آراءمقالات

بل هي الدولة التي يريدها الإسلام كما نفهمه!! (1)

Latest posts by علاء سعد حميده (see all)

دعنا من التصنيفات المسبقة.. والتيه في غياهب المصطلحات ومدلولاتها ومعانيها.. وقبل تصنيفي بالإسلامي أُنوِّه على أن مصطلح الإسلاميين في ذاته مصطلح دخيل على التراث والثقافة والفكر المسلم..

 

فلم يرد هذا المصطلح قديمًا إلا من خلال كتاب: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للشيخ أبي الحسن الأشعري (ت324هـ).. وهو تصنيف تناول الإسلاميين باعتبارهم فِرقًا إسلامية وليس المقصود بالإسلاميين هنا القائمين بأمر الدعوة أو الإصلاح أو الأكثر انتسابًا للإسلام..

 

وإنما المقصود بهم الأكثر بُعدًا عن المنهج الأصيل للإسلام.. فصفة الإسلاميين أساسًا صفة مرفوضة، وعلى الدعاة إلى الإسلام أو دعاة الإصلاح أو أهل الحسبة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يتمسكوا بالمصطلحات التي وردت في القرآن الكريم والسنة الثابتة وهي تندرج بين الدعاة والمصلحين والمحتسبين والمجاهدين والمرابطين إلى غير ذلك من المصطلحات المتفقة مع ثقافتنا المسلمة..

 

نأتي بعد ذلك إلى طرح الأستاذ محمود سلطان، رئيس تحرير جريدة “المصريون”، في مقاله تحت عنوان: “لست علمانيا وأفضل العيش في نظام علماني”.. وخلص إلى أنَّ المطلوب: “نظام يقف عند مسافة واحدة من جميع الأديان، يتعاقب على الحكم فيه، من يختاره الناس، سواء كان علمانيًا أو إسلاميًا أو مسيحيًا أو بلا دين أصلاً.. يخضع لرقابة المؤسسات الدستورية والقانونية والمنتخبة، وبفصل صارم بين السلطات الثلاث: لا ولاية للسلطة التنفيذية “الرئيس” على القضاء أو على البرلمان، بل يستدعيه القضاء إذا أخطأ ويقيله الناس أو البرلمان إذا قصَّر، ويحيله إلى المحاكمة إذا ارتكب من الجرائم ما ينزع عنه شرعيته.

 

هذه هي الدولة المدنية العلمانية التي تناضل القوى الوطنية من أجل تأسيسها.. ولكن في دولة الخلافة “الدينية/الطائفية”، يترك الخليفة للقضاة الفصل في منازعات الناس العادية.. أما المعارضة السياسية، فكان يعتقلها أو يستدعيها إلى قصره، ليقوم بنفسه بقطع الرؤوس وحرق الجثث أو تقطيعها وإذابتها في النهر.. أو تعليقها بالسنوات في الشوارع وعلى أبواب عاصمة الخلافة، تحت مظلة دينية زينها له الفقهاء والعلماء ومن بينهم كبار رواة الحديث!!

 

هنا يقع الأستاذ محمود سلطان في خلط بين ما يريده الإسلام كما نفهمه كمسلمين، وبين تاريخ المسلمين الذي يقع غالبه خارج مظلة ما يريده الإسلام ويكفله حال الالتزام الحقيقي بمنهجه..

 

الإسلام عنى بالمضامين أكثر مما عنى بالمسميات والمصطلحات، وحذَّر من الأقوال البراقة الخالية من المضمون فيقول تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَۗوَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205))سورة البقرة..

 

العبرة هنا بمطالب الدولة في الإسلام القائمة على العدل وأداء الأمانات إلى أهلها والمساواة بين الناس وتحقيق قدر من التكافل الاجتماعي وتطبيق مبدأ الشورى، ونزع القداسة عن البشر، إنَّ ادعاء حاكم مستبد ما بأنه يحكم باسم الإسلام وبنظام الإسلام ثم تشيع في عهده ثقافة مضادة للعدل أو لأداء الأمانات.. هي مدحوضة حتى ولو عضدُّها حديث نبوي يلقيه شيوخ السلطان في مسامع الناس ليل نهار..

 

فلا طاعة لحاكم يجلد الظهر ظلمًا ويأخذ المال سُحتًا، إذ كيف يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يخالف أمر القرآن الكريم وتوجيه، يقول الله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58)) سورة النساء..

 

هل يريد الإسلام كما نفهمه أو كما يفهمه عموم المسلمين دولة؟ وحتى نخرج من الخلاف الأكاديمي حول ما هية الدولة الحديثة في علم السياسة وتاريخ نشأتها وما إلى ذلك، دعنا نحصر تعريف مصطلح الدولة هنا بمفهوم السلطة، هل يريد الإسلام من المسلمين إقامة سلطة حكم مسلمة تقوم على تمكين القيم التي أقرها ودعا إليها الإسلام في حياة الناس؟ نتلمَّس الإجابة في عدة إشارات من القرآن الكريم، عدا الأحاديث النبوية الشريفة التي قد يُساء تأويلها، أو حتى في حال ثبوتها ثبوتًا قطعيًا مع قطعية دلالتها، يروي تاريخ الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم، أنها لم تكن منتشرة بينهم الانتشار الذي يجعلها من المعلوم من الدين بالضرورة، وإلا لتحاكموا إليها في كل خلاف شجر بينهم! وهو الأمر الذي لم يثبته التاريخ!

 

ففي القرآن قوله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗوَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(41)سورة الحج، وفيه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58))سورة النساء.. ثم يتبعها تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)..

 

فمن هم أولي الأمر إن لم يمثلوا السلطة الحاكمة؟!.. بعض المحدثين يقولون أن الحكم مقصود به القضاء وليس بالضرورة السلطة التنفيذية، فماذا يفيد حكم القضاء مهما بلغ من العدل إن لم تكن هناك سلطة تنفيذية قادرة على انفاذ أحكام القضاء العادلة؟..

 

آيات الحدود في القرآن القصاص في القتل، وقطع يد السارق وجلد الزاني، وحد القذف.. من المعني بتطبيقها إن لم تكن سلطة تنفيذية تقوم بإنفاذ أحكام السلطة القضائية العادلة والمستقلة؟

 

آيات القتال في القرآن، حيث لم يشرع القتال في الإسلام إلا بعد الهجرة أي بعد استقلال المجتمع-الأمة وقيام الدولة-السلطة، وإلا لو ترك القتال في الإسلام لآحاد الناس كما فرائض الكفاية، بدون قيام دولة وجيش وحكومة لقتل الناس بعضهم بعضًا في الطرقات ولشاعت ثقافة الذئاب المنفدة وهي ثقافة متطرفة تنافي قيم الإسلام.

 

هذا ما يفهمه عموم المسلمين من مطالب القرآن الكريم، كما أنَّ التاريخ والسيرة يتضافران في إثبات قيام دولة للمسلمين على أرض الواقع، فالدولة في الإسلام إن لم تكن فرضًا قرآنيًا فهي سنة تطبيقية ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فما هي مواصفات أو مطالب الدولة-السلطة كما نفهمها من منهج الإسلام؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى