آراءمقالات

بين الثبات والجمود!

Latest posts by علاء سعد حميده (see all)

(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ)

27 سورة إبراهيم

الثبات على الحق في المحن والابتلاءات رزقٌ ونعمة وعطاءٌ رباني لا فضل فيه لأحد من البشر، لا يتحقق بقوة جسدية ولا إرادة روحية بقدر ما يتحقَّق بتوفيق من المولى عز وجل ونعمته، بعد طول تعلُّق من العبد بربه، ومناجاته له وإخلاص الدعاء له بإنزال الثبات والسكينة، فمن دعائه صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به كثيراً: يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك. رواه أحمد والترمذي وغيرهما . والثبات على الحق يُترجم حالة إيمانية يقينية يتيقَّن خلالها العبد بأنَّ الأمرَ كلَّه لله تعالى، الأجل والرزق والضيق والفرج واليسر والعسر، فكل شيء في حياة الإنسان مرهونٌ بأمره تعالى “كُن فيكون” ليس للعبد من رب سواه يدبِّر له الأمر أو يصرِّفه، فلا يملك النفعَ كله والضرَ كله إلا الله تعالى، وما يجري على الأرض ما هي إلا أسباب للابتلاء والتمحيص..

 

ورغم ثبات مبادئ هذا الدين العظيم إلا أنَّه لم يغفل الطبيعة الإنسانية، فإن دين الله تعالى ينصره الله ويرفعه الله ويعلي شأنه الله، ومع ذلك شاءت إرادته سبحانه أن يستعمل بني البشر لينتصروا بهذا الدين ويرتقون به ويعلون، فجعل لكل شيء سببًا، وما غفل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأخذ بأدق الأسباب في كل موقف من مواقف حركته بهذا الدين، فكان كما وصفه الصديق يأخذ بالأسباب حتى يظن أنه لا يدعو الله، وكان يدعو متعلقًا قلبُه بالله حتى يظن أنه لا يأخذ بالأسباب.. لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة اتقاءً لإيذاء المشركين، وفتحًا لآفاقٍ جديدة لدعوة الله في الأرض.. ولو تعطَّل الأخذ بالأسباب لتعطَّلت حركة الحياة على الأرض بهذا الدين!!

 

وهنا تبرز أسئلة محددة للتمييز بين الثبات الإيماني على الحق، وبين الجمود والتصلب والعناد على موقف معين أو أيدولوجية أرضية أو بشرية معينة، أو الجمود على رؤية واحدة جامدة لا تتغيَّر مع ديناميكية التغير المستمر في واقع الحياة..

 

هل الثبات الإيماني يكون إلا في الثوابت التي لا تتبدَّل ولا تتغير من حقائق الإيمان بالله تعالى بأركانه الستة، وأركان الإسلام الخمسة، وقيم ومبادئ الدين الخالدة، ومكارم الأخلاق، ونشر البر والدعوة إلى الله والتواصي بالخير والتناهي عن المنكر؟!

 

أليست الرؤى الفكرية والنظريات السياسية والتنظيمات البشرية والولاءات الحزبية والمناورات الحركية وإدارة الصراعات التنافسية، كلها قابلة للتغير والتطوير والحذف والإضافة، أم أنها ثابتة ثبات مبادئ الدين وثوابته؟!

 

أليست الفتوى نفسها التي بها يستقم أمر عبادة الفرد وحياته وعلاقته بالله تعالى وبالناس تتغيَّر بتغير الزمان والمكان والمواقف والأشخاص؟!

 

ألم يراجع النبي صلى الله عليه وسلم بعض مواقفه في الحركة البشرية مع تغير الظروف فقال قولته: لو ااستقبلت من أمري ما استدبرت، تداركًا ورجوعًا للأولى في الحركة أو العبادة؟

 

هل من الإيمان والثبات الإيماني تقديس ما هو اجتهادي بشري متغيِّر بطبيعته، وإنزاله منزلة ثوابت الدين الصريحة بالنصوص والإجماع والتواتر؟

 

ألم يُهلك الكفار والمشركين في كل زمان جمودهم على ما وجدوا عليه آباءهم، واستقرت عليه مجتمعاتهم، ومنهم من كان مؤمنًا بوجود الله وربوبيته وخلقه وتصريفه، لكنه ما اتخذ من الأصنام إلا وسيلة لتُقرِّبه إلى الله زُلفى؟!

 

أكان أبو جهل الذي أقسم ألا يرجع عن حرب محمد حتى يرِد ماء بدر فينحر ويُطعم وتتحدَّث به العرب، ثباتًا وصمودًا؟ أم كان عنادًا ومكابرة وجمودًا على الباطل؟ وقراءة خاطئة للواقع والمتغيرات؟

 

هل مثَّل تفاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غطفان وغيرها يوم الأحزاب تنازلا عن ثوابت الدين، أو اعترافًا بدين المشركين، أو إقرارهم على ما هم فيه من شرك؟ وكذلك معاهداته مع يهود المدينة، وبعدها صلح الحديبية؟!

 

ألم تختلف رؤى واجتهادات ووجهات النظر بين قيادات التنظيم الدعوي الواحد، فمنهم من أعلن مراجعاته لما كان، ومنهم من دعا إلى إقرار الردع أو دفع الصائل باستخدام القوة، ومنهم من أقر بوجود أخطاء مؤسسية، ومنهم من جدَّد وشدَّد على أن كل ما كان ويكون هو من قدر الله الغالب ليُمحِّص الذين أمنوا؟

 

أليس هذا الاختلاف البين يؤكد على فكرة بشرية الاجتهاد وقبوله للصواب والخطأ وبالتالي للمراجعة والتصويب والأخذ والرد والتطوير والتغيير؟

 

فهل يوجد ثبات على ما هو ظني الدلالة؟ وهل تُبنى إقامة الدين على الظنيات؟

 

أبنائي وإخواني شباب الدعوة إلى قيم الإسلام وأخلاقه، ورجاله المحتسبين أنفسهم وأعمارهم لدعوة الإصلاح في الأرض وتجديد ما تعطَّل من من شرائعه وأحكامه، اسألوا الله تعالى الثبات على أركان الإيمان والإسلام، وقيم الحق وأخلاق الإسلام وسماحته واتساعه، ولا تجمدوا على رؤى الأصل فيها التغير والتطور والتحديث والمراجعة، فالصمود على قطعي الدلالة من القرآن الكريم وقطعي الثبوت والدلالة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ثبات من المولى عز وجل، والجمود على ما هو اجتهادي بشري قابل للخطأ والصواب بطبيعته عناد لا طائل منه.. فلا تنخدعوا بمن يُلبس المتغير ثوب الثابت، ويخلط بين المقدس القطعي وبين الاجتهاد الظني.. ثبَّتنا الله تعالى جميعا على قيم ومبادئ وأخلاق وعبادات الدين الخالص في الدنيا والآخرة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى