آراءمقالات

بورما.. رسالة فى زجاجة لا تصل إلى شطآن

Latest posts by رانيا مصطفى (see all)

ملفت للنظر حجم عمل ماكينة الإعلام العالمية الضخمة، المسموع منها والمرئي، من صحف وتقارير أممية وإدانات من قبل جمعيات حقوق إنسان؛ إلى صور وفيديوهات انتشرت بشكل مكثف على صفحات التواصل الاجتماعي؛ وكأن مذابح الروهينجا بدأت بالأمس، وكأن صرخات هؤلاء المساكين لم ينقل الهواء ترددها منذ قرون إلا اليوم، وكأن الزجاجة التى تحمل رسالتهم لم توصلها الأمواج لشطآن آهلة بالسكان سوى الآن!

 ما أثار دهشتى هو أن ذلك العالم المتباكى وما هى إلا دموع التماسيح،شارك مع سابق الإصرار والترصد فى قتل 470 ألف روح فى خمس سنوات بسوريا، فكيف لى أن أقتنع أنه حقا وبشكل مفاجئ رق قلبه وقرر أن يتحرك من اجل مليون شخص فقط؟! ألم يستمر هولوكوست الصرب بالبوسنة والهرسك مدة أربع سنوات قتل فيها 300 ألف مسلم واغتصبت فيه 60 ألف امرأة وهدم فيها 800 مسجد؟!

 ما يزيد شكوكى فى الأمر، صحوة البلاد العربية التى بدت وكأنها كانت تحتاج أن يوقظها الإعلام الغربي لتستفيق، كنائب نائم فى مجلس يعتدل ليرفع يده بالموافقة، فهؤلاء لا يجيش إعلامهم إلا لتشويه فكر كأن يحول مجاهدين ضد عدو لارهابيين ضد صديق حميم، أو أن يروجوا لصفقات مشبوهة، أو ليعينوا قائد جيش يحاول الانقلاب على حكومة معترف بها دوليا، أو لشجب وإدانة عمل إرهابي راح جراؤه مواطنين من اى ملة غير الاسلام، أو أن يروجوا لتعديل الخطاب الدينى حتى لا يرعب مليار ونصف مسلم باقى الآمنين المسالمين فى العالم!

 

أحكى لكم قصة الروهينجا باختصار لمن لا يعرف جذورهم التاريخية:

 دخل الإسلام بورما عن طريق إقليم “اراكان” في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد،وصل التجار المسلمون ولاية أراكان في القرن 9 قبل أن يؤسس الملك أناوراتا الإمبراطورية البورمية الأولى سنة 1055 م؛ نشروا الإسلام فى بورما، فالبورميون المسلمون هم من سلالة شعوب مسلمة من العرب والفرس والأتراك والمورو والهنود والبنغال والبشتون والصينيون والملايو استقرت وتزاوجت مع المجموعات العرقية المحلية في بورما، وضع نراميخلة “سليمان شاه” في عام 1430م حجر الأساس لأول دولة إسلامية في أراكان بتعاون مع حاكم البنغال المسلمة السلطان جلال الدين شاه الذى كان قد لجأ إليه في عام 1406م بعد أن أغار ملك بورما البوذي على أراكان ودمر عاصمتها لنغريت.

 قام خلفاء “سليمان شاه” بتوسيع حدود الدولة وتحولت إلى دولة نظامية، واختار ملوكها لأنفسهم ألقاب “شاه”، وقد راجت الفارسية كلغة رسمية للدولة، وما زالت حتى بعد 22 عاما من احتلال الإنجليز لها. ومن الحقائق الذهبية النادرة لتاريخ أراكان أنه كان يشترط لملوكها قبل توليهم أن يكونوا حاملين شهادة الفضيلة في العلوم الإسلامية، وكانت العملات والأوسمة والشعارات الملكية تنقش عليها كلمة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” والآية القرآنية: (وأن أقيموا الدين). وهكذا تعاقب على حكمها 48 ملكا وسلطانا مسلما إلى عام 1784م حتى قام باحتلالها الملك البوذي البورمي بودوبيه، فهاجمها محتلا أراضيها وقد كان عهده الذى امتد 42 عاما مظلما على شعب الروهينجا المسلم، فقد شن غارة على مروهانغ -عاصمة أراكان، ونهبها إثر مجزرة كبيرة للوطنيين، كما قام بهدم المكتبة الملكية والمآثر القديمة والمساجد والمدارس وغيرها ومحوها كلية. هدم بودبيه كل شيء شك أنه إسلامي، وأقام معابد للبوذيين وزوايا لهم ليحول أراكان الإسلامية إلى بوذية، وقد لجأ آلاف من المسلمين والبوذيين الوطنيين إلى جنوب البنغال، إنقاذا لأنفسهم من الأذى.قبض بودوبيه على آلاف الرجال والنساء منهم وذهب بهم كأسرى إلى بورما، حيث استخدمهم في الحروب.

ويحضرنى هنا تصريح شيخ الأزهر (أن البوذية دين إنساني واخلاقى وأن بوذا الحكيم  من أكبر الشخصيات فى تاريخ الإنسانية وان كبار مؤرخى الأديان يصفون رسالته بأنها دين الرحمة غير المتناهية)

 زاد عدد المسلمين خلال فترة الحكم البريطاني في بورما فقد جلب الانجليز عددا من المسلمين الهنود إلى بورما لمساعدتهم في الأعمال المكتبية والتجارة. و نتيجة لذلك ازداد عدد السكان من المسلمين؛ ولكنها انخفضت انخفاضا حادا بعد 1941 بسبب الإتفاقية الهندية-البورمية، ثم مالبثت أن توقفت رسميا عند استقلال بورما (ميانمار) في 4 يناير 1948.

 تعاقبت المجازر بحق الروهينجا منذ 1850 – 1819 لأسباب دينية واضحة، وبعدها حين هيمنت بريطانيا على الهند وما حولها،ثم خلال الاحتلال البريطانى الرسمى الذى بدأ 1886 -1948، حين استخدم البورميون المسلمين كبالونات دماء،فكلما أرادوا إثارة قلاقل للحكومة البريطانية تذرعوا بفتنة طائفية يذبح فيها المسلمين حتى تستجيب لهم بريطانيا لتحقق مطالبهم؛ ثم بعد الاستقلال وبعد استيلاء العسكر على الحكم 1963 وإلى يومنا هذا؛ فالروهينجا هم الأقلية الوحيدة الغير معترف بها بماينمار حيث يحرمهم القانون البورمي الصادر في 1982 من الحصول على الجنسية، رغم أن الإسلام وصل إلى بورما في القرن التاسع الميلادي.

 

فماذا حدث اليوم لتتحدث الدنيا عن حقوقهم و معاناتهم؟!

 فى نظري ليس للأمر علاقة لا بمشاعر ولا بإنسانية، فالأمر اقتصادي سياسي بحت، وطالما أن من يذبحون ويستخدمون كطعم لسمكات ذوى المطامع من المسلمين فأهلا ومرحبا، أتصور أن أمريكا تصارع بريطانيا على مستعمراتها فى الشرق كما فعلت فى دول الربيع العربي، وتضع موطئ قدم لها بالقرب من روسيا كما فعلت فى أفغانستان؛ وتصنع قلاقل فى منطقة النمور الأسيوية لتتحرش بالصين التى تتضخم ولا تجد لها ذريعة توقفها عن النمو،الصين التى تسير على نحو ثعبانى هادئ، تحفر شبكة جحور لها بإفريقيا وبمنطقة الخليج وهى مستعمرات و أسواق أمريكية غربية خالصة لهم.

 ما يؤلمني حقا أن مسلمى شرق آسيا ينظرون إلينا نحن المسلمون المتحدثون بالعربية نظرة تعظيم واحترام، فنحن من نتحدث لغة القرآن، ونحن من يحمل ثرى إحدى بلادنا الكعبة المشرفة، ونحن من نخرج الدعاة والعلماء، هم يتوسمون فينا النصرة والإنقاذ، وما يعلمون ما أصبنا به من ترهل فى عضلات روابط الدين، وشلل تام فى أعصاب الإحساس إلى الدرجة التى أصبحنا تعتبرهم أجانب لأنهم غير ناطقين بالعربية، وأن منا من يعتبر مسيحى عربي أقرب إليه من مسلم باكستانى، وأن منا من يروج أن صور الروهينجا المعذبين المشردين ما هي إلا خطة إخوانية خبيثة وأن تلك المناظر ماهى إلا فبركات كما اشاعوا من قبل علي قتلى سوريا.

 لا تنخدعوا، واعلموا أن لا احد ينصف المسلمين ان لم ينصفوا أنفسهم، فالمسلمون بالنسبة لدول الحروب العالمية ما هم إلا خيمة يحصلون منها على احتياجاتهم حين ينهار اقتصادهم، أو موضع استثمار فى مؤتمرات اعادة اعمار لدول خربوها بأيديهم عن عمد، أو أسواق يمتصون بها ما بقى للشعوب المطحونة من رمق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى