لست ضد الإبداع أياً كان جنسه، وأنا على تواصل دائم مع كثير من المبدعين الشباب والشابات الذين أتوسم فيهم خيراً،  بشكل مباشر، أو على الخاص، لكنني ضد فوضى التجنيس الأدبي.

أحيي عمالقة القصائد العمودية، وقصائد التفعيلة، وهم ينشرون إبداعاتهم النثرية تحت عنوان (نصوص) وفي هذا رسالة بليغة لمن يتقن قراءة ما وراءها

————-

الشاعر والمترجم: حامد خضير الشمري (العراق)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى