آراءبحوث ودراسات

بشير بن حسن يكتب: كيف تصبح سلفيا؟

Latest posts by بشير بن حسن (see all)

بكل موضوعية وهدوء، بعيدا عن التشنج والشخصنة لهذا الموضوع، أجيبكم عن هذا السؤال الذي طرحته عليكم، منذ يومين، راجيا من الله العلي القدير أن يوفقني لقول الحق، وأن يجعل ما أقوله نصيحة لإخواني وأخواتي في كل مكان إنه سميع قريب.

 

نحن متفقون جميعا على أن الدين عند الله الإسلام، وأن من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، ولكن لا بد من التفريق أولا بين (الدين) و(التديّن) فالدين من الله، والتدين من الإنسان، والدين كامل تام لا نقص فيه،كما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}، وأما التديّن فهو جهد وعمل واختيار بشري، خاضع للخطأ والنقص، قابل للنقد والتصويب، إذن لا بدّ من التفريق بين هذين المقامين،مقام الدين ومقام التدين!!

 

والمتأمّل في حال أمتنا العربية والإسلامية، يلاحظ أنها منذ نصف قرن تقريبا، قد شهدت صحوة إسلامية ورجعية دينية،لا تخفي  على منصف، في مشارق الأرض ومغاربها، خاصة في صفوف الشباب، و لا أقول ذلك حاكما على الأمة قبل هذه الصحوة بأنها تركت الإسلام جملة وتفصيلا! معاذ الله! ولكن الذي كان سائدا هو ما أسميه بـ(التدين التقليدي)، بمعنى ذاك النمط والطريقة في التعامل مع الدين، الذي لا يجاوز صيام رمضان، وشيئا من صلاة التراويح، وصلاة العيدين، أما الصلوات الخمس، والجماعة الجمعة، فهو نادر جدا إلا من مجموعة قليلة من كبار السن والشيوخ، أو قلة من الكهول، ناهيكم عن الغياب التام للشباب، عن كل الأوساط الدينية، وكان ذلك من نتائج الاستعمار الذي عمل على مسخ هويتنا الإسلامية ونجح بشكل كبير في ذلك، وبعده وكلاؤه الذين حكمونا ولا يزالون!! والذين يطبقون سياسة تجفيف المنابع، و سلخ المجتمعات من دينها، بإعلامهم وبرامج تعليمهم، وغير ذلك من الأساليب الشيطانية,

 

وهذا دفع أفرادا صادقين غيورين على دينهم، إلى العمل على رد هذه المجتمعات إلى دينها، منهم من هو في مرتبة العلماء، ومنهم من هو في مرتبة الدعاة، ومنهم من هو دون ذلك، غير الصدق في نياتهم، والحُرقة على أمتهم، وكل منهم ارتأى طريقة ومنهجا في دعوته الإصلاحية، فمنهم من رأى أن الأهم هو دعوة الأفراد، إلى العبادات و فضائل الأعمال، وعدم الدخول في المسائل العقائدية ولا الفقهية، و النأي بنفسه وبغيره عن الخوض في الأمور السياسية، والتركيز على الجانب الروحي والسلوكي، ودعوة الناس إلى ذلك، على المستوى المحلي أو الإقليمي بل الدولي، وهذه الطريقة الإصلاحية لها وعليها، لها صواب ولها خطأ، لأنني كما أسلفت هو (تدين) والتدين ليس هو الدين! وقد ظهر هذا التدين في الهند وباكستان وأفغانستان، ثم امتد في سائر الأقطار حتى في أوروبا وأمريكا.

 

وهناك من ارتأى أن لا يقتصر العمل الدعوي والإصلاحي على الأفراد والمجتمعات، حتى يشمل أيضا الحكومات، لأن الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، فلا بد إذن من الاهتمام بالمجال السياسي، وخوض غماره، بالعمل السلمي والقانوني، وذلك بالتنظّم أولا هرمياًّ، و تشكيل جماعة لها منظروها وقادتها، ثم بتكوين أحزاب سياسية، ودخول معترك الانتخابات، لحيازة مقاعد برلمانية، والسعي في إثبات الوجود الإسلامي نظرا للتعددية التي تشهدها مجتمعات المسلمين، والتي أنتجت وجود أحزاب سياسية لا علاقة لها بالدين بل ربما هي أحزاب تحارب الدين كلّيا أو جزئيا، كالأحزاب الشيوعية أو القومية أو الاشتراكية أو غيرها.. سيما بعدما أُبعد الإسلام من مؤسسات الدولة بعد إلغاء الخلافة سنة 1924 على يد مصطفي كامل أتاتورك، وهذا التوجه، جهد بشري أيضا له وعليه، له صوابه وله خطؤه، وقد ظهر في مصر وتركيا وامتد في سائر الأقطار حتى في بلاد الغرب.

 

وهناك من ارتأى أن يكون التركيز في دعوته الإصلاحية، على جانب العقيدة، وتنقيتها مما يشوبها من نقائص ونواقض، لا سيما بعد انتشار البدع الشركية في بلاد المسلمين، والذي تولى كبرها الاستعمار وأذنابه، الذين منهم مشايخ طرق وزوايا، مع ما كان سائدا من الجهل بالدين، وانتشار الخرافات والخزعبلات، فراح أصحاب هذه الرؤيا إلى دعوة الناس إلى التوحيد، مع سائر الواجبات الشرعية الأخرى، غير مهتمين كثيرا بالجانب السلوكي أعني جانب تزكية النفوس، مبالغين في الاهتمام بالمظهر والهندام، جاعلين من ذلك معيارا ومقياسا يقيسون به الشخص في تدينه وتقواه، بتعلة (التمسك بالسنة)، ومخالفة الكفار والمشركين، كما أنهم يختلقون المعارك العقائدية والفقهية بصفة ملحوظة، مع كل من يخالفونه، حتى ولو كان ذلك في مسألة خلافية جزئية!!

مقلدين في ذلك مذهب الحنابلة، متسمين باسم السلفية، أو اتباع السلف الصالح، الذي جعلوا منه أربع محطات رئيسية:

الإمام أحمد بن حنبل,

شيخ الإسلام ابن تيمية.

تلميذه ابن القيم,

محمد بن عبد الوهاب.

ثم ما عليه علماء نجد خاصة، وبعض مشايخ المملكة العربية السعودية.

 

وقد انقسموا إلى ثلاث طوائف :

 

1- طائفة علمية (علوم الشريعة) تهتم بهذا النوع من العلوم،دراسة وتدريسا وتعليما، و تعمل على عدم الخوض في الأمور السياسية، ولا حتى التعرض لفقه السياسة الشرعية إلا شيئا سطحيا، تحت مبررات كثيرة، سأذكرها لاحقا في مقال مستقل بإذن الله تعالى.

 

2- أتباع ربيع المدخلي، الذين يبالغون في طاعة الحكام، ولا يتعرضون لنقد سياساتهم، بل يعطونهم الولاء المطلق مهما كان فسادهم حتى ولو كفروا بالله، أو تظاهروا بالفواحش وشرب الخمر على المباشر كما يقول بعض ( شيوخهم)، كما يمكن تسميتهم بالمداخلة أو (السلفية الملكية) وهؤلاء تدينهم سطحي جدا لا يهتم إلا بالمسائل الشكلية،في بعد تام عن الجانب الروحاني، وتعظيم العبادات، وتزكية النفوس، ومعيارهم أيضا الظاهر وليس الباطن،فعندهم: الظاهر عنوان الباطن!! وغفلوا عن قول الله تعالى عن المنافقين (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم),

 

3- الطائفة الثالثة: الدواعش ومن كان على فكرهم، كالقاعدة،وجماعات العنف والقتل، هم أيضا سلسال هذه المدرسة السلفية، حيث أنهم يرون أن لا صلاح ولا إصلاح إلا بالسلاح! ولا يمكن أن ينكر المتبصر بشأنهم هذه الحقيقة،فعقيدتهم في الجملة، هي مقررات علماء هذه المدرسة، واستدلالاتهم إنما هي بفتاوى مشايخ تلك المدرسة قديما وحديثا، بل لقد حظوا بالدعم المادي والمعنوي من حكومات السعودية المتعاقبة، ومشايخها، منذ أيام حرب الأفغان ضد الروس، ولكن هذا الفصيل، أصبح أكثر توحشا وإجراما، خاصة منذ دخول القوات الأمريكية بلاد الحرمين الشريفين، حينما طلبت الحكومة السعودية الحماية منها ضد صدام حسين رحمه الله، بعد تكفيره طبعا وتكفير حزبه!

 

ويعتبر هذا الفصيل الابن العاق للسلفية، كما يمكن تسميته بالمخارجة (لأنهم وافقوا الخوارج في مسائل كثيرة) أو بالسلفية المتوحشة!.

 

هذه أبرز أنواع التدين الثلاثة في العالم اليوم، مع بقاء التدين التقليدي طبعا،الذي ذكرناه آنفا، كما يوجد من يعمل على الالتزام بدينه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، دون الدخول في هذه التيارات الدينية، ويحرص على البقاء محايدا، وله الحق في ذلك تماما،لما ينجر عن الانتماء من تبعات كثيرة قد لا يتحملها الإنسان.

 

وأما كيف تصبح سلفيا؟

 

فالجواب عن هذا السؤال سهل ويسير إن شاء الله،

فإن السلفية هي الأكثر انتشارا في العالم منذ نصف قرن تقريبا، وذلك يعود إلى أسباب أبرزها:

 

1- أنها ظهرت في مكان مقدس عند جميع المسلمين، وهي بلاد الحرمين الشريفين، وقدسية هذه البقاع تنسحب شيئا فشيئا على كل ما يأتي منها!! ألم تر إلى الهدية التي يعطيكها من قدم من الحج أو العمرة، حتى لو كانت «سُبحة» من صنع المجوس، لها مكانة في نفسك، أو سجادة من نسج الأتراك، أو عطر مستورد من الهند، حتى أن من المسلمين من يتعمد شراء حليّ ابنته من مكة أو المدينة، تبركا بتلك البقاع الطاهرة، وتيامنا بقدسيتها، ومنهم من يتعمد ختان ولده هناك، وهكذا في تصرفات وسلوكيات الباعث عليها قدسية المكان، التي سرى مفعولها، إلى كل ما يأتي من هناك، من قراءة دينية، وتفاسير وفتاوى شرعية، وتدين معين، حتى باتت الهجرة والإقامة في السعودية، أمنية كثير من الشباب السلفي، أن لم أقل كلهم، ومن عجز منهم بعد المحاولات، عمل على «سَعْودة» المكان والأجواء التي هو فيها، مسجدا كان أو حيا سكنيا أو متجرا أو مدرسة.. وهكذا.

 

2- تردد كثير من الناس على الحج والعمرة، وتأثرهم بما يسمعونه من المشايخ هناك، الذي منه الصواب ومنه الخطأ، باعتبار أنهم بشر ولهم اجتهاداتهم الفقهية، وتقليدهم لمذاهبهم، بل ربما تقاليدهم المجتمعية التي يروجون لها تحت الطلب السلطاني، أو التعصب القومي، فهذا التردد المتكرر يسهم في انتشار هذا النمط من التدين، خاصة مع استقدام منشورات مسموعة ومقروءة، كالرسائل الدعوية، والمطويات و الكتب، وقديما الأشرطة والأقراص الليزرية، التي يعطى كثير منها مجانا، ويشتريها آخرون.

 

3- القنوات الفضائية التي أظهرت عدة وجوه علمية ودعوية،والتي لم يوجد منافس لها، ولا من يملأ الفراغ دونها، هذه أيضا أسهمت في انتشار هذا النمط,

 

4- استعمال المصطلحات الجذابة عند دعاة هذا المنهج، كمصطلح، نحن نتبع الكتاب والسنة بمفهوم سلف الأمة، وكثرة الاستدلال بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة، وهذا في حد ذاته حسن وجميل، لكن يبقى السؤال هل هو استدلال في محله أم أنه مبتور وجزئي؟

 

كما يكثر سماع: وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه بن القيم، أو مثلا: هذا قول الإمام أحمد، أو هذا مخالف للسنة، ونحو ذلك مما يخلق الحواجز النفسية لدى المتلقي والمستمع بما لا يدع له مجال في النظر والتفكير،لأنه حينئذ سيراه نوعا من أنواع الاعتراض على الدين، فما دام أن الشيخ أو الداعية يقول: قال الله تعالى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم!! فيجب اتباعه بعينين مغمضتين!!

 

دون التفريق بين الدليل والاستدلال، و دون التمييز بين التأويل والتنزيل، ومع عدم النظر إليه أنه بشر يعتريه ما يعتري سائرهم من الجهل والنسيان والخطأ والقصور وغير ذلك من العوارض، وبالتالي يتمّ تغييب العقل تغييبا تاما، وهو من إشكالات هذا النمط في التدين,

 

5- ومن أسباب انتشاره والدخول فيه، أنه غير مُكلف، لأنه يرتكز على الحفظ والنقل فقط، وهذا قد يتناسب مع كل ذي عقل كسيح، ليس له مستوى فكري ولا علمي، يتمكن به من التحليل والنظر والمناقشة والحوار، غير الحمل والنقل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ربّ حامل فقه ليس بفقيه ) وقال (رُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)!! مما يدل على أن الحفظ وحده لا يكفي!

وربما كانت هذه الطريقة في التدين تدرّ أنواعا شتى من الامتيازات، كالشهرة، أو الأموال، أو تبوّء المكانة والحظوة عند المجتمع وغيرها، وهذا يعود إلى نية كل إنسان، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى!! وليس حكما عاما!

 

6- كما أن من الأسباب حبّ وميول الكثيرين إلى التميز عن غيرهم في المظهر أو السلوك أو طريقة التدين، كنوع من أنواع التعبير عن الذات، وضرب من ضروب الاستعلاء الفكري، واحتكار امتلاك الحقيقة المطلقة، وهذا كله من الرواسب النفسية لأن الجانب النفسي مهم ومؤثر في النمط الديني بلا شك!

 

هذه أهم الأسباب التي تجعل الإنسان سلفيا، وتبقى مناقشة ما عليه هذه المدرسة الإصلاحية المعاصرة بكل موضوعية وهدوء، من مسائل العقيدة والخيارات الفقهية ومسألة الشأن العام والمجال السياسي سأتناولها بحول الله تعالى واحدة واحدة والله من وراء القصد.

 

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تلبسه علينا فنضل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى